غــــرد معنا


 
العودة   المـــــرآة > ( مرآة التُراث ) > نافذة التراث
 

ملاحظة: غير مسجل معنــــــــــا

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع

قديم 09-02-2013, 23:17   #1
وليد الهنداس
دكتور طوارئ
 
الصورة الرمزية وليد الهنداس
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Apr 2004
الدولة: الرياض
العمر: 59
المشاركات: 119
المواضيع: 13
مشاركات: 106
 

 
مـجـمـوع الأوسـمـة: (الـمـزيـد» ...)

معمل الكاشي الحديث.. إلحاح الذاكرة ج 13

معمل الكاشي الحديث
إلحاح الذاكرة
شواهد من الماضي والحاضر أرويها لكم




أول الكلام

لا أعلم لماذا يلحّ معمل الكاشي الحديث دائماً على ذاكرتي؟ ولماذا لا يكاد يمر يوم إلا وأتذكر ذلك الشيء: مكانه، تاريخه، شخوصه والأحداث التي لها صلة مباشرة أو غير مباشرة فيه؟ فقد قضيتُ في ذلك المعمل سنين كثيرة ألعب وألهو مع إخوتي عندما كنتُ طفلاً، أعمل وأساعد والدي وأخي الكبير فيه أيام الشباب، أتناول طعام الغداء عند الظهيرة فيه مع والدي وأخي والسائق أيام الدراسة في كلية الطب المقابلة لمبنى المعمل إلى أن أصبحتُ أرتاده زائراً بعدما تخطيتُ فترة الشباب.
لكن كانت هناك أمكنة كثيرة قضيتُ فيها وقتاً طويلاً وسنين طويلة لم تلحّ عليّ أبداً مثلما ألحّت عليّ ذكريات معمل الكاشي. ولعل سبب ذلك هو أن المعمل كان وقتها هو عصب حياة عائلتي ومصدر رزقها ومحط إهتمامها ومحور حياة والدي رحمه الله، وبالطبع أصبح محور حياة أم أولاده وأولاده وبناته.
فقد ارتبط أسم المعمل بأسم العائلة، فكان يقال في بعض الأحيان: معمل كاشي الهنداس. وإذا قدمتُ نفسي لأحد بأني وليد الهنداس سارع البعض بسؤالي: ماذا يقرب لك عبدالله الهنداس صاحب معمل الكاشي؟.
هذا هو إذن السبب: معمل الكاشي يعني لي ولإفراد عائلتي الحياة والبقاء والرخاء والرابطة والذاكرة والزمان و ... الفناء.
بعد وفاة والدي عبدالله الهنداس في سنة 1978 لم يكن المعمل كما كان عليه أثناء حياته.
وبعد وفاة أخي الكبير( كامل ) في سنة2001 لم يكن المعمل كما كان عليه أثناء حياته.
وبعد وفاة أخي(عبد الرزاق) في سنة 2005 إنتهى المعمل نهائياً.
ولعل الظروف التي مرت بالعراق في تلك السنين كان لها الدور الأكبر في تبدّل أحوال المعمل وفي نهايته.
في سنة 1980 بدأت الحرب العراقية الإيرانية وانتهت في سنة 1988.
في سنة 1990 حصل غزو الكويت، وتلاه الحصار الاقتصادي ضد العراق.
في سنة 1991 جرت الحرب ضد العراق لإخراجه من الكويت.
في سنة 2003 حصل الغزو الأمريكي للعراق.
فكيف لمشروع صناعي مثل معمل الكاشي أن يصمد أمام هذه الظروف؟ وكيف يمكن لأي بشر أن يتشبث بالمعمل وكل الظروف والأوضاع من حروب وحصار إقتصادي تقف ليس ضد التطور فحسب بل ضد الإستمرار؟.
لذلك كانت النهاية.
لم أجد مفراً من رواية القصة بصيغة الذي يتحدث عن نفسه وعن شخوص القصة ضمنهم أهله وأقرباءه، لأن السير الذاتية والذكريات لا تحلو إلا بلسان صاحبها. وقد وجدتُ صعوبة في رواية القصة دون ذكر أسماء أبطالها الحقيقيين وأماكنها الواقعية، وإلا كان بالإمكان تناول الحديث عن معمل الكاشي الحديث على هيئة تقرير أو رواية تحت عنوان (الصناعة والصناعيين في الزبير) على سبيل المثال. لكن تجربة تأسيس المعمل ونجاحه هي التي فرضت أن تكون القصة سيرة ذاتية أرويها بصدق أرجو من القارئ أن يفهم القصد منها بعيداً عن أي مضنة بالمبالغة والتحيّز، ولو أن كليهما مفهومان إذا كان الكاتب يكتب عن تجربة أبيه. لذلك أجد نفسي أعتذر مقدماً إذا ما شعر القارئ بالإنحياز، لأن الكاتب بشر يخطئ ويصيب ولا يستطيع في بعض الأحيان أن يتخلى عن صفاته الإنسانية التي تجرّه من حيث لا يدري نحو المديح وإبراز محاسن وصفات والده المحمودة.
كانت هناك تفاصيل في القصة لعلها غير ضرورية لدى البعض، ويعتقد البعض الآخر والكاتب معهم أنها كذلك، وهذا شئ طبيعي في أي نتاج إنساني الذي لا يستطيع بطبيعة الحال أن يرضي جميع الأذواق، لكنها تفاصيل أجدها ضرورية لمنح مصداقية للقصة ولإعطاء الإنطباع المرجو بأن القصة ليست قصة رجل واحد أو مشروع صغير، وإنما قصة الرجال النجديين الذين جاءوا من الصحراء بدون تعليم وبدون خبرة يحملون معهم صلابة وجفاف وجفاء الصحراء، ثم أنشأوا وتوطنوا مدينة الزبير في أرض العراق وصنعوا بقدراتهم الكبيرة وبأواصر الحياة الإجتماعية الرصينة مجداً إقتصادياً زراعياً وصناعياً وتجارياً قُدّر لهذه المدينة أن تزهو وتفخر به على مدى أجيال.
إن الحديث عن مدينة الزبير و تجربتها العظيمة وتأثيرها الكبير يجب ألا ينتهي عند سرد الذكريات الحلوة والمواقف الفردية والتسلية بتذكر بعض مآثر الأمكنة والرجال، وإنما يجب توثيق قصة بناء هذه المدينة التي بدأت من لا شيء ثم إزدهرت بالتجارة ثم بالزراعة وأخيراً بالصناعة التي مارسها نفرٌ قليل من أبنائها. وكذلك يجب أن يمتد الحديث نحو الجيل الجديد الذي دفعه جيل الآباء البناة نحو التعليم والذي حصل على مختلف الشهادات العلمية من الجامعات العراقية بكافة التخصصات، وخدم مدينة الزبير، كالأطباء والمهندسين والحقوقيين والإقتصاديين والمعلمين والمدرسين والمعلمات والمدرسات والمحاسبين وموظفي الحكومة والذين قُدر لهم أن ينتقلوا بعلمهم للملكة العربية السعودية ليخدموا بلدهم الأصلي الذي هاجر منه الآباء والأجداد.
هذه سيرة حياة مشروع صناعي بناه فرد واحد وُلد في نجد ونزح للزبير صغيراً لعلها تصلح أن تكون نموذجاً لقصة كفاح، ومرآةً تحكي قصة مدينة الزبير وتجربتها المثيرة.
كان هناك ضرورة لربط بعض أحداث الماضي بما حدث في مابعد في المستقبل فيما يخص نفس الحدث، وحتى لا تفقد الحكايات تسلسلها الطبيعي، وحتى لا يواجه القارئ سوء الفهم، فأني فصلت نص أحداث المستقبل المتعلقة بالحكاية عن النص الأصلي بأقواس وميّزتها بعدة نقاط قبل وبعد النص.
سيواجه القارئ كلمات غريبة لأسماء معدات ومكائن صنع البلاط في مراحله الأولى والأخيرة، وكان لابد من ذكرها لإتاحة الفرصة أمام عقل القارئ ليتخيّل مناخ العمل والجهد المطلوب في هذا النوع من الصناعة. ولا أجد أمامي وسيلة للدفاع عن نفسي سوى الإعتذار مرة أخرى على الضيق والملل الذي قد يصيب القارئ عند ذكر تلك التفاصيل التي ربما لا تعنيه في شيء. وينسحب الإعتذار نحو ذكر أسماء بعض العمال وكنياتهم، وهو أمر لا يهم أحد بالتأكيد، لكنه يعكس مناخ وبيئة العمل وطريقة تعامل صاحب المعمل مع عماله القائمة على المحبة والإحترام. كما أن ذكر تلك التفاصيل التي قد لا يهتم بها أحد جاء من عاطفة غلابة تمليها عليّ رغبة جارفة في ردّ الدَين لكل من شارك في ذلك المشروع بضمنهم المؤسس وابنه تحيةً مني لذكراهم الطيبة يرحمهم الله ومحاولةً مني لترسيخ أسماءهم ومساهماتهم في ضمير أفراد الأسرة وعقول الناس الذين عرفوهم وزاملوهم، وقد رأيت أن ذكر تلك التفاصيل هو السبيل إلى ذلك، وأرجو أن أكون موفقاً في رؤيتي.
إن مدينة الزبير أنتجت مجتمعاً تجارياً بالدرجة الأولى، ولعل سبب ذلك يكمن في المنطقة الجغرافية التي سكنها النجديون الأوائل والتي كانت طريقاً ومعبراً للتجارة بين العراق من جهة ونجد ودول الخليج العربي من جهة أخرى، ومُناخاً لإبل القوافل وملتقى ثقافي يرتاده الشعراء كما في أسواق المربد. وبعد أن سكن النجديون الزبير إتجه بعضهم نحو الزراعة، ثم تطورت الزراعة فيها كماً ونوعاً حتى غدت الزبير من أكبر المناطق المنتجة لمحصول الطماطة (البندورة) التي تزود العراق كله بهذا المحصول.
وبطبيعة الحال أين ما توجد الزراعة تنمو مهنة الرعي وتربية الماشية الجائلة في فيافي ومراعي الزبير الخصبة حتى كوّنت مدينة الزبير مجتمعاً زراعياً وتجارياً من الطراز الفريد. أما الصناعة فأنها بدأت على إستحياء ولم تكبر ولم تتطور، وإنما هي محاولات هنا وهناك لبعض الرجال النجديين لممارسة الصناعات البسيطة، ولعل ذلك يعود لتاريخ نشأة المهاجرين الأوائل الذين لم يعرفوا الصناعة قط. لذلك فإن نجاح مسار الصناعة في الزبير- وهي المهنة الغريبة على أهلها- يعتبر إنعكاساً جلياً للنجاح الكبير الذي حققه أهل نجد في مدينتهم الجديدة حتى عودتهم إلى موطنهم الأصلي.
وإذا كان الحديث عن الصناعة يعكس مدخلاً هامشياً للحديث عن الزبير، فأن الحديث عن المهن الأخرى التي برع بها أهل الزبير سوف يكون مدخلاً واسعاً لدراسة الحركة الإقتصادية والحياة الإجتماعية والأحداث التاريخية التي جعلت مدينة الزبير متميزة ضمن محيطها الجغرافي. ولعل واحداً من أهداف كتابة هذه السيرة هو دعوة صادقة ومشجعة لكل من عاصر مهنة التجارة وتجربة الزراعة المثيرة في الزبير ليدلي بدلوه في كتابة تاريخ هذه المدينة. ومن المؤكد أن الكتابة عن رجال التجارة ورجال الزراعة سوف لن يكون صعباً كما هو الحديث عن رجال الصناعة، ذلك لوفرة المعلومات والرجال وأبناء الرجال الذين مارسوا التجارة والزراعة، وهي دعوة مفتوحة للجميع حتى لا يطوي النسيان مجد تلك المدينة وتأثيرها.

وليد عبدالله الهنداس
الرياض


وليد الهنداس غير متصل   رد مع اقتباس

قديم 10-02-2013, 23:29   #2
وليد الهنداس
دكتور طوارئ
 
الصورة الرمزية وليد الهنداس
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Apr 2004
الدولة: الرياض
العمر: 59
المشاركات: 119
المواضيع: 13
مشاركات: 106
 

 
مـجـمـوع الأوسـمـة: (الـمـزيـد» ...)



تنويه


المعمل كلمة تعني: المصنع.
الكاشي يعني: البلاط، وهي كلمة مشتقة من الكلمة التركية (قيشاني) أو(كيشاني).
ومعمل الكاشي يعني مصنعاً لصنع البلاط: العادي(ويسمى السادة).
أو المزخرف بأنواع الحجر الصغير الأسود والملون(ويسمى موزاييك).
أو المنقوش(ويسمى نقشة).
أو المضلّع(ويسمى ترتوار) وهو ما يستعمل للحمامات لتجنب الانزلاق.
أو كاشي الزاوية(ويسمى إزارة) وهو الكاشي الذي تغلف به حافة الجدران عند التقاءها بالأرض.
وينتج المعمل مقاسات مختلفة من الكاشي: الحجم العادي(ويسمى أبو ثمانية نسبة لطول ضلع مربع الكاشية الواحدة والبالغ ثمانية إنجات).
أو أبو العشرة(نسبة لطول ضلع مربع الكاشية الواحدة والبالغ عشرة إنجات).
أو أبو الفوت(نسبة لطول ضلع مربع الكاشية الواحدة والبالغ 12 إنج أو فوت واحد).
أو البايات(جمع كلمة باية) وتعني أدراج السلالم المصنوعة من الكاشي، وكل باية تتكون من قطعة واحدة كبيرة من الكاشي تغطي لوحدها درجة السلّم.
أو الكاشي صغير الحجم ويسمى أبو الأربعة(نسبة لطول ضلع مربع الكاشية الواحدة والبالغ أربعة إنجات).
والنوعان الأخيران كنت أراهما في المعرض فقط، وفي وقت وعيي بالمعمل لم يكن هناك أي إنتاج لهما ويبدو أن المعمل كان ينتجهما في السابق.
وليد الهنداس غير متصل   رد مع اقتباس

قديم 11-02-2013, 23:46   #3
وليد الهنداس
دكتور طوارئ
 
الصورة الرمزية وليد الهنداس
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Apr 2004
الدولة: الرياض
العمر: 59
المشاركات: 119
المواضيع: 13
مشاركات: 106
 

 
مـجـمـوع الأوسـمـة: (الـمـزيـد» ...)


التاريخ

كان مؤسس المعمل كثيراً ما يروي لأولاده قصة التأسيس عندما كنت صغيراً. وبطبيعة الحال غطى غبار النسيان هذه الروايات. لكن روايات والدتي وأخي الكبير وأختي الكبيرة جلت لي الذاكرة وحسّنت من تسلسل الأحداث التي أجد صعوبة كبيرة في وضعها بقالب روائي متسلسل لأن الراوي والراوية ليسا مثل المؤسس الذي كان يروي التجربة عن واقع عاش فيه.
لقد واجه الوالد اليُتم وهو صغير حين توفيت أمه وهو في الرابعة من عمره، ثم رافق والده(سعد سليمان الهنداس) في نزوحه من مدينة(جلاجل) النجدية في المملكة العربية السعودية في مطلع القرن العشرين، عندما كان عمره في ذلك الوقت لا يتجاوز السابعة. واستقروا في مدينة(الزبير) في أقصى جنوب العراق قرب جدي لأمي(ناصر الهنداس) الذي هاجر قبلهم. عاد جدي إلى جلاجل وترك ولده عبدالله في عهدة أخيه الكبير العم(إبراهيم) الذي كان يعمل في ذلك الوقت عند أسرة(المنديل) وعميدها(عبد اللطيف باشا). وبعد سفر جدي إلى جلاجل ألحق عمي أخاه للعمل عند أسرة المنديل.
هنا تتوقف الرواية ليتحول المشهد من بيت المنديل في البصرة الذي كان والدي يعمل فيه، إلى مشهد آخر تقع أحداثه في منطقة (صفوان) ووالدي فيها يمتلك مزرعة مع شريك له وقد صحب أسرته كلها معه للإقامة في المزرعة أيام حصاد محصول الطماطم(البندورة) في الربيع، ومحصول البطيخ(الشمّام) في الصيف.
و تتوقف الرواية كثيراً لزمن أقدّره بعشرين سنة تقريباً، وليس عندي من المعلومات عن هذه العشرين سنة إلا القليل و فيها قصة زواج أبي من ابنة عمه(والدتي)، وعمله في صناعة الكاشي في منطقة(الشعيبة) القريبة من الزبير، وخروجه من عمل صناعة الكاشي بخبرة جيدة وبماكينتين حديديتين لصناعة الكاشي بقيتا مرميتين بإهمال على قارعة الطريق قرب باب بيت العائلة في محلة(الشمال) في الزبير، وكان سبب توقف العمل في صناعة الكاشي يعود إلى إندلاع الحرب العالمية الثانية في سنة 1939م، والمعروف أن منطقة الشعيبة في ذلك الوقت ولا تزال منطقة عسكرية فيها معسكر ومطار للقوات البريطانية.
و يتحوّل المشهد الآن إلى منطقة صفوان القريبة من الحدود مع الكويت والشهيرة بعذوبة مياه آبارها التي جعلت منها منطقة زراعية مهمة وسط الصحراء في جنوب غرب البصرة.
كان والدي قد أصيب بصدمة كبيرة وخسائر فادحة في ذلك الموسم عندما هاجم الجراد المنطقة ليقضي على الزرع بلمح البصر. الأمر الذي أدى إلى تحول المزارع عبدالله الهنداس بعدها من ميسور الحال إلى مدين يطعم عائلته بالقروض التي كان أصدقاؤه يقدمونها له على أمل تحسّن الأحوال في الموسم الزراعي القادم. و في قمة يأسه وحزنه على العزّ الذي ولّى بعد هجوم الجراد، ظهرت سيارة سوداء اللون تنهب الأرض وتقترب من المزرعة، فيما أوجس مالكا المزرعة خيفة من الزائر الغريب. ترجّل من السيارة رجلان يرتديان البدلة الأوربية وقدما نفسيهما لوالدي: (أدور) وأخوه(جون إلياس جرجي).
طلب الأخَوان من والدي العمل معهما لإنشاء معمل للكاشي يدخل فيه شريكاً بالجهد والإدارة. و قالا له بأنهما سمعا عنه وعن خبرته وهما يرجوانه الموافقة على هذا المشروع. كان والدي وقتها فرحاً لهذه الفرصة التي ستنتشله من حالته المالية البائسة والتي ستجعله يترك مهنة الزراعة التي كرهها بسبب عدم ضمان المحاصيل من هجوم الجراد وعدم توفر أساليب الوقاية من هذه الكوارث. لكنه لا يملك رأس المال الذي يحتاجه للشراكة، لذلك قال للأخوين أنه لا يملك فلساً واحداً للمساهمة بالمشروع، وأنما يمتلك ماكنتين لصنع الكاشي بالإضافة لخبرته في صناعة الكاشي. وقَبِلَ الأخوان العرض على الفور لأنهما من المقاولين المعروفين في البصرة وكانا يعتقدان أن إنتاج الكاشي سيسهّل عملهما في المقاولات الإنشائية. وهكذا رأى (معمل الكاشي الحديث) النور سنة 1947 م لأصحابه: الأخَوان أدور وجون إلياس جرجي وعبدالله سعد الهنداس. و كان موقع المعمل في نهاية (شارع الوطني) في منطقة (العشار) التجارية المعروفة في قلب البصرة، ومقابل (سينما غازي) الشهيرة في ذلك الوقت.


نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
صورة من رسالة أرسلها الجد سعد سليمان الهنداس من الزبير إلى مدينة جلاجل في نجد بخط يد الوالد عبدالله سعد الهنداس، ويعود تاريخها لسنة 1346 هجرية / 1927 ميلادية
وليد الهنداس غير متصل   رد مع اقتباس

قديم 13-02-2013, 00:12   #4
وليد الهنداس
دكتور طوارئ
 
الصورة الرمزية وليد الهنداس
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Apr 2004
الدولة: الرياض
العمر: 59
المشاركات: 119
المواضيع: 13
مشاركات: 106
 

 
مـجـمـوع الأوسـمـة: (الـمـزيـد» ...)

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
عبدالله سعد الهنداس في شبابه


نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
المزارع الذي تحوّل إلى رجل الصناعة



نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الأولاد يلعبون أمام بيت المنديل في محلة السيف في البصرة
من اليمين: إبن الجيران يركب الدراجة، ناصر، وليد، عبدالرزاق وخالد






المُزارع الذي تحوّل إلى رجل الصناعة


كان والدي سعيداً بالتحول الذي طرأ على حياته، فقد كان يقول لنا بأنه زهد من مهنة الزراعة التي ترغمه على العيش في المزرعة وسط الصحراء لشهور طويلة بعيداً عن المدينة وحياتها الاجتماعية، ولم يكن هو مسروراً من الزراعة لأن دخلها السنوي يجعله بالكاد ميسور الحال، بالإضافة إلى حرقة القلب التي كان يعانيها وهو يرى الجراد يلتهم كل تعبه وعرقه ومجهوده، لذلك أقبل على عمله الجديد في معمل الكاشي بكل همة ونشاط.
وعلى الرغم من البعد بين مكان سكنه في الزبير ومكان عمله في العشار، واضطراره للسفر يومياً ذهاباً وإياباً بين الزبير والعشار، إلا أنه كان مسروراً بعمله الجديد.
.....(وفيما بعد وفي منتصف الستينات طاب للوالد أن يزور مكان مزرعته القديمة المهجورة في صفوان، وصحب شريكه السابق في المزرعة ولعله من عائلة البعيجان المعروفة على ما أذكر كما صحب كل أفراد عائلته في أحد أيام الجُمع بعد الفراغ من سفرة جميلة في بر منطقة القريطيات. حيث قاد سائق شاحنة البيكب أب إبراهيم وفيها كل أفراد العائلة ومعهم الشريك السابق نحو صفوان قبل العودة إلى الزبير. وطاف الوالد وشريكه أرجاء البناء المهجور وتذكر كبار العائلة سناً المكان الذي طالما عاشوا ولعبوا فيه وهم صغار)......
ودارت عجلة العمل بسرعة وتوسع المعمل وتطور إنتاجه كماً وكيفاً، الأمر الذي جعل المعمل أخيراً يربح بدلاً من خسارته في السابق. وشيئاً فشيء بدأ الأخوان أدور وجون يقللان من التردد على المعمل إلى أن وصل بهم الأمر بالتواجد في نهاية الشهر فقط لمناقشة أبي في الحسابات، وانطلقا في مشاريعهما في المقاولات. وتولى والدي أمور المعمل بالكامل من حيث الإدارة والإشراف و الحسابات وعلاقات المعمل ببقية المؤسسات كالمصارف والتنمية الصناعية والتقاعد والضمان والبلدية والتجار الموردين للمواد الأولية كالإسمنت بنوعيه الأسود والأبيض والأصباغ والحجر والرمل وما إلى ذلك من مهام أخذ يقوم فيها كلها مرة واحدة بدون أي إعانة سواء من الشريكين أو من موظفين، فقد كان يعمل لوحده.
ومن الطرائف أني كنت ألاحظ أن الأوراق الرسمية التي تخص المعمل كتب عليها أسماء المالكين له، حيث ورد أسم أبي(عبد الله سعيد الهنداس) بدلاً من(عبدالله سعد الهنداس) وكان الوالد يقول لي أن ثمة خطأ مطبعي حصل في الأوراق، وأن من الخسارة إتلاف هذه الكمية من المطبوعات بسبب هذا الخطأ. وبعد سنوات بدأت ألاحظ أن الاسم قد تم تعديله.
لقد كنت ولا زلت أتذكر المعمل جيداً: موقعه، مبناه، أماكن تخزين المواد الأولية وخصوصاً الرمل حيث كنت ألعب مع إخوتي في مستودع الرمل وأذكر حتى بعض عُمّاله. فقد كان مبنى المعمل يشغل الزاوية الشرقية من تقاطع شارع الوطني مع أحد الشوارع التي تؤدي في نهايتها إلى كورنيش شط العرب، وكان هناك ثمة متجر ليس ببعيد عن المعمل يملكه ابن العم(عبد الرحمن إبراهيم الهنداس) وكان والدي عندما يعطينا المصروف اليومي يقول لنا لا تشتروا إلا من دكان ابن عمكم.
وكانت عائلتي قد انتقلت في صيف 1959 من الزبير للسكن في البصرة حتى يكون والدي قريباً من مكان عمله في المعمل، واستأجر لهذا الغرض بيت(المنديل) ذو الشناشيل الشهيرة، وهو نفس البيت الذي طالما ظهرت صوره في التلفزيون والبطاقات البريدية على أساس أنه أحد معالم مدينة البصرة و كان في الماضي يسكنه(الباشا عبداللطيف المنديل) في محلة (السيف) المعروفة في البصرة. ويتميز ذلك البيت بجسره المنصوب على(شط العشار) الذي يؤدي لمدخل البيت لوحده. وفي سبعينات القرن الماضي استولت الحكومة على البيوت القديمة والأثرية في تلك المنطقة ضمنها بيت المنديل وبيت الزهير(عائلة رعد الزهير) المجاور وبيت اليهودية (أم نسيم) الذي تحول إلى مستودع تابع لمديرية تربية لواء البصرة.
.......(كان يطيب لي بين فترة وأخرى زيارة ذلك البيت وتلك المنطقة لإسترجاع الذكريات، و كنت أحرص على دخول البيت الذي تحول إلى متحف والتفرج على مرافقه واستذكار أحداث معيشتي مع أهلي فيه، و في يوم سألت الموظف عن الطريقة التي إستملكت الحكومة هذا البيت فقال أن إمرأة من بيت المنديل تبرعت به للحكومة، ولا أعلم إلى الآن إن كان هذا الكلام صحيحاً أم لا. وكانت آخر زياراتي للبيت في عصر أحد أيام صيف1996م)........
كان والدي قد سجلني للدراسة في(مدرسة حداد الأهلية) وهي مدرسة خاصة تملكها وتديرها عائلة حداد المسيحية المعروفة في البصرة وذلك في العام الدراسي 1959 – 1960 و كان عمري وقتها أربع سنين لأصبح تلميذاً في مرحلة(الروضة). وكان مبنى مدرسة حداد يقع في شارع(14 تموز) الشهير في البصرة وهو قريب من موقع مبنى المعمل، فيما سجل الوالد أخواني خالد وعبدالرزاق في مدرسة الموفقية الإبتدائية وأخي ناصر في متوسطة النضال الواقعة في منطقة (نظران) القريبة من محلة السيف، قرب جسر الغربان .
ولأني صغير السن في ذلك الوقت فأني كنت أرفض الذهاب إلى المدرسة والركوب في الحافلة الخشبية التابعة للمدرسة، لذلك كان والدي يأخذني معه في الصباح إلى المعمل ثم تأتي الحافلة لموقع المعمل القريب من مكان المدرسة، ووسط بكائي وصراخي يحملني العامل(ياسين عبد النبي) على كتفيه ويقذفني داخل الحافلة غصباً عني. وعند الظهر تعيدني حافلة المدرسة إلى البيت في محلة السيف.
وفي واقع الحال، فقد كان هناك الكثير من العوائل النجدية التي إتخذت من مدينة البصرة سكناً لها حسب ظروف المعيشة في ذلك الوقت. ومعظم هذه العوائل كانت قد سكنت الزبير أولاً ثم انتقلت للبصرة وراء رزقها. وكانت محلة(السيف) بكسر السين وهي من الأحياء الراقية في البصرة في ذلك الوقت، مؤلاً للبيوت النجدية مثل المنديل والدغيثر والرشَيد والشملان والقديمي والجارلله والعيسى والزهير والرماح والفداغ والعمرالعثمان وغيرها. وبعد إنشاء أحياء جديدة في البصرة مثل أحياء الجزائر والبريهة والكزارة في مطلع الستينات، إنتقلت بعض العوائل النجدية لتسكن في تلك الأحياء الجديدة ذات المساكن الحديثة والراقية. لذلك لم تواجه عائلتي غربة حقيقية في محلة السيف فقد كان هناك جيران وأصدقاء من الزبيريين النجادة يسكنون في نفس المنطقة. وقد زاملني في دراستي الإبتدائية في مدرسة الفيحاء النموذجية بعض الأولاد والبنات من تلك العوائل. وعقدت عائلتي صداقات متينة مع عوائل المنديل والدغيثر (وكانت العائلة تسمى الرشَيد، بفتح الشين في ذلك الوقت).
وكانت تلك العوائل تشكل طبقة من الرجال الميسورين وملاك الأراضي الزراعية وأصحاب تجارة واسعة. فقد كانت عائلة المنديل على سبيل المثال تملك مقاطعات زراعية كبيرة في مناطق الهارثة والقرنة على الطريق إلى مدينة العمارة. وسُميت هذه المقاطعات بأسماء أولاد عبداللطيف باشا المنديل، (الماجدية) نسبة لماجد و(المالكية) نسبة لمالك، والمنطقة التجارية الراقية في محلة العشار التي يقع فيها معمل الكاشي الحديث واسمها(السعودية) نسبة لسعود.
وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على إنشاء معمل الكاشي الحديث، و بعدما أصبحت أعي لما حولي حيث أصبحت في السادسة أو في السابعة من عمري، دبّ الخلاف بين والدي وشريكيِّه. وكان سبب الخلاف أنه، و بعد كل السنوات التي تولّى فيها إدارة المعمل وبعد كل هذا النجاح الذي جعل المعمل الأشهر في مدينة البصرة كلها طالب شريكيِّه أما بتحمّل جزء من المسئولية الملقاة على عاتقه في إدارة المعمل أو باحتساب راتب شهري يتقاضاه مقابل إدارة المعمل، أو بزيادة حصته من الأرباح، وقال لهما: ليس من المعقول أن تتجردا من كل مسئولية ومن كل عبء لتأتيا في نهاية السنة لتأخذا نصف الأرباح وأنتما لا تفعلان شيئاً للمعمل.
ولا أستطيع أن أنسى مشاهد متفرقة رأيتها بعينيّ لمناقشات حادة بينه وبين شريكيِّه في غرفة إدارة المعمل في أمسيات تلك الأيام، ورفض الشريكان واشتد الخلاف إلى أن وصل لدرجة القطيعة بين الطرفين.
وتدخّل أصدقاء الطرفين لحل المشكلة، ودارت جولات من المفاوضات في بيوت هؤلاء الأصدقاء، إلى أن رفض الأخَوان كل الحلول وقدما عرضاً لوالدي كان في ظنهما أنه سيكون أشبه بالمستحيل أن يقبله، وكانت تلك محاولة منهما لدفعه لليأس حتى يكف عن مطالبه. كان العرض أن يتم فك الشراكة على أن يشتري هو حصة الأخوين ويتم تسجيل المعمل كله باسمه فطلب والدي مهلة للتفكير، فقد كانت قيمة حصة الشريكين عالية ولم يكن وقتها يملك المال السائل الذي يستطيع فيها شراء حصتهما في المعمل. وبعد جرد موجودات المعمل و تقدير قيمته الإجمالية، اتضح أن المبلغ كبير جداً وفوق طاقة الوالد.
وعادت المفاوضات هذه المرة على طريقة الدفع يكون نقداً أو مواد (إسمنت ورمل)؟، دفعة واحدة أو تقسيط؟. ورفض الأخوان التقسيط أو المواد وأصرّا على الدفع النقدي وبدفعة واحدة. وتوتر الجو، وقرر والدي أن يحل الموضوع دفعة واحدة ، باع شاحنة له كان يستخدمها في المعمل، واقترض مبلغاً من المال من الأصحاب، وجمع ما في حوزته من مدخرات وأصبح المبلغ كاملاً.
لكنه كان خائفاً من غدر شريكيِّه، فقد كان يتأسف لتدهور العلاقة إلى هذا الحد، ويصبح الحديث بين شريكيِّه كله عن المال والحقوق، برغم العلاقة الطيبة التي كانت تربطه بهما في السابق وتبادل الزيارات المستمر بين العائلتين.
وإن نسيت فلن أنسى الليلة التي تقرر أن تكون فيها جلسة المفاوضات الأخيرة وبحضور جميع أطراف القضية ومحاميّ الطرفين والطرف الثالث الذي لعب دور الوسيط، والتي تقرر فيها كتابة وتوقيع عقد فضّ الشراكة وتسليم المبلغ وتصفية كل شيء، فقد رأيت أبي عند مغرب تلك الليلة ينظف مسدسه، وهالني ما رأيت، فقد كنت أرى مسدساً لأول مرة في حياتي و بدا أبي عصبياً جداً وهو يطردنا أنا وأخوتي من غرفة الديوان المطلة على نهر العشار في ذلك البيت.
وقبل مغادرة الوالد تلك الليلة لحضور جلسة المفاوضات، رأيت والدتي تبكي وهي تتوسل إليه ألا يصطحب المسدس معه وهو يداري توسلات الوالدة و يقول أنه مجرد إحتياط فأنا أخاف من الغدر ووجود المسدس ضمان ألا تحدث أي مفاجأة، فأنا غريب في المدينة ولا أعرف ألاعيب أهلها ولا أعرف نوايا الشريكين فالاحتياط واجب.
وخرج والدي من البيت ووالدتي وأخواتي يبكون خوفاً من هذه المقابلة. وقبل منتصف الليل عاد الوالد وهو منفرج الأسارير مبتسماً و ضاحكاً قائلاً لنا جميعاً : مبروك عليكم لقد أصبح معمل الكاشي الحديث كله لنا لا يشاركنا فيه أحد.

وليد الهنداس غير متصل   رد مع اقتباس

قديم 15-02-2013, 00:16   #5
وليد الهنداس
دكتور طوارئ
 
الصورة الرمزية وليد الهنداس
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Apr 2004
الدولة: الرياض
العمر: 59
المشاركات: 119
المواضيع: 13
مشاركات: 106
 

 
مـجـمـوع الأوسـمـة: (الـمـزيـد» ...)

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
كامل عبدالله الهنداس بالملابس العربية، وفي الصورة الأخرى يوم زواجه سنة 1967 م


الإستقلال والنجاح والمبنى الجديد

بعد انفصال والدي عن شريكيِّه، لم يجد مشقة في تسيير العمل في المعمل، فقد كانت إدارة العمل تجري في دمه ويمكن القول بأنه هو كان سبب نجاح المشروع، وعلى عكس ذلك فقد حوّل استقلاله عن شريكيِّه إلى قوة لدفع عجلة العمل إلى الأمام. وكان وقتها يبحث عن معين أمين يساعده في الأيام القادمة التي قدّر والدي أنها ستكون اختبار لثمرة جهده في السنوات العشر الماضية.
فقد تحسّب لذلك من قبل، ولعل هذا أحد أسباب نجاحه، فقد كان والدي يقدّر ويحاول توقّع المستقبل ويخطط على أساس هذا التقدير ولعل تلك من أهم صفات الإدارة الماهرة والناجحة. لذلك، ما أن أنهى أخي الكبير(كامل) دراسته المتوسطة في منتصف الخمسينات في مدرسة النجاة الأهلية المعروفة في الزبير، حتى ألحقه والدي للدراسة في إعدادية التجارة في البصرة، و كأنه كان يعدّه لهذا اليوم الذي سيحتاج فيه لمعين. ومن أفضل من الولد البكر!.
وأنهى (كامل) دراسته الثانوية بنجاح وأنهى بعدها الخدمة العسكرية الإلزامية كضابط احتياط ليكون جاهزاً للعمل في المعمل في وقت لا أتذكره بالتحديد لكنه لا يبعد عن نهاية سنة 1961م.
و دارت عجلة العمل وتحرر والدي قليلاً من قيود إدارة المعمل بعد أن استلم ولده البكر العمل كمحاسب ومساعد للمدير، وبدأ الوالد يخطط للتطوير ولتوسيع حجم العمل بالاستفادة من العلاقات السابقة مع المقاولين مثل(أميل يعقوب القس وعزاوي السامرائي) وشركات البناء ليعيد بناء الثقة التي اهتزت قليلاً بالانفصال من الشريكين اللذين كانا السبب الرئيسي في بناء تلك العلاقات لأنهما يعملان أساساً بالمقاولات.
و سرعان ما تحرر والدي من قيود الديون التي تراكمت من جمع مبلغ حصة الشريكين، وبدا أمامه المستقبل مشرقاً.
و حصل أمر في تلك الفترة كان له أثر محبط عليه وعلى مشروعه وهو الذي أخذ يعمل مع ولده بجد ونشاط على أساس انتهاء كل معوقات التطوير، لكنه وعلى عادته رحمه الله في تقدير مستقبل الأيام تقديراً صحيحاً، حوّل هذا الأمر المحبط إلى مفتاح لنجاح منقطع النظير.
فقد قررت بلدية البصرة دعوة أصحاب المعامل لمختلف المواد إلى نقل معاملهم من المناطق السكنية والتجارية و تحويلها إلى منطقة تقع خارج المدينة سمتها البلدية(المنطقة الصناعية) و فرزت لذلك قطع أراضي فارغة(وتسمى عرصة) لكل معمل وقدّرت المساحة حسب النشاط، وكانت حصة معمل الكاشي الحديث ألف متر مربع في بداية مخطط المدينة الصناعية وعلى الشارع العام الرئيسي المؤدي إلى قضاء الزبير مقابل قسم(العزل) الملحق بمبنى مستشفى البصرة الجمهوري.
.......( و قسم العزل يطلق على قسم الأمراض الصدرية(السل الرئوي)، وجاءت التسمية لأن المصابين بهذا المرض يتم حجزهم وعزلهم في مبنى خاص طوال فترة العلاج التي تستمر لأشهر وسنين. وفي سنة 1967 تحوّل قسم العزل إلى مبنى لكلية الطب في جامعة البصرة التي بدأت الدراسة فيها في العام الدراسي 1967 – 1968م وانتقل قسم الأمراض الصدرية إلى مبنى جديد في منطقة (المربد) في الطرف الغربي لمدينة الزبير)........
كانت المنطقة الصناعية الجديدة تقع في الطرف الغربي لمدينة البصرة على أرض سبخة وبقربها موقع رمي النفايات لمدينة البصرة، وكانت الأرض خالية من المنشئات وأقرب المباني لها هو مستشفى البصرة الجمهوري وسجن البصرة، وتقع المدينة الصناعية على الطريق المؤدي إلى مدينة الزبير و تسمى تلك المنطقة(باب الزبير). وقررت البلدية توزيع الأراضي على أصحاب المعامل بمبدأ التأجير المنتهي بتمليك هذه الأراضي بعد مرور 20 سنة على بداية عقد الإيجار مقابل مبلغ يدفع لخزينة البلدية كل سنة.
وعاد مبدأ الإستكشاف والتقدير لدى الوالد إلى الظهور من جديد عندما قرر بناء معمل للكاشي على مستوى رفيع يتجنب فيه كل الأوضاع غير المناسبة والمعوقات الموجودة في المعمل القديم. ووضع بمساعدة أحد المهندسين مخططاً طموحاً للمعمل الجديد راعى فيه كل الخطط التي كان يحلم بها من حيث السعة ومخازن المواد الأولية والزيادة المنتظرة في عدد مكائن صنع الكاشي والمكائن والآلات الجديدة التي قرر إدخالها في صناعة الكاشي، وأحواض نقع الكاشي وأماكن راحة العمال ومكاتب الإدارة وحتى غرف الحراس والحمامات ودورات المياه. وكانت تلك خطة طموحة تحتاج إلى الكثير من المال الذي قدّر والدي إن صرفه على هذا المشروع العملاق سيجني من وراءه الأرباح الطائلة. وقد عارضه معظم أصدقاءه ومعارفه وأصحاب معامل الكاشي الأخرون على مشروعه بحجة أن الأرض مؤجرة وغير مملوكة وربما سيأتي يوم وتطالبه الحكومة بإخلائها لتذهب الأموال والجهود أدراج الرياح، وكان هذا أيضاً رأي والدتي يرحمها الله التي قالت له كيف تصرف كل مالك على مشروع لا تملك الأرض التي ستقيمه عليها.
لكن والدي أصّر على إتمام المشروع راداً على منتقديه قائلاً : إن الحكومة عندما ترى المعامل والمشاريع تقام على الأرض المستأجرة سرعان ما تقرر تمليكها لأصحابها، هل يعقل أن تؤجر الحكومة أرض لمدة عشرين سنة. وكان منطقه في ذلك الوقت غريباً، لكنه التوكل على الله وقدرته على تقدير الأمور المستقبلية.
و بدأ البناء بهمة ونشاط ووالدي لديه يقيناً بأن المشروع سينجح ليكون الأحسن والأشهر في السوق الصناعية في البصرة.
وقبل أن تمر سنة واحدة على بدء البناء في المنطقة الصناعية هبّ أصحاب المعامل يطالبون الحكومة بتمليكهم الأراضي المؤجرة لبناء مشاريعهم، وتألفت لجنة قررت السفر إلى العاصمة بغداد لطرح الموضوع على وزير الصناعة، ولا أذكر إن كان والدي من ضمن أعضاء هذه اللجنة أم لا.
ونجحت اللجنة في مقابلة رئيس الوزراء آنذاك الزعيم(عبد الكريم قاسم) الذي ما أن سمع من اللجنة دعواها حتى وافق على الفور بتمليك الأراضي لأصحاب المشاريع الصناعية. وسرّ والدي وأصحاب المشاريع بهذا القرار الذي وفّر لهم الأمان الذي أطلق أيديهم في بناء مشاريعهم براحة وحرية.
و في سنة 1962 رأى معمل الكاشي الحديث النور مرة أخرى بحلته الجديدة، وكان وقتها المعمل الأكبر مساحةً والأكثر إنتاجاً في مدينة البصرة كلها. وهو المبنى الذي لا يزال قائماً حتى كتابة هذه السطور في سنة 2010 م، وهو أيضاً المبنى الذي لي فيه ذكريات كثيرة امتدت حوالي 20 سنة.
و فور انتهاء البناء قرر والدي أن يكون المعمل متميزاً ليس عن المعمل القديم فقط، بل عن بقية معامل الكاشي في المدينة و خصوصاً (معمل كاشي الشرق) المنافس التقليدي لمعمل الكاشي الحديث من حيث الجودة والإنتاج والذي يملكه صديق والدي(عبد المسيح يعقوب الياس).
......(ويقع هذا المعمل في منطقة(الجبيلة) على الطريق الرئيسي الذي يربط مدينة البصرة القديمة بمنطقة(المعقل) إلى الشمال، وقد ذهبتُ مع والدي مراراً لمعمل كاشي الشرق عندما كنت صغيراً، وعبد المسيح هذا هو والد زميليّ في الدراسة في كلية الطب (مازن عبد المسيح) وأخوه (يعقوب) الذي سبقنا في التخرج من الكلية بسنتين).......
وضمن خطة والدي في التطوير فقد سافر في تلك الأيام أولاً إلى شمال العراق والتقى بالصناعيين والتجار الأكراد للإتفاق على توريد مادة الحجر المستعملة في صناعة الكاشي الموزاييك، وكانت هناك أنواع من الحجر منها الرديء ومنها الجيد وبألوان مختلفة الأبيض والأسود والملون.
ثم سافر والدي إلى لبنان في صيف تلك السنة واشترى هناك مكائن جديدة ربما لم تدخل للعراق من قبل وهي مكائن لجلي الكاشي وتسمى(الجلاّية)، ومكائن لتنعيم وجه الكاشي الموزاييك في المرحلة الأخيرة لإنتاجه وتسمى(البرداغة أو النعّامة)، ثم سافر بعدها الوالد إلى إيطاليا ليستورد من هناك مكائن جديدة مطلوبة لإنتاج الكاشي الموزاييك ومكائن أخرى لتحضير المواد الأولية اللازمة لصنع الكاشي مثل ماكنة خلط الاسمنت وماكنة خلط الأصباغ ومكائن أخرى.
بعدها بدا المعمل بآلاته الجديدة المستوردة بحلة زاهية ورأيتُ والدي في تلك الأيام وهو يستقبل ضيوفه وأصدقاءه من التجار و الصناعيين وحتى أصدقاءه التجار النجديين من الزبير ويطوف بهم في أرجاء المعمل ويعرفهم على الآلات الجديدة وخطة العمل ويريهم مرافق المعمل.
ولم يتوقف والدي عند هذا الحد بعد أن رأى حلمه بالتطوير على وشك أن يتحقق، فقد سافر إلى الأردن لاستيراد أنواع جديدة من الحجر لم تدخل السوق العراقية، بل تعاقد مع بعض العمال الفلسطينيين والأردنيين للعمل في معمله الجديد، وفعلاً جاء أكثر من عامل يعمل على ماكنة صنع الكاشي(ويسمى هذا العامل في العراق خلفة) لكن لم يستمر أكثرهم في العمل عدا واحداً منهم واسمه (خضر) وهو فلسطيني من نابلس الذي استمر لسنوات طويلة توطدت العلاقة فيها حتى مع أسرته، و كانت هناك زيارات متبادلة بين والدتي وأخواتي وزوجته، والطريف أن خضر ذهب في إحدى السنوات إلى نابلس في إجازة وعندما عاد زارنا في بيتنا في محلة السيف وكانت من ضمن هداياه زعتر جلبه من نابلس، ونحن الصغار على عادتنا أخذنا نذوقه لأننا أول مرة نرى ونسمع بالزعتر ووالدتي تنهرنا أن ندع الزعتر وتقول لنا هذا لا يؤكل(ريج) أي لوحده وإنما يخلط مع أنواع أخرى من الطعام.
وتعاقد الوالد كذلك مع خلفات(جمع خلفة) أكراد للعمل في إنتاج الكاشي وأسكنهم في غرف داخل المعمل، ومثل ما حصل مع الخلفات الفلسطينيين لم يثبت من الأكراد إلا (لطيف) ذلك الخلفة الكردي الذي كان الأكثر إنتاجاً والأجود وكان متخصصاً في صناعة الكاشي أبو الفوت. وقد أكرمه والدي كثيراً إلى الدرجة التي كان يدعوه لتناول الغداء كل يوم على سُفرته التي يشاركه فيها أخي كامل والسائق(إبراهيم) ومن يتواجد من أخوتي في المعمل.

وليد الهنداس غير متصل   رد مع اقتباس

قديم 17-02-2013, 23:28   #6
وليد الهنداس
دكتور طوارئ
 
الصورة الرمزية وليد الهنداس
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Apr 2004
الدولة: الرياض
العمر: 59
المشاركات: 119
المواضيع: 13
مشاركات: 106
 

 
مـجـمـوع الأوسـمـة: (الـمـزيـد» ...)

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
سنة 1961 في بيروت _ لبنان
عبدالله الهنداس الثاني من اليمين، وعثمان القصبي الخامس من اليمين



نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


ذاكرة المكان
كان مبنى المعمل مربع الشكل و يقع على الشارع العام الذي يخترق البصرة من الغرب إلى الشرق، والشارع بطبيعة الحال إذا ما إتجهنا غرباً فأنه سيؤدي لمدينة الزبير، والمبنى مغطى بالكامل بالسقوف، أي لا توجد فيه مساحة مكشوفة، واجهته الرئيسية نحو الشمال وواجهته الغربية تقع على شارع فرعي يتعامد مع الشارع العام ، وواجهته الشرقية تقع على نهر صغير يسمى(مبزل)، وهي أنهار وسواقي صغيرة ترتبط فيما بينها بشبكة عامة لإغراض البزل. والبزل يعني في العراق مشاريع للتخفيف من ملوحة الأرض لاستصلاحها و تستخدم هذه السواقي التي يقع عليها المعمل لتصريف المياه المالحة بعد الفراغ من استصلاح الأراضي لذلك كانت مياهها مالحة جداً ولا توجد فيها أسماك بل تصدر منها بعض الأحيان روائح كريهة بسبب الطين القذر المتكون من مياه البزل و يسمى في العراق(صيان). أما واجهته الجنوبية فهي ملاصقة لمعمل لصناعة الأثاث العائد لأحد الصناعيين .
عندما أنشأ والدي المبنى الجديد لم يكن هناك أي مبان في المنطقة الصناعية ما عدا السقيفة الكبيرة في الطرف الغربي للمنطقة والعائدة لبلدية البصرة والمستعملة كمخازن والتي تسمى(بنكلة). لذلك كان معمل الكاشي الحديث هو أول معمل ينشأ في تلك المنطقة.
يتكون سقف الواجهة الشمالية الرئيسية والتي تحتوى على المكتب والمعرض والمخازن من الخرسانة المسلحة، وكذلك الواجهة الغربية التي تحتوي على بقية المخازن وفتحات التزويد بالمواد الأولية الرئيسية.
أما الواجهتان الشرقية والجنوبية وكذلك الساحة الوسطية للمبنى فهي مسقوفة بألواح من الأسبست مثبتة على هيكل حديدي يستند على أعمدة خرسانية، لذلك يمكن تخيّل المبنى مثل الساحة الكبيرة المسقوفة تحيط بها من الجهتين الشمالية والغربية مجموعة من الدكاكين المفتوحة على الخارج والداخل.
يتكون المدخل الرئيسي للمعمل من باب حديدي ضخم ذو عجلات حديدية في أعلاه وأسفله (تسمى بوربرنكات) يستند إلى سكة حديدية أسفله وأخرى أعلاه ليفتح ويغلق على الجانبين. تعلو الباب لوحة كبيرة كتب عليها اسم المعمل وتاريخ تأسيسه سنة 1947م.
يفتح الباب على رواق كبير(دهليز) يسمح بدخول الشاحنات وينتهي هذا الرواق بالساحة الوسطية للمعمل. يقع على يمين الداخل للرواق باب المكتب وعلى يساره باب المعرض، وبعد باب المعرض يقع باب آخر يؤدي إلى درج يصعد إلى دورة مياه صغيرة وباب صغير يفتح على السطح، وقبل الدرج توجد ردهة صغيرة فيها صندوق الثلج وهو وسيلة تبريد الماء والمأكولات، وبعدها ركن لعمل الشاي يحتوي على موقد نفطي يسمى(جولة) (بالجيم الفارسية المشددة)، ويتولى عملية صنع الشاي وتقديمه الحارس حجي محمد .
بعد نهاية الرواق الرئيسي على يمين الداخل ترتفع كتلة كبيرة من الحجر مربوطة بأطواق حديدية إلى عمود حديدي يمر بمنتصفها. هذا العمود الحديدي متصل بواسطة أنبوب رئيسي بمكائن ضخ الماء التي تعمل بواسطة الكهرباء، وبدورها تضخ الماء إلى كتلة الحجر التي ترتفع إلى الأعلى لتحفظ ضغط الماء. ثم تعود كتلة الحجر لتهوي إلى الأسفل إذا ما احتاجت مكابس مكائن صنع الكاشي للضغط على قوالب صنع الكاشي، لأن صناعة الكاشي تعتمد بالأساس على ضغط طبقات مكونات الكاشية الثلاثة داخل قالب الكاشي وهي الأسمنت الرطب والمسمى(الناري) والإسمنت الجاف والمسمى(البودرة) وأخيراً طبقة الصبغ التي تعطي الكاشية لونها المحدد. وكل ماكنة متصلة بكتلة الحجر بواسطة أنبوب خاص فيها لينتقل ضغط الماء لها عند الحاجة. تسمى كتلة الحجر وملحقاتها(الثقّال). و ترى الثقّال طول وقت العمل يصعد و يهبط ساحباً ضغط الماء من المضخة الكهربائية عند الصعود ودافعاً للضغط إلى مكائن صنع الكاشي عند النزول. ويشبه الثقال بعمله خزان الماء الكبير الذي يزوّد المدن بالماء حيث يخزن فيه الماء الفائض عن الحاجة ويزوّد الخزان بدوره المدينة بالماء عند توقف المضخات في الليل.
قبل موقع الثقّال يوجد باب صغير يؤدي إلى غرفة الأصباغ، وفيها تخزن كل الأصباغ الضرورية لصنع الكاشي، وفيها كذلك ميزان يشبه ميزان البقالة وأثقال، لأن كمية الأصباغ المطلوبة لتحضير الخلطات تعتمد على الوزن.
بعد الثقّال، وفي الزاوية اليمنى للساحة الوسطية للمعمل، يوجد هناك غرفة الآلات والمكائن الخاصة بضخ الضغط لمكائن صنع الكاشي من خلال الثقّال، والغرفة مسوّرة بسور مصنوع من الصفيح(الجينكو) مصبوغ باللون الأصفر. ويشرف على هذه المهمة (عبد الرزاق محمد العبيدي) وهوعامل صيانة الذي يسمى في العراق(الفيتر، أوالفيترجي). ويتولى عبد الرزاق الفيتر تشغيل وصيانة جميع آلات ضخ الماء لمكابس مكائن صنع الكاشي من خلال الثقّال.
بعد غرفة الآلات تقع غرف مفتوحة بدون أبواب تستعمل كمخازن للحجر بجميع ألوانه وأصنافه، لها أبواب على الخارج تفتح للشاحنات التي تفرغ حمولتها داخل هذه الغرف، بعدها غرف مماثلة تستعمل لخزن الأسمنت الأبيض، وكان المورّد الرئيسي لهذه المادة صديق والدي(حسين المحرج) يرحمه الله.
بعد المخازن يصل الداخل إلى ساحة المبنى إلى الواجهة الغربية للمبنى التي تبدأ ببابين خشبيين أولهما غرفة للحارس حجي(محمد) وهو شيخ بلوشي(من منطقة بلوشستان في أفغانستان وإيران). والبلوش كثيرون في البصرة إلى الدرجة التي سميت فيها أحدى مناطق البصرة القديمة(محلة البلوش). والباب الثاني يفضي إلى ردهة صغيرة فرشت بالحصران في نهايتها الدرج الرئيسي المؤدي إلى السطح. وتستعمل هذه الردهة كاستراحة للعمال أثناء الظهيرة ومكان لتناول الغداء، وتفتح هذه الغرفة إلى خارج المبنى بواسطة باب خشبي آخر يفضي إلى الشارع المحاذي للمبنى من الجهة الغربية.
بعد البابين الخشبيين يقع مكان خلط وتحضير الأسمنت الرطب الذي يسمى(الناري). ويصنع الناري في ردهتين كبيرتين مفتوحتين على الساحة الوسطية للمعمل قرب آلات صنع الكاشي ولهما بابان آخران على الخارج أحدهما مفتوح طيلة فترات العمل ومخصص لتجهيز هذه المنطقة بالرمل الخشن، والآخر مغلق و يفتح فقط حين تأتي الشاحنات لتفرغ حمولتها من الأسمنت الأسود أو(الأسمنت العراقي) حيث ترتفع في منطقة خلط الناري ماكنة كهربائية كبيرة كأنها صاروخ وهي الآلة التي استوردها والدي من إيطاليا لخلط الناري. ويشرف على هذه المنطقة العامل(علي محسن) وهو المسئول عن تزويد الآلة بالماء والرمل والأسمنت بمقادير معينة، وكذلك مسئول عن تزويد هذا الخليط لآلات صنع الكاشي، وقبل نفاذ كمية الناري عند مكائن الكاشي، يصيح الخلفة بأعلى صوته: ناري ! ليقوم علي محسن بتزويد ماكنة المنادي بالمادة حيث ينقل الخليط بواسطة صفيحة معدنية(تنكة) إلى صفيحة معدنية كبيرة ذات أرجل قرب آلة صنع الكاشي. وتسمع بين فترة وأخرى الخلفات يصيحون بأعلى صوتهم: ناري! إذا نفذت هذه المادة عندهم، ليستجيب علي محسن لصاحب النداء.
بعد مكان خلط الناري تقع ثلاث ردهات أخرى مخصصة لصنع خليط الأسمنت الجاف و يسمى(البودرة). ولهذه الردهات ثلاث أبواب أخرى مفتوحة إلى الخارج لتزويد المنطقة بالرمل الناعم وفيها أيضاً مكان صغير لتحضير خليط البودرة الذي يتم يدوياً، ويشرف على هذا المهمة العامل(خلف) ويكنّى(أبو زويد) ويسميه الوالد كذلك(منقاش). ويرتفع داخل هذه المنطقة منخل عمودي يستعمله أبو زويد لنخل الرمل طلباً للمزيد من النعومة.
ويستعمل هذا الرمل الناعم في تحضير خلطة البودرة و في تحضير خلطات الأصباغ و كذلك في(الجلاية)، ويعمل أبو زويد مثل زميله علي محسن في تحضير الخليط وتوزيعه عند الطلب على آلات صنع الكاشي وبنفس طريقة النداء حيث يصيح الخلفة بصوت عالي: بودرة! بعدها يستجيب أبو زويد للداعي وينقل له البودرة بواسطة تنكة.
يزوّد صديق الوالد(حمد راشد الدرع) المكنى أبو راشد المعمل بما يحتاجه من رمل بنوعيه الخشن والناعم، ويمتلك أبو راشد شاحنة(لوري) يبيع فيها الرمل لمعامل الكاشي، ويجلب الرمل من الصحراء الغربية لمدينة الزبير من حُفر كبيرة جداً تحتوي على الرمل وتسمى هذه الحُفر(مقالع) ومفردها مقلع وهي كثيرة تشتهر فيها منطقة( كويبدة ) المعروفة في صحراء الزبير.
تمثل منطقة صنع البودرة نهاية الواجهة الغربية التي تقع على يمين الداخل للمعمل لتبدأ بعدها المنطقة التي تقع على الواجهة الجنوبية وهي أمام وجه الداخل للمعمل. ويقع في بداية هذه المنطقة محل صنع الأصباغ بواسطة آلة قديمة كنت أراها في المعمل القديم تعمل بالكهرباء تسمى(الخبّاطة) ويشرف عليها العامل(عبد الواحد عمران) المكنّى(أبو كاسب). ويخلط أبو كاسب الأصباغ الخام مع الرمل الناعم الذي يأخذه من(أبو زويد) مع مادة(الغبرة) بمقادير معينة ويضعها في الآلة التي تحتوي على ثلاثة صناديق لخلط ثلاثة ألوان في آن واحد، ويضع أبو كاسب كرات حديدية بحجم كف اليد داخل الخليط حتى يمنع تكتل مادة الصبغ الخام أثناء عملية الخلط، ويخلط أبو كاسب الأصباغ ويوزعها على الخلفات بموجب تعليمات تأتيه من الوالد أو أخي الكبير كامل قبل نهاية الدوام يوم أمس ليحضر الخلطة قبل بدء دوام اليوم التالي وحسب خطة الإدارة في إنتاج أنواع الكاشي. والغبرة مادة رخيصة الثمن مثل البودرة ناتجة كفضلات لعملية تكسير الحجر، ويعتبر خبراء صنع الكاشي أن نسبتها العالية في خلطة الأصباغ دليل على رداءة الكاشي. وقد سمعت كثيراً من الوالد أنه يفخر بأن معمله الأقل إستعمالاً للغبرة.
بعد محل الأصباغ تقع آلتان كبيرتان تستعملان لجلي وجه الكاشي الموزاييك تسمى(الجلاّية) وهي عبارة عن أسطوانة حديدية كبيرة تدور بالكهرباء يوضع فيها الكاشي مقلوباً على وجهه ويصب فيها أثناء الدوران خليط من الرمل الناعم والماء ليعطي وجه الأسطوانة الخشونة اللازمة لجلي وجه الكاشي، ويشرف على هذه الآلة العامل(ياسين عبد النبي) المكنّى(أبو العلوم)، ويشغل هذا المحل ما تبقى من الواجهة الجنوبية للمعمل لتبدأ الواجهة الشرقية التي تقع على يسار الداخل للمعمل، وفي الزاوية توجد أربع دورات مياه للعمال وحمام واحد بالإضافة إلى غرفة صغيرة للمرطبات والثلج تحتوي على صندوق خشبي يضع فيه متعهد المرطبات، وهو نفسه عبد الرزاق الفيتر، الثلج و قناني البيبسي كولا والمشروبات الأخرى.
يقع في بداية الواجهة الشرقية ركن صغير لإجراء عملية(الطلي) وهي عملية تعبئة الفراغات الناشئة في وجه الكاشي الموزاييك بعد عملية الجلي بمعجون مخلوط من الأسمنت الأبيض والصبغ المماثل للون الكاشية، ويتناوب على هذه العملية عدة عمال أشهرهم (نجم عبد الأمير) و(كاظم). وعلى مقربة من محل الطلي توجد آلة كهربائية تستعمل لجلي وجه الكاشي الموزاييك بعد عملية الطلي بيوم واحد على الأقل لتعطي وجه الكاشية ملمساً ناعماً وتسمى هذه الآلة(البرداغة) أو(النعّامة) ويعمل عليها العامل(أحمد ياسين) المكنّى(أبو نوري).
أما ما تبقى من الواجهة الشرقية فهي مساحات فارغة ورحبة لتخزين الكاشي الجاهز للبيع، والذي يُصف على هيئة عمارات تصل في كثيرمن الأحيان إلى سقف المعمل.
هذا وصف للأماكن التي تشغل محيط المعمل على واجهاته الأربعة، أما وسط المعمل فيمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام: الأيمن أمام الواجهة الغربية، والأيسر أمام الواجهة الشرقية والأوسط أمام المدخل الرئيسي للمعمل.
تشغل القسم الأيمن كله عشرة آلات لصنع الكاشي يعمل على كل آلة خلفة واحد وأحياناً خلفتان لأن الآلات مصممة أن يعمل عليها خلفتين كل واحد من كل جهة. ويساعد كل خلفة عامل يسمى( صانع) وهم عمال غير مهرة ذوو أجور متدنية واجباتهم تنحصر في مساعدة الخلفة على تجهيز مكونات قالب الكاشي ذلك بأن يبدأ الخلفة بسكب الصبغ داخل القالب يليه الصانع بوضع البودرة ثم يليه الخلفة بوضع الناري ثم غطاء القالب ويدفع الخلفة القالب تحت مكبس الآلة و يضغط على المكبس بواسطة عتلة بجانب الآلة ثم يعيد فتح القالب ليخرج الكاشية منه ويصفّها في مكانها المحدد. ثم وبسرعة ينظف الصانع القالب بقطعة من قماش الجنفاص المستعمل في صناعة الأكياس المسماة في العراق( كونية وفي مصر شوال) ثم يدهنه بزيت السمسم( و يسمى في العراق دهن سيرج) لتجهيز القالب لكاشية أخرى. وتتم هذه العملية بسرعة وتفاهم بين الخلفة والصانع .
وليد الهنداس غير متصل   رد مع اقتباس

قديم 23-02-2013, 23:48   #7
وليد الهنداس
دكتور طوارئ
 
الصورة الرمزية وليد الهنداس
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Apr 2004
الدولة: الرياض
العمر: 59
المشاركات: 119
المواضيع: 13
مشاركات: 106
 

 
مـجـمـوع الأوسـمـة: (الـمـزيـد» ...)

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الثقّال

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
عامل يجهّز خلطة الناري في المعمل القديم

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
العامل(أبوصقر) يغسل الحجر تمهيداً لإستعماله في صناعة الكاشي الموزاييك

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
مخطط مرافق معمل الكاشي الحديث

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الخبّاطة: ماكنة خلط الأصباغ

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الخلفات وهم يصنعون الكاشي أمام المكائن وإلى جنبهم الصنّاع
( يلاحظ أن هناك خلفة وصانع على جهتي الماكنة)
( الخلفة الذي على يسار الصورة الثانية هو يوسف خلف)


إن عملية إنتاج الكاشي تعتمد على مواسم البناء في المدينة لذلك لا تعمل كل المكائن بكل طاقتها، وإنما يعتمد تشغيلها على الطلب الموسمي حيث يتطلب ذلك خفض الإنتاج كما في فصل الشتاء، أو زيادة الإنتاج كما في فصل الصيف، وقد تناوب على إنتاج الكاشي خلفات كثيرون، بعضهم ترك العمل بسرعة والبعض الآخر عمل لفترات طويلة. وينتج كل خلفة بالمتوسط حوالي 500 كاشية باليوم حسب نشاط وخبرة الخلفة.
ويستعمل القسم الأيسر من وسط المعمل في خزن الكاشي المعد للبيع كلٌ حسب نوعه ولونه. أما القسم الأوسط من ساحة المعمل ففيه أحواض نقع الكاشي، وهي ثلاثة: إثنان كبيران لنقع الكاشي لمدة يوم كامل والثالث صغير لخزن المياه المطلوبة للنقع، حيث تتطلب عملية نقع الكاشي كمية كبيرة من المياه يوفرها هذه الحوض الصغيرالذي يتم ملئه بالماء منذ مساء الأمس، وتستمر حنفية الماء بالتدفق فيه طيلة ساعات العمل لتوفير كمية كافية من الماء على الدوام.
يقع مكتب الإدارة على يمين الداخل للرواق الذي ينتهي بالساحة الوسطية للمعمل، وهوعبارة عن غرفة صغيرة فيها شباك على الشارع العام وشباك آخرعلى الداخل قرب موضع الثقّال، تحتوي غرفة الإدارة على مكتبين واحد للوالد والآخر لكامل بالإضافة إلى كنبة خشبية لجلوس الزبائن والضيوف، و توجد خزانات حديدية للدفاتر والسجلات والأوراق وخزنة أخرى للأوراق النقدية والأوراق ذات الأهمية القصوى وتسمى هذه الخزنة(القاصة). ويوجد في غرفة المكتب هاتف ورقمه 3539 وبقي هذا الهاتف هو الوحيد بالمنطقة الصناعية كلها لسنين طويلة، قد كنت أرى أصحاب المعامل المجاورة يأتون للمعمل لاستخدام الهاتف بضمنهم رجل يرتدي الملابس العربية يأتي كل يوم ليتصل أكثر من اتصال اكتشف أخي عبدالرزاق أن رائحة بوق الهاتف بعده اصبحت لا تطاق بسبب رائحة فمه الكريهة، وترى الأولاد ينتظرون إنهاء مكالمته لنتحسس بأنوفنا الرائحة بعده ونضحك عليها كثيراً.
أما المعرض فهو غرفة أكبر من المكتب كل واجهاتها التي تقع على الشارع الرئيسي وشارع المبزل من الزجاج تتيح للناظر من الخارج التفرج على اللوحة الرئيسية داخل المعرض، ولوحة المعرض الرئيسية عبارة عن مربعات من الخشب صُفت على طول وعرض حائط المعرض لترتفع لغاية السقف، صُف في كل مربع نموذج لأنواع الكاشي الذي ينتجه المعمل، وقبل التقاء مربعات اللوحة بالأرض ترتفع دكة تشغل نفس الواجهة صّفت عليها نماذج من كاشي البايات الخاصة بأدراج السلالمّ، بينما تزيّن هذه الدكة كاشية كبيرة من الموزاييك على هيئة العلم العراقي في العهد الجمهوري الأول(عهد الزعيم عبد الكريم قاسم).
وبعد سنين قليلة، وبعد أن ضاق المكان بالمكتب، تحوّل المكتب إلى غرفة المعرض وبقي المكتب مكان لراحة الوالد أثناء الظهيرة وبقيت الخزانات الحديدية والقاصة في مكانهما.
وليد الهنداس غير متصل   رد مع اقتباس

قديم 27-02-2013, 00:43   #8
وليد الهنداس
دكتور طوارئ
 
الصورة الرمزية وليد الهنداس
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Apr 2004
الدولة: الرياض
العمر: 59
المشاركات: 119
المواضيع: 13
مشاركات: 106
 

 
مـجـمـوع الأوسـمـة: (الـمـزيـد» ...)

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
إبراهيم السائق يستند على شاحنة البيك أب طراز شيفروليه 1954 في إحدى سفرات العائلة لبر الزبير الجميل


نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
سنة 1954م
العمال أثناء مغادرتهم مبنى المعمل القديم في الشارع الوطني في العشّار
يوسف خلف السابع من اليسار ومحمد عبدالرضا عراك السادس من اليمين


العائلة الواحدة


حرص الوالد رحمه الله على أن يكون مشروعه ناجحاً، و قد كان يقول مراراً أن النجاح مرهون بالاستمرار والبقاء. واستمرار المشروع يعني التطوير المستمر، وكان في رأيه أن أحد أسباب التطوير هو استقطاب الأيدي العاملة الماهرة ودعمها وتوفير المناخ المناسب لاستمرار عطاءها، وكان حريصاً أيضاً على استمرار بقاء هذه العمالة وتوفير كل ما من شأنه أن يثبت ولاءها لمعمل الكاشي الحديث، وقد نجح والدي نجاحاً كبيراً في تطبيق فلسفته، لذلك رأيتُ عمالاً مهرة وغير مهرة يعملون في المعمل منذ أن كنتُ صغيراً ولغاية نهاية المعمل.
وكان الوالد يمزح مع العمال في حدود الأدب واللياقة ولكنه في نفس الوقت لا يسمح بالكسل والخطأ المتعمد، لذلك كان العمال بقدر ما يحبونه يخافون منه، وهذه صفة الإداري الناجح عندما يجمع بين اللطف والاحترام والضبط والانضباط ، كان العمال يسمون الوالد(الحجي) ويسمون كامل(استاد كامل) أو(أبو وليد) لظن البعض بأني إبنه وذلك لقربي الشديد منه ومحبته الكبيرة لي من دون إخواني. كان الوالد يكنّي بعض العمال بأسماء مضحكة، وقد استمرت هذه الكنى إلى الدرجة التي أصبحنا لا ننادي بعضهم بأسمائهم الحقيقية. وجاء أولاده من بعده، وهم مثل أبيهم يحبون المزاح والضحك، ليضيفوا لهذه الأسماء كنى جديدة، و كان أخي عبد الرزاق صاحب اليد الطويلة في إطلاق الأسماء والصفات الغريبة على العمال.
ينقسم العمال إلى عدة درجات حسب طبيعة العمل وحسب المهارة، و بطبيعة الحال تتحدد الأجور على هذا الأساس، كان هناك:
(عبد الرزاق محمد العبيدي)، وكنيته الفيتر، ويسكن قرية(كردلان) التابعة لقضاء التنومة على الضفة الشرقية لشط العرب، وهو عامل الصيانة لجميع الآلات بالإضافة إلى كونه متعهد المرطبات في المعمل، وكان يشتري صندوق المرطبات مثل البيبسي كولا وغيرها من سيارات التوزيع بسعر الجملة المخفض(تسعة فلوس للقنينة الواحدة) ويبيعها على العمال بـ(15 فلس) ويبيع المرطبات للإدارة بنفس سعر الشراء مقابل أن توفر له الإدارة الثلج مجاناً.
السائق(إبراهيم علي عبد الله)، وهو من أهالي قضاء أبي الخصيب. وقصة اشتغاله في المعمل تستحق الذكر، فقد كان أخوه(حسين) يعمل بالمعمل منذ زمن طويل وجاء مرة لوالدي يرجوه أن يقبل أخيه للعمل كسائق بصفة مؤقتة، فقد كان إبراهيم يعمل سائقاً لدى أسرة الزامل(سعود وأخوه عبد الله) بين الزبير والكويت، ولمشكلة ما في جواز سفره، فأنه بقي في البصرة لإكمال المعاملة وأخذ في البحث عن عمل مؤقت لحين إكمال معاملة جواز سفره ليلتحق مجدداً بعمله بالكويت، وبدأ بالعمل في المعمل بقيادة الشاحنة البيك أب طراز شفروليه 1954 ذات اللون الأخضر، وبعد شهر من عمله المؤقت انتهت معاملة الجواز لكنه طلب من الوالد أن يستمر بالعمل، وقرر ترك عمله السابق لدى الزامل قائلاً لوالدي أنه أحب العمل في معمل الكاشي الحديث وأنه أفضل بكثير من العمل في الكويت، وهكذا كان، واستمر إبراهيم بالعمل منذ سنة 1960 حتى سنة 1988م. وساهم الوالد مساهمة كبيرة في مشروع زواجه ذلك بأن أعطاه مبلغاً من المال نصفه هدية والنصف الثاني سلفة يسددها أقساط شهرية، وبعدها اشتغل إخوان إبراهيم(عبد الكريم وعبد اللطيف وعبدالله) كعمال في المعمل لفترة طويلة إلى أن ترك عبد الكريم ويسميه الوالد (كارم) العمل ليعمل سائقاً في بلدية الزبير. ويذهب عبد اللطيف شهيداً في معركة الفاو الشهيرة، وهي إحدى معارك الحرب العراقية الإيرانية الكبرى، في سنة 1986م.
كانت هناك مجموعة العمال المهرة الذين يعملون على آلات صنع الكاشي ويسمى العامل (خلفة):
(يوسف خلف) وكان من العمال القدامى في المعمل من أيام المعمل القديم في العشار، وكان متخصص في صناعة الكاشي النقشة، وكانت هناك كلمات متبادلة بينه وبين والدي يثير فيها الوالد النخوة فيه وفي غيره من العمال، وذلك بأن يصيح يوسف: وصلة وحدة ! ويرد عيه الوالد: حديد. أو بالعكس حيث يصيح الوالد أولاً ويرد عليه يوسف. ومعنى ذلك أن الكاشية المنتجة يريدها الوالد متماسكة بقطعة واحدة وقوية مثل الحديد.
(محمد عبد الرضا عراك) ويسميه الوالد(الوزغ) وهو اسم السحلية في العراق لأن قامته قصيرة. وهو أيضاً من العمال الذين اشتغلوا في المعمل القديم.
(جميل مطر) وأطلق عليه أخي عبد الرزاق(سبيرتو) وهو اسم الكحول الطبي في العراق، لأن جميل يحاول أن يجعل من نفسه شخصية متميزة بواسطة نظافة هندامه ومشيته ولطفه البالغ في طريقة كلامه، بعدها أصبح جميل من العمال المكروهين لدى الوالد لأنه أصبح مسئولاً حزبياً ونقابياً وأخذ يطالب الوالد بحقوق غير مشروعة للعمال، و يغيب عن العمل لساعات وربما لأيام بحجة الاجتماعات والندوات وورش العمل الحزبية مما أدى إلى انخفاض إنتاجه بصورة ملحوظة.
(خضر) الفلسطيني.
(لطيف) الكردي.
(كاسب عبد الواحد عمران) وهو ابن (أبو كاسب) العامل المسئول عن تحضير خلطات الأصباغ، ويعمل كاسب خلفة في إنتاج الكاشي، وفي ما بعد وبعد أن دارت الدنيا وتوالت السنين دخل كاسب شريك مع أخي كامل في إنتاج الكاشي في مبنى المعمل الجديد في المنطقة الصناعية في(حمدان) على الطريق إلى أبي الخصيب والفاو، وكان ذلك في سنة 1992 أي أثناء الحصار الاقتصادي على العراق، وقلت لأخي كامل وقتها: لو لم تجد أي شريك في الدنيا إلا كاسب فيجب عليك تجنّب شراكته، لأنه سوف لن ينسى أنك كنت في يوم من الأيام مديره وابن صاحب المعمل الذي عمل فيه خلفة، وسيحاول بضغط من مركب النقص أن ينفّس عن ترسبات الماضي بتصرفات سوف لن تقبلها، وفعلاً بعد مضي شهور قليلة على شراكتهما ثار كامل بوجهه يوماً ما وفكّ الشراكة بعد أن أكتشف أنه سرقه.
(محمد خضير) وهو من الخلفات الممتازين الذين عملوا إلى وقت توقف المعمل وكان متهم بميوله اليسارية وتلقى أصناف المضايقات من جميل ومن نقابة العمال.
(علي محسن) وهو العامل المسئول عن تحضير خلطة الإسمنت الرطب(الناري) و توزيعه على مكائن صنع الكاشي عند الحاجة.
(خلف) وكنيته(أبو زويد) ويسميه الوالد أيضاً (منقاش). وهو المسئول عن تحضير خلطة الأسمنت الجاف(البودرة) وتوزيعه على مكائن صنع الكاشي عند الطلب.
(عبد الواحد عمران) وكنيته(أبو كاسب) ونسميه نحن الأولاد(السهم) لأنه قصير القامة، وبسبب طبيعة عمله في تحضير أصباغ الكاشي تجده دائماً محني الظهر ومؤخرته الدقيقة بارزة للأعلى مثل السهم الجاهز للإنطلاق.
(ياسين عبد النبي) وكنيته(أبو العلوم)، وهو من أقدم العمال في المعمل ويعمل على الجلاية، وكان يحملني على ظهره ويقذفني في حافلة المدرسة غصباً عني لأني أرفض الذهاب للروضة عندما كنت صغيراً أيام المعمل القديم.
(أحمد ياسين) وكنيته(أبو نوري) ونسميه(كلثم) لأنه إذا استغرق في عمله على البرداغة يبرز شفتيه للأمام بدون وعي في منظر مضحك.
(حميد عوفي) ويسميه الوالد(سبرايت) على اسم المشروب الغازي في ذلك الوقت.
كانت هناك مجموعة من العمال غير المهرة ويتركز واجبهم بنقل الكاشي داخل المعمل وخارجه. داخل المعمل من مكان إنتاجه إلى الأحواض، ومن الأحواض إلى مكان التخزين أو مواقع إكمال صنعه كالجلاية والطلي والبرداغة، وخارج المعمل بتحميله في شاحنة البيك أب الخاصة بتوصيل الكاشي للزبائن أو في شاحنات المقاولين الكبيرة أو في العربات التي تجرها الجياد، ويطلق على هذه المجموعة من العمال(عمال البرّه) وكلمة برّه في العراق تعني الخارج، وهو ما يعني أن واجب العمال يقع خارج نطاق إنتاج الكاشي. وقد تعاقب عدد كبير من عمال البرّه للعمل في المعمل واستمر الكثيرون في العمل لسنين طويلة مثل(غازي) ونسميه(الدبس) لأن عينيه دائماً مشرقة وكأن فيهما سائل لزج. و كذلك هناك(نجم) و(حسين) وعامل نسيت اسمه لكن الوالد يسميه (مشن) على اسم أحد المشروبات الغازية، وآخرون....
ويعمل أثناء مواسم الطلب الكبير على الكاشي في الصيف عمال غير مهرة كثيرون، فيهم بعض الطلاب الباحثين عن العمل أثناء العطلة الصيفية، وكانت الحاجة لهؤلاء كبيرة، فهم يتركون العمل بعد انتهاء الموسم، ويستطيع والدي إنهاء عملهم بسهولة لأنهم غير مسجلين بالضمان الاجتماعي والتقاعد مثل بقية العمال الذين لا تستطيع إدارة المعمل فصلهم أو إنهاء خدماتهم، ومعظم هؤلاء العمال يعمل كعامل برّه أو صانع يساعد الخلفة في إنتاج الكاشي. وقد روى لي أحد زملائي في كلية الطب أنه عمل في العطلة الصيفية في المعمل كعامل برّه في إحدى السنوات.
كان الوالد رحمه الله حريص أن يغلّف علاقته بالعمال بمسحة إنسانية تخفف من شعورهم بالفارق الاجتماعي والمالي الكبير بينه وبينهم، وكان يعمل جاهداً أن يعطيهم الشعور بالأمان والطمأنينة أثناء عملهم وتعاملهم معه، ولا يحب أن يعاملهم بتعال أجوف وبغضب أحمق. فقد كان يدعو أحد العمال وعائلته للإنضمام إلى سفراتنا الأسبوعية إلى البر أيام الربيع، وكان العامل يجلس معنا ويتناول الغداء وكأنه واحد منا، وتعامل والدتي وأخواتي زوجته كأنها ضيفة عندهم، ويلهو صغاره مع صغار العائلة بروح مرحة وبريئة، وتعاقبت الدعوات على العمال أمثال السائق إبراهيم وأحمد ياسين وأبو العلوم وعبد الرزاق الفيتر وأبو زويد وآخرين...
ويختار الوالد إحدى أيام الجمع من رمضان ليدعو كل العمال إلى الإفطار في بيتنا في الزبير، ويتكرر هذا المشهد كل سنة، حيث يقوم السائق إبراهيم بنقل العمال المتجمعين في المعمل عصر ذلك اليوم إلى الزبير بشاحنة البيك أب ويعود بهم بعد سهرة تلك الليلة. وكانت الوالدة حريصة على طبخ الفطور لتلك الوليمة وكأنها تصنعه لأعز الناس عندها من حيث تعدد الأصناف وكثرة الطعام والحفاوة البالغة التي كان الوالد يخص فيها عماله في تلك الوليمة.
وفي الأعياد يأتي بعض العمال للمعايدة صباح أول أيام العيد ويحلّون ضيوفاً على صاحب المعمل في الديوان مثلهم مثل بقية الضيوف والزوار يشربون القهوة العربية ويأكلون معها الحلوى المغلفة التي تسمى(الجكليت) التي يشتريها الوالد من الكويت لهذه المناسبات وهي نوع جكليت(ماكنتوش) أوجكليت الكراميل المسمى(أبو البقرة) نسبة لصورة البقرة على غلافها.
ويأتي كل عيد السائق إبراهيم مع أهله وأحمد ياسين وأبو العلوم والحارس حجي محمد مع زوجته التي تتكلم العربية بلكنة فارسية والتي تتضايق أخواتي منها لأنها تكثر من تقبيلهم وبطريقة غير محببة، وعن طريق حجي محمد عَمِل(مصطفى) وهو ابن بنته في بيتنا لسنين كخادم يساعد أهل البيت في الأعمال الشاقة مثل التنظيف وسقي الحديقة، وقد كان الوالد يقدّر ظروف العمال العائلية، لذلك وفي كل سنة يعطي العمال عطلة في يوم عرفات مقابل العمل في يوم الجمعة التي تسبق يوم عرفات ليتيح للعمال قضاء ذلك اليوم مع عوائلهم للصيام أو للتحضير للعيد.
ومن الأشياء الطريفة والمضحكة، كان الوالد يأخذ معه حفنة من ثمار الفلفل الحار الذي يزرع في حديقة البيت إلى المعمل وينادي على العمال في فترة الإستراحة ويعمل لهم مسابقة في أكل الفلفل والذي يفوز يعطيه هدية خمس وعشرون فلساً وسط الضحكات. والفائز هو الذي يستطيع تحمّل حرارة الفلفل في فمه حتى يبلعه تماماً. بهذه الروح كان الوالد يتعامل مع عماله.
وليد الهنداس غير متصل   رد مع اقتباس

قديم 28-02-2013, 19:38   #9
وليد الهنداس
دكتور طوارئ
 
الصورة الرمزية وليد الهنداس
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Apr 2004
الدولة: الرياض
العمر: 59
المشاركات: 119
المواضيع: 13
مشاركات: 106
 

 
مـجـمـوع الأوسـمـة: (الـمـزيـد» ...)

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
في سفرة لبر الزبير في منطقة كويبدة سنة 1968م
من اليمين: مصطفى حفيد حجي محمد البلوشي، وليد، ناصر، ثم الواقفان من اليمين عبدالرزاق ثم خالد


نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
سنة 1971 في كويبدة الوالد و أولاده و أصهاره في برّ الزبير الجميل اثناء الغداء :
من اليمين : وليد، رياض العوهلي( إبن أختي)، ناصر، الوالد، أحمد السرهيد، عبداللطيف البصري، كامل، خالد و أياد.



نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الخلفات أمام المكائن وبيد أحدهم كاشية نقشة أم الأربعة، ويرى الكاشي المنتج لذلك اليوم جنب المكائن



نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
سنة 1978 م
من اليمين: الأخ كامل يستند على السيارة الفيات، ثم السائق إبراهيم يستند على شاحنة البيك أب أمام مبنى المعمل


يوم عمل


لا أتذكر أنه في يوماً ما تأخر وقت البدء بالعمل أو تأخر أحد العمال عن الوقت المحدد، وأنما هو نظام دقيق يلتزم فيه كل العمال. يبدأ عند الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الرابعة عصراً تتخللها ساعة إستراحة عند الظهيرة من الثانية عشر إلى الواحدة. ويتناول العمال في تلك الساعة طعام الغداء ويصلي منهم من يصلي ويستلقي البعض و ينام لبرهة ليعود العمل و تدور الآلات عند الساعة الواحدة من جديد.
وعند الضحى هناك إستراحة لمدة ربع ساعة يتناول فيها العمال الفطور والشاي، ولا يتوقف كل العمال في هذه الفترة وأنما تجد البعض يستمر بالعمل رغم الرخصة، لأن الآلات لا تتوقف خلالها.
تدور مكائن ضخ الماء إلى الثقّال عند الساعة السابعة إلا ربع ريثما يتصاعد ضغط الماء بعد ربع ساعة ليصبح الضغط كافياً في الثقال لضغط قوالب الكاشي في المكائن، بعدها يصيح أخي كامل بأعلى صوته: قاموا ... قاموا، وهي صيحة يقصد فيها إثارة حماس العمال للبدء بالعمل. وفيما بعد تم نصب جرس كهربائي يدّقه كامل كإشارة لبدء العمل، بعدها يتوجه الخلفات والصنّاع إلى مكائنهم فيما يتوجه باقي العمال سواءً عمال البرّه أو العمال ذوي التخصص إلى منصات رصف الكاشي المنتج يوم أمس لنقله إلى أحواض النقع، وتستمر هذه العملية حوالي ساعة. وقبلها يتوجه أخي كامل ونساعده نحن الأولاد في حساب عدد الكاشي المنتج يوم أمس ونسجله في دفتر خاص يضم أسماء الخلفات وأرقام إنتاجهم من الكاشي . بعدها يتوجه العمال ذوي الاختصاص(الناري، البودرة، الجلاية، البرداغة، الطلي) إلى أعمالهم فيما يتوجه عمال البرّه لتسيير بقية العمل مثل تحميل الكاشي في شاحنة البيك أب أو تفريغ المواد الأولية مثل الاسمنت والحجر أو إخراج الكاشي المنقوع منذ يوم أمس خارج الأحواض ونقله إلى مكان خزنه عند الواجهة الشرقية لساحة المعمل.
وعند الضحى يشغّل كامل الإذاعة الداخلية المربوطة على الراديو الموجود في المكتب، ذلك بأن ينقل مكبر صوت ضخم ما تذيعه الإذاعة إلى ساحة المعمل ليستمع العمال لنشرات الأخبار والبرامج المختلفة والأغاني من إذاعتي الكويت وبغداد. و لن أنسى متعة العمال عند بث أغنية أم كلثوم:
يا صباح الخير ياللي معانا ..... الكروان غنّى و صحّانا
أو أغنية : صباح الخير يالولا ..... صباح الخير يالولا
و يتابع العمال نشرة الأخبار باهتمام أيام الأزمات مثل الإنقلابات العراقية وحرب حزيران وحروب شمال العراق.
وهكذا يستمر العمل على هذه الوتيرة إلى الساعة الثانية عشر ظهراً حيث تتوقف الآلات ويسود المعمل الهدوء ويتوجه العمال لحنفيات الماء الخمس على حافة حوض النقع الأول يغتسلون، ومنهم من يتوضأ للصلاة، ثم يتوجهون لمكان الراحة والاسترخاء في الردهة الواقعة عند الدرج جماعات أوأفراد يتناولون طعام الغداء. ثم يتمدد البعض منهم على الحصران المصنوعة من سعف النخيل أو من البردي(ويسمى في جنوب العراق الجولان) لإغفاءة قصيرة قبل أن يبدأ العمل مرة أخرى عند الواحدة.
ويسود الإدارة الهدوء أيضاً في فترة الظهيرة حيث يتناول الوالد وكامل والسائق إبراهيم وسائق السيارة الأخرى الغداء جلوساً على الأرض في غرفة المكتب يصحبهم من هو موجود من الأولاد، ثم يستلقي الوالد على الكنبة الموجودة في المكتب لقيلولة قصيرة ويفيق بعدها عند العصر. أما كامل وإبراهيم وسائق السيارة الأخرى ومعهم الأولاد فأنهم يتمددون على حصران الجولان على أرضية غرفة المعرض لقيلولة قصيرة لأن الزبائن لا يترددون على المعمل في تلك الفترة. لقد ثبت إبراهيم السائق على قيادة شاحنة البيك أب اكثر من عشرين سنة، أما السيارة الصالون(وتسمى كذلك التورن) فقد تناوب على قيادتها الكثير من السوّاق أشهرهم وأطولهم مدة(كاسب صالح العبدالواحد) ثم جبار، يعقوب، سالم و آخرون....وقد تولى كاسب قيادة البيكب أب مؤقتاً عندما استدعت الحكومة مواليد السائق إبراهيم لخدمة الإحتياط العسكرية في صيف سنة 1969 أو سنة 1970م.
وقد وفّر الوالد للعمال مواقد نفطية كبيرة يسمى الواحد منها(البريمس أو البريمز) نسبة لاسم الشركة التي أدخلت هذه المواقد للعراق والتي تعمل بالنفط الأبيض المضغوط، ويستعمل العمال هذه المواقد لعمل الشاي عند الضحى أو لتسخين قدور الغداء عند الظهر. وكذلك تستعمل هذه المواقد للتدفئة في أيام الشتاء، وكان العمال يوزعون المواقد على أرجاء المعمل طلباً للدفء، وترى عند الضحى الأباريق الصغيرة السوداء تزدحم على سطح الموقد لعمل الشاي، ثم تعود القدور لتزدحم مرة أخرى عند الظهر، ثم تتعالى صيحات العمال وقت التزاحم على لسان اللهب طلباً لسرعة التسخين لأنهم جياع، وكنا ننتظر هذه اللحظات لنستمتع بعراك العمال ومزاحهم وتعمّدهم مضايقة بعضهم البعض. وكان الوالد يقول معلقاً على هذا الوضع : كلمن يدنّي النار لقرصته! والمقصود أن كل واحد يحاول أن يقرّب لسان النار لقرص رغيفه، وهو مَثَل لوصف التنافس على المصالح الشخصية.
وتستعمل المواقد أيضاً لإذابة مادة (الدامر) وهي مادة صلبة مثل الحجر لونها أصفر مائل إلى البنّي إذا ذابت في النار تتحول إلى سائل لزج يدهن بها العمال أطراف أصابعهم للوقاية من مادة الاسمنت وهي المادة الرئيسية في صناعة الكاشي. والمعروف أن الاسمنت مادة مخرّشة للبشرة لذلك يستعمل الخلفات الدامر ويطلون بها أطراف أصابعهم لحمايتها من تماس الاسمنت.
وقد زوّد الوالد ساحة المعمل الداخلية بمراوح كهربائية معلقة بسقف المعمل للتخفيف من حرارة فصل الصيف. وزوّد المكتب بوسيلة التبريد الشائعة في تلك الأيام، وهي صفيحة العاقول، وهي عبارة عن طبقتين من مشبك من سعف النخيل حُشر بينها نبات شوكي يسمى العاقول، بطول وعرض متر واحد توضع على الشباك الخارجي للغرف يصب عليها من فوقها ماء نازل من أنبوب فيه عدة فتحات تنزل من خلالها قطرات الماء باستمرار لترطب العاقول ليبرد الهواء الذي يتخلله أثناء هبوبه إلى داخل الغرفة، ثم شاعت مبرادت الهواء التي تعمل بالماء وتسمى (إيركولر) وتسمى في المملكة العربية السعودية(المكيف الصحراوي)، إلى أن توفرت مكيفات الهواء الحديثة في منتصف السبعينات.
كان معمل الكاشي الحديث المعمل الوحيد في البصرة الذي يوصّل الكاشي لزبائنه مجاناً، أما بالنسبة للمعامل الكبيرة الأخرى مثل(معمل كاشي الشرق) وصاحبه(عبد المسيح يعقوب إلياس) صديق الوالد، و(معمل كاشي الإعمار) وصاحبه الصناعي الزبيري المعروف (يوسف الدغفق) فقد كان الزبون هو الذي يتكفل بنقل ما يحتاجه من الكاشي إلى موقع البناء، وكان الزبون أو المقاول و بعد الاتفاق على كمية الكاشي المطلوبة يُعطى موعداً للتسليم، ويأتي الزبون قبل الموعد بيوم للمعمل ليصف للسائق إبراهيم موقع البناء.
كان الوالد يمتلك شاحنة بيك أب خضراء اللون طراز شفروليه 1954، ثم استبدلها بشاحنة جديدة طراز جي أم سي 1963 لونها بنّي، وقد ذهب وقتها إلى بغداد العاصمة صحبة إبراهيم السائق لشراءها من إحدى وكالات السيارات. وبقيت هذه الشاحنة ورقمها 3 بصرة تعمل لسنين طويلة إلى أن باعها أخي كامل في مطلع الثمانينات، وقد رأيتها في منطقة حمدان في أبي الخصيب سنة 1997 وهي لا تزال تعمل!.
وقد تم تركيب هيكل خشبي جميل مسقوف على حوضها الخلفي حيث يغطي هذا الهيكل الحوض من الجوانب أيضاً وزوّدت جوانب الهيكل بشبابيك لتصلح الشاحنة لركوب الأشخاص والجلوس فيها كأنها حافلة، وزوّد الحوض بمقاعد خشبية للجلوس. لذلك خدمت هذه الشاحنة العائلة الكبيرة خدمة جليلة حيث كانت العائلة كلها تستقلها للذهاب لسفرات البر أو للسينما أو للحدائق العامة في البصرة، أو في سفرات البستان الذي يملكه الوالد في أبي الخصيب. وكان العراقيون مهرة في صنع الهياكل الخشبية للشاحنات لتحويلها إلى وسائل لنقل الركاب مثل الحافلات الخشبية(الباصات) المعروفة والباصات العاملة بين بغداد والمحافظات وبين بغداد وعواصم الدول المجاورة مثل عمّان ودمشق وبيروت حيث شاع وقتها وصف هذه الباصات بباصات دقّ النجف في إشارة لمعامل صناعة الهياكل الخشبية والحديدية في مدينة النجف، واشتهرت وقتها أسماء لشركات النقل التي تستعمل هذه الباصات مثل شركة حافظ وستار وشركة العكيلي.
يصحب الشاحنة عاملان للتفريغ، والغريب أن إبراهيم لم يخطأ في يوم من الأيام في إيصال الكاشي إلى مكانه معتمداً في ذلك على وصف صاحب البيت بالأمس، وعندما كنا أولاد صغار كنا نطلب من أخي كامل أن نذهب بصحبة الشاحنة، فقد كانت
أوقاتٌ ممتعة أن نطوف بالشاحنة ونرى مناطق البصرة والعشار، وتسمى كل نقلة: درب، وجمعها دروب، وفي الموسم، أثناء الصيف ينقل إبراهيم كل يوم ثمانية دروب، خمسة في الصباح وثلاثة بعد الظهر. وتَسع الشاحنة كحد أقصى لألف كاشية من كاشي أبو ثمانية، تُصف على هيئة أعمدة داخل الشاحنة، ويحتوي كل عمود على عشرين كاشية، وإذا كان الكاشي أبو العشرة فأن حمولة الشاحنة تكون خمسمائة كاشية، وينقل العمال الكاشي إلى داخل الشاحنة أوعند التفريغ مرصوفاً الواحدة فوق الأخرى على هيئة عمود يسمى( دكّة ) بالكاف الفارسية المشددة يحتوي على عشرين كاشية أبو ثمانية أوعشر كاشيات أبو العشرة، لذلك يكون حساب عدد الكاشي المنقول سهلاً بواسطة حساب عدد الدكات.
وفي بعض الاحيان يفضّل المقاول استلام طلبه دفعة واحدة، لذلك يأتي بشاحنة كبيرة(لوري) يعبأها العمال بألفين أو بثلاثة آلاف كاشية، وعلى العكس من ذلك فأن بعض الزبائن يطلب كمية صغيرة من الكاشي لا يستطيع المعمل بطبيعة الحال أن يؤمن نقلها، لذلك يأتي الزبون بعربة يجرها حصان واحد أو حصانان ليحمّل الكاشي. ومن الطرائف أن الحصان في بعض الأحيان يبول أو يتبرّز داخل رواق المعمل وسط ضحكات العمال عندما يرغم الوالد أوأخي كامل صاحب العربة على تنظيف فضلات الحصان.
وعند الرابعة تتوقف الآلات عن العمل، إلا إذا كانت هناك حاجة لعمل
إضافي أثناء المواسم أو للطلب الكبير على كاشي الموزائيك، فأن الجلاية والبرداغة والطلي تستمر
إلى السابعة أو الثامنة مساءاً. ويتقاضى العمال عن الساعات الإضافية أجر ساعة ونصف عن كل ساعة عمل.
يمتلك معظم العمال دراجات هوائية للتنقل من وإلى المعمل، لذلك تجد عند مكان تخزين الكاشي عدد كبير من الدراجات نلهو نحن الأولاد بعض الأحيان بها وذلك من خلال دفع أول دراجة حتى تقع لنستمتع بمنظر الدراجات وهي تهوي إلى الأرض كأنها قطع دومينو. يستقل العمال دراجاتهم فيما يأخذ البقية، وهم الشيوخ الطريق إلى بيوتهم مشياً على الأقدام. ولا يستعمل أي عامل وسائل النقل المتوفرة لأنها بنظرهم غالية الثمن( ثمن ركوب الحافلة الحكومية من المعمل إلى مركز مدينة البصرة 15 فلساً).
بعد انتهاء العمل ومغادرة العمال يبدأ الوالد وأخي كامل وبعض الأحيان أخي ناصر بإجراء المحاسبة اليومية المطلوبة ومسك الدفاتر وتثبيت حركة البيع والشراء لذلك اليوم في الدفاتر وما إلى ذلك من أمور حسابية. وتعتمد حركة البيع والشراء اليومية على التسجيل في دفتر كبير وضخم ذو غلاف من الجلد يسمى(الخرطوش) يسجل فيه كل شيء من بيع ومصاريف، ويكون هو الأساس الذي تنقل منه حركة الحسابات إلى دفاترها المتخصصة، بالإضافة إلى تثبيت حضور العمال في سجل خاص يدرج أمام كل اسم رمز معين مثل(ح،غ،أع،أم) وتعني حاضر، غائب، إجازة إعتيادية أوإجازة مرضية. يستغرق هذا العمل ساعة أو أكثر ليستقل بعدها الوالد وجميع الأخوان سيارة العائلة التورن للعودة إلى البيت في الزبيرعند الغروب.
لقد اشترى الوالد سيارة تورن أول مرة وهي طراز شفروليه 1962 زرقاء اللون سنة 1967، ثم استبدلها سنة 1970 بسيارة شفروليه1967 حمراء اللون، ثم بسيارة طراز فيات بولسكي زرقاء 1975 اشتراها من الشركة العامة للسيارات، وهي وقتها الجهة الحكومية الوحيدة التي تبيع السيارات للمواطنين والشركات بموجب النظام الإشتراكي المعمول به في البلد، وبقيت هذه السيارة الأخيرة تخدم البيت والمعمل إلى أن باعها أخي خالد في منتصف الثمانينات. وفي سنة 1979 استلم أخي كامل شاحنة بيك أب صغيرة طراز داتسون 1979 بيضاء كانت الشركة العامة للسيارات قد وزعتها مقابل ثمن على المعامل والمصالح الصناعية والزراعية، ولم يبق لتلك الشاحنة أثر بعد أن قُصف بيت العائلة الكبير سنة 1991 ودُمر البيت والسيارات ضمنها هذه السيارة وسيارة أخي عبدالرزاق طراز فولكسواكن برازيلي 1986 .
وعندما كان بيت العائلة في البصرة(في السنوات 1959 إلى 1965 م) لم يكن الوالد يمتلك سوى شاحنة البيك أب، التي يستقلها عند ساعة الغداء مع كامل لتناول الغداء والعودة إلى المعمل قبل الواحدة على اعتبار أن البيت قريب من موقع المعمل. أما العودة عند المساء فإن الوالد يستقل كما بقية الناس حافلات النقل العام الأهلية أوالحكومية(وتسمى الحافلات أوالباصات الحكومية مصلحة نسبةً إلى شركة مصلحة نقل الركاب، وتسمى ايضاً أمانة نسبةً لأمانة العاصمة) ليعود إلى البيت. فيما نستقل نحن الأولاد مع كامل عربات تسحبها الخيول تسمى(عربانة بلشقة، وفي بغداد تسمى ربل) وهذه العربات مخصصة لنقل الركاب بين مركز مدينة البصرة قرب السوق الرئيسي إلى موقف يقع قبالة المستشفى الجمهوري وسجن البصرة وبالعكس، وهما على أية حال قريبان من موقع المعمل. توصلنا عربانة البلشقة لغاية موقف العربات ويسمى (سره العرباين) ويقع في محلة البلوش على الشارع الرئيسي للمدينة قرب سوقها، لنكمل الطريق إلى البيت مشياً على الأقدام. وفي أيام العطلات الصيفية نذهب بهذه العربات إلى المعمل عند الصباح، ويأبى عبدالرزاق إلا الركوب جنب السائق طلباً للمتعة. بعد نهاية العمل يبقى في المعمل بعد ذلك الحارس البلوشي حجي محمد لوحده ويبيت فيه ثم يعود في الصباح الباكر ليفتح بوابة المعمل عند السادسة صباحاً .
بعد عودة العائلة إلى السكن في الزبير في 11/ 11/ 1965م في نفس البيت الذي أعاد والدي بناءه، كان الوالد وأخي كامل وإبراهيم السائق يأتون عند الظهيرة في البيك أب من البصرة ويتناولون طعام الغداء ثم يعودون إلى المعمل، ثم رأى الوالد أنها عملية صعبة تحتاج للوقت، ويمكن أن يؤدي تكرارها إلى استهلاك شاحنة البيك أب، لذلك تقرر أن يتم إرسال الغداء من البيت إلى المعمل. لكن من الذي سيأخذ الغداء وبأي طريقة ؟ فقد كانت تلك العملية من الواجبات التي ألقاها الوالد على أولاده للقيام بها، وهو واجبٌ شاق يتطلب منا القيام به بعد العودة من المدرسة عند الظهر، ذلك بأن تعدّ الوالدة الغداء في قدور، واحد للرز والآخر لمرق الخضار وقدر صغير للسلطة وتحشرهم بعناية داخل زنبيل خوص مصنوع من سعف النخيل، ثم يحمله أحدنا ماشياً إلى موقف الحافلات في الزبير ليستقل أحداها إلى البصرة، ويتناول الذي يجلب الغداء طعامه مع الوالد وكامل وإبراهيم السائق، ثم يعود عند الظهر إلى الزبير لغرض تكملة دروسه، أما القدور الفارغة فأن البلوشي حجي محمد يغسلها ويعيدها الوالد معه عند الغروب بالسيارة.
وقد تناوب الأخوان كلهم على هذا الواجب الثقيل الذي كنا نؤديه رغماً عنا وبدون اعتذار، ولعلي كنتُ أكثرهم الذي قام به منذ أن كنتُ طالباً في الصف السادس الإبتدائي إلى وقت دخولي الثانوية. وفي حال عدم تمكن أحدنا من الذهاب بالغداء، فأن الوالد يرسل أبو زويد عامل البودرة إلى الزبير ليجلب الغداء.
......( لقد توصل التجار الزبيريون الذين لديهم مصالح ومتاجر ومخازن حبوب في البصرة في سوق البصرة القديمة أو في منطقة (الداكير) التجارية في العشار، إلى حل لموضوع توفير وجبة الغداء دون العودة لبيوتهم، لأنهم مثل والدي يمضون النهار كله في العمل ويعودون عند الغروب للزبير، ذلك بأنهم إستأجروا طباخ يطبخ لهم طعام الغداء داخل أحد مخازن الحبوب العائد لأحدهم ثم تتجمع المجموعة، ودكاكينهم متجاورة، لتناول الغداء، ودأب التجار مثل القصبي والعبدالكريم والقريشي والعقيل والجارلله على هذا النمط إلى أن توقف تجار الجملة عن العمل بسبب تأميم الحكومة للأعمال التجارية الفردية وبسط سيطرتها على تجارة جميع السلع في مطلع سبعينيات القرن الماضي. ولعله كان واحداً من الأسباب التي جعلت التجار الزبيريون ينتقلون برؤوس أموالهم إلى الكويت والمملكة العربية السعودية) ........
وعند دخولي كلية الطب وسفر كل من أخي خالد إلى مدينة السليمانية للدراسة في جامعتها وكذلك أخي عبدالرزاق إلى بغداد بدأت السبل تضيق أمام الوالد في من سيتولى هذا الواجب، فلجأ إلى حلول مؤقتة كثيرة لكنها كانت غير عملية، ذلك بأن كانت الوالدة ترسل الزنبيل في السيارة التي كانت تقل المعلمات زميلات أختي عندما يوصلونها إلى البيت أولاً قبل توجههم إلى البصرة. فقد كانت أختي معلمة في مدرسة تقع في منطقة الشعيبة، وقد أجّرت زميلاتها من سكنة البصرة سيارة أجرة تقلهم من مساكنهم، ثم يمرون بطريقهم على الزبير حيث بيتنا لنقل أختي معهم عند الصباح ثم يذهبون سويةً للشعيبة، ثم يعودون عند الظهر سالكين نفس الطريق. لكن الأمر لم يستمر طويلاً، ثم كلف الوالد أحد سائقي الأجرة بنقل الزنبيل ذلك بأن أتوجه كل يوم عند الظهر بالدراجة إلى موقف السيارات في الزبير وأعطيه للسائق الذي ينقله بدوره إلى المعمل، كذلك الأمر لم يستمر طويلاً. ولا أذكر الآن كيف تم حلّ هذه المشكلة فيما بعد.
يحكم تناول الغداء مع الوالد في المعمل طقوس يجب على الكل اتباعها، وتعتمد هذه الطقوس على ما كان الوالد رحمه الله يسميه (السره)، والسره معناها الدَور ذلك بأن يتناول الجميع أولاً التمر والرهش(مادة مصنوعة من طحن السمسم وتسمى خارج العراق الطحينية وفي الكويت تسمى هردة) ثم بعد ذلك الخبز مع السلطة، ثم يأتي أخيراً دَور الرز والمرق. ومن لا يريد أن يأكل أحد الأصناف عليه أن ينتظر الآخرين حتى يفرغوا من السره ثم يأكل معهم نوع الطعام الذي يرغب، أي لا يجوز الإخلال بالسره مهما كان.
وليد الهنداس غير متصل   رد مع اقتباس

قديم 10-03-2013, 16:57   #10
وليد الهنداس
دكتور طوارئ
 
الصورة الرمزية وليد الهنداس
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Apr 2004
الدولة: الرياض
العمر: 59
المشاركات: 119
المواضيع: 13
مشاركات: 106
 

 
مـجـمـوع الأوسـمـة: (الـمـزيـد» ...)

يوم الخميس

وهو من الأيام الجميلة في حياة العمال وفي حياتنا نحن الأولاد أيضاً لأنه يوم تسليم رواتب العمال، ويبدأ هذا اليوم بأن يُكبّر أحد العمال بصوت عالٍ بأن يقول لا إله إلا الله ويردّ جميع العمال بالتكبير على اعتبار أن هذا اليوم يوم مبارك سيقبضون أجورهم في نهايته.
عند الضحى يتوجه أخي كامل إلى المصرف ليسحب المال اللازم لدفع أجور العمال، وبطبيعة الحال لا بد أن يصحبه أحدنا، وبالنسبة لي فأني أكاد أكون أكثر واحد صاحب كامل إلى المصرف حتى أني عرفت الموظفين والموظفات وعرفوني، وكان كامل يذهب مع السائق بالبيك أب إلى المصرف ولا يستعمل وسائل النقل العامة حفاظاً على المال. يسلّم الصراف كامل المال بكل الفئات: خمسة دنانير، دينار، نصف دينار، ربع دينار، وهي عملات ورقية، بالإضافة للقطع المعدنية من فئة(ربع دينار، مائة فلس، خمسين فلس(درهم)، خمس وعشرون فلس، عشرة فلوس وخمسة فلوس).
وبعد انتهاء العمل لذلك اليوم يجلس الوالد على مكتبه وكذلك كامل وأمامهم الدفاتر والنقود بكل فئاتها، ويتجمع العمال داخل المعرض، ثم يبدأ كامل ينادي على العمال كلٍ باسمه ليوقّع أو يبصم على دفتر الراتب ثم يذهب العامل إلى طاولة الوالد ليسلمه راتبه بعد أن يسمع مقدار الراتب من كامل.
كانت الرواتب في ذلك الوقت قليلة لكنها كافية لحياة كريمة للعامل، وكانت تتراوح بين ربع دينار يومياً للعامل غير الماهر إلى ثلاثة أرباع الدينار يومياً للخلفة. أي من دينارين أسبوعياً إلى حوالي ستة دنانير أسبوعياً.
وبقدر ما يسود الهدوء والإحترام والإنضباط المكان داخل غرفة المعرض أثناء استلام العمال رواتبهم، يسود الهرج والمرج والمزاح والصياح في رواق المعمل خارج المعرض، حيث يجلس أغلب العمال على دكات خشبية على جانبي الرواق أما ينتظرون دورهم للدخول إلى المعرض أو بعد استلامهم الراتب. وهذه الدكات كان الوالد يستعملها لجلوس أفراد العائلة داخل شاحنة البيك أب عند الذهاب في سفرات برّ الزبير الجميل في(كويبده أو قريطيات)، حيث يصفّها إبراهيم على جانبي حوض الشاحنة الخلفي.
يعود سبب الهرج والصياح إلى النقاش الدائر بين عبد الرزاق الفيتر متعهد المرطبات وبين العمال. لأن الفيتر يبيع قناني المرطبات طيلة الأسبوع بالآجل ويستوفي ديونه من العمال يوم الخميس، لذلك فهو أول من يستلم راتبه ثم يخرج مسرعاً إلى الرواق حاملاً دفتر سجّل فيه ديون العمال من شراء المرطبات لذلك الأسبوع. ولم أرَ طيلة فترة تواجدي بالمعمل عاملاً واحداً أعطى الفيتر ما عليه من ديون بسهولة ويسر. يبدأ الخلاف على عدد القناني التي شربها العمال، ويتعالى الصياح بأن ينكر العامل العدد ويتهم الفيتر بأنه غلطان، ثم يبدأ الفيتر يذّكر العامل بالأوقات التي طلب فيها المرطبات والعامل ينكر عليه ثم تثور أعصاب الفيتر فيبدأ بالصياح وينشر دفتره أمام الآخرين ليريهم صحة تسجيله، وهكذا إلى أن يرضخ العامل ويعترف بصحة العدد، لكنه يعود ويعطي الفيتر جزء من المبلغ وليس كله لتبدأ المشادة مرة أخرى، وفي واقع الحال فأن العمال كلهم يعرفون أن دفتر الفيتر صحيح، لكنهم يتعمدون أذيّته والضحك على ثورته وصياحه لأنهم في النهاية يعطونه ديونه بالكامل.
و كانت هذه المشاهد هي متعتنا يوم الخميس حيث يتعالى الضحك ويغمز العامل لنا بعينيه يقصد أنه سيؤذي الفيتر إلى أن(يطلّع روحه). وكم مرة رمى الفيتر الدفتر وذهب للوالد أو كامل شاكياً أذى العمال.
ويحضر يوم الخميس شخصٌ آخر هو أيضاً يتصيّد العمال بعد استلامهم الراتب، هذا الشخص، وقد أطلق عليه أخي ناصر لقب(الديّان)، يمتلك متجراً يبيع فيه كل شيء مستعمل، من الدراجات الهوائية إلى الراديوات إلى الملابس والطباخات النفطية، ويقع متجره قرب سره العرباين في مدخل البصرة، وبطبيعة الحال تلجأ العائلات الفقيرة لشراء ما يلزمهم منه على اعتبار أن سلعه رخيصة الثمن ولأنه يبيع بالآجل لذلك يتعامل معه معظم عمال المعمل، وبما أن العمال(وربما جميع زبائنه) لا يسددون ديونهم له بالشكل المريح، فأنه يأتي إلى المعمل عصر كل يوم خميس يحمل دفتره ويبدأ بصيد كل عامل يخرج من المعرض بعد استلامه الراتب. وتتكرر نفس المشاهد التي تحصل مع الفيتر، صراخ ومزاح ثقيل لتثور أعصاب الديّان ويبدأ بالتدخين بشراهة ويخرج الزَبد من فمه في منظر ضاحك وخصوصاً عندما يغمز أحد العمال لنا قبل أن يبدأ مناقشة الديّان بدينه، ويقبل الديّان أي مبلغ صغير على أمل الحصول على الباقي فيما بعد، لذلك وبعد المشادة يعطيه العمال على سبيل المثال ربع دينار وديونهم له قد تجاوزت الخمس دنانير. وفي النهاية يضحك الديّان ضحكة متميزة فرحاً بحصوله على جزء من ديونه حتى لو كان المبلغ يسير.
وبعد انتهاء حساب العمال وانتهاء الفترة المرحة بالنسبة لنا، نذهب إلى المعرض ليعطينا الوالد مصروفنا الأسبوعي البالغ 75 فلساً عندما كنا طلاباً بالمتوسطة، ويرتفع المبلغ إلى مائة فلس في الثانوية، وعندما دخلتُ كلية الطب كان مصروفي الأسبوعي ديناراً واحداً(ألف فلس).
وليد الهنداس غير متصل   رد مع اقتباس

قديم 12-03-2013, 08:53   #11
وليد الهنداس
دكتور طوارئ
 
الصورة الرمزية وليد الهنداس
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Apr 2004
الدولة: الرياض
العمر: 59
المشاركات: 119
المواضيع: 13
مشاركات: 106
 

 
مـجـمـوع الأوسـمـة: (الـمـزيـد» ...)



عبث الأولاد

كان الوالد يأخذنا (أنا وأخويّ عبدالرزاق و خالد) معه إلى المعمل كل يوم أثناء العطلتين الصيفية والربيعية رغماً عنا، وله في ذلك هدفان: الأول أن يبعد شقاوتنا وعبثنا عن البيت وفيه الوالدة التي تشكونا له كل يوم. والثاني أن يبعدنا عن اللعب واللهو في الطريق. ويتوقف تطبيق هذا القرار عند دخول أحدنا الثانوية، فأن الوالد يخيّره بين الذهاب أو البقاء في البيت. لذلك بدل أن نعبث نحن الأولاد في البيت فأن العبث يكون في المعمل وهو على أية حال غير مؤذٍ.
عندما كنا صغاراً كنا نقضي أغلب الوقت في مستودع الرمل الكبير نلعب ونلهو بالكاشي الصغير أبو أربعة نتخيله سيارات ونرصف الطرق ونبني الجسور على الرمل ونقضي النهار كله نبتدع قصة أشبه بالفلم السينمائي ونعمل مطاردات فيما بيننا على الطرق والجسور. وكنا نقضي بعض الوقت بالتفرج على الشاحنات وهي تفرغ حمولاتها من الرمل والحجر والاسمنت في المخازن، أو نتوسل بالأخ كامل أن يسمح لنا أو لأحدنا بمرافقة البيك أب في أحد دروب الكاشي.
وهكذا يمضي بنا النهار على هذه الشاكلة، ويتخلل النهار تناول قطعة من الكيك أم عشر فلوس نشتريها من بائعي الكيك الصبيان أو البنات الذين يأتون عند الضحى عارضين بضاعتهم في صوانٍ صغيرة على العمال. وكان هؤلاء الأولاد والبنات ينتمون إلى العوائل الفقيرة التي تسكن صرائف قريبة من مبنى سجن البصرة وفيما بعد فإن إحدى المعلمات التي زاملت زوجتي في إحدى مدارس الزبير، وبعد الحديث عن الزوج والأسرة قالت إنها كانت تبيع الكيك على عمال وأولاد معمل كاشي الهنداس.
وكانت هناك وسائل أخرى للهو وقتل وقت الفراغ، ومنها لعبة(الصبّة) وهي عبارة عن مباراة بين شخصين على لوح من الخشب رسم عليه شكل هندسي، واللاعبان يستعملان الحصى في المنافسة، وقد برع أخي ناصر فيها ولم يكن هناك أحدٌ يمكنه التغلب عليه، ومن المفارقات أن كاملاً يعتقد أن الحصى يعني فأل شر على المكان الذي تلعب فيه هذه اللعبة. لذلك وفي يوم من الأيام وبعد مرور أكثر من شهر على بداية موسم البناء في الصيف، لم يكن هناك بيع للكاشي مثل المواسم السابقة، قام برمي اللوح الخشبي والحصى في مجرى نهر المبزل وغضب علينا مطالباً بالكف عن لعب هذه اللعبة.
وبرغم البراءة التي غلبت عليها أغلب ألعابنا، إلا إنا كنا مثل الشياطين في بعض الأحيان، فقد قادنا أخي عبد الرزاق مثل زعيم العصابة لتوجيه أنواع الأذى للعمال. وعلاوة على تسمية كل عامل باسم غريب كما تقدم، فأن عبد الرزاق كان يقودنا أنا وخالد للعبث بأغراض العمال بعد انتهاء العمل ومغادرتهم. فكنا نقوم بدسّ مسحوق الفلفل الحار في علبة(السويكة) العائدة لأبي زويد. والسويكة هي تبغ رديء ممزوج مع سائل لزج يضعه أبو زويد في فمه تحت شفته كوسيلة منعشة تشبه التدخين، ونتضاحك في صباح اليوم التالي ونحن ننتظر أبا زويد ليضع السويكة في فمه ثم يصيح من حرارة الفلفل. ومن الفعال الشيطانية أننا نعمد إلى رمي أحذية العمال التي يعملون بها ويتركونها في المعمل فوق أعلى طبقة من طبقات الكاشي المرصوف. ونعود نراقب ماذا سيحصل في صباح اليوم التالي عندما يبحث العمال عن أحذيتهم ونحن نضحك عليهم.
وكانت هناك عدة مسابح(جمع مسبحة) يتركها العمال قرب آلاتهم، ويستخدمونها للتسبيح بعد الصلاة. وهذه المسابح عزيزة عندهم لأنها مصنوعة من طين مدينتي النجف وكربلاء المقدستين لدى الشيعة، ونعمد عند العصر إلى البحث عن هذه المسابح و نكسرها بواسطة المطرقة حتى لا يبقى لها أثر، وكانت كل هذه الأفكار من اختراع عبد الرزاق.
كان مبنى الطب العدلي أو الشرعي التابع لمستشفى البصرة الجمهوري يقع مقابل المعمل، وفي بعض الأيام يأتي الناس لاستلام جثامين موتاهم من الثلاجة عند الظهر مستأجرين لهذا الغرض سيارات للركوب وأخرى لنقل الجثمان إلى مدينة النجف لدفنها على عادة الشيعة، وكنا ننتظر هذه المناسبة على أحر من الجمر لنتفرج على منظر النساء والرجال وهم يشقون الجيوب ويلطمون الخدود حزناً على الميت. كان المنظر الأكثر متعة لنا عندما نرى واحدة من هؤلاء النسوة عندما يبلغ بها الحزن أقصى مدى، تركض باتجاه نهر المبزل المقابل لمبنى الطب العدلي لتهيل الطين القذر(الصيان) على وجهها وملابسها، ثم تنتقل العدوى لبقية النساء ويتبعنها لتلطيخ الوجوه والملابس بالصيان كريه الرائحة ثم ينتقل اللطم إلى نهر المبزل والصراخ والعويل يعلو، بعدها يصيح بنا كامل أن نعود خوفاً علينا من غضب الرجال المصاحبين للنساء.























وليد الهنداس غير متصل   رد مع اقتباس

قديم 13-03-2013, 01:01   #12
وليد الهنداس
دكتور طوارئ
 
الصورة الرمزية وليد الهنداس
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Apr 2004
الدولة: الرياض
العمر: 59
المشاركات: 119
المواضيع: 13
مشاركات: 106
 

 
مـجـمـوع الأوسـمـة: (الـمـزيـد» ...)



مشاكل و منغّصات

لم يكن العمل يخلو من المشاكل بطبيعة الحال، وكان الوالد سريع الغضب وكان العمال ونحن بالطبع نخاف غضبته. كانت المشاكل اليومية هي من النوع الذي يحدث في كل نشاط تجاري أو صناعي مثل تعطل أحدى المكائن أو مرض أحد العمال الماهرين أو تلكؤ بعض الزبائن والمقاولين في دفع ما بذمتهم من مبالغ أو انقطاع التيار الكهربائي، وما إلى ذلك من مشاكل يومية وعادية كان الوالد وكامل يواجهانها بالحلول العادية المعروفة.
عند إنقطاع التيار الكهربائي لعطل يصيب الشبكة في المنطقة فأن العمل يتوقف لأن المكائن كلها تعمل بالكهرباء لذلك يوجّه الوالد العمال كلهم المهرة بما فيهم الخلفات وغير المهرة للقيام بأي عمل لا يحتاج للتيار الكهربائي مثل إخراج الكاشي من أحواض النقع أو رصف الكاشي في أماكن التخزين، وإذا لم يكن هناك أي عمل فأنه يأمرهم بتنظيف ممرات وساحات المعمل بضمنها المرافق الصحية والحمامات. إن هذا التوجه يأتي من شعور صاحب المعمل أنه يدفع أجور للعمال بلا إنتاج أثناء إنقطاع التيار الكهربائي لذلك لابد من القيام بأي عمل مقابل تلك الأجور. وبنفس الوقت فأن كامل يأخذ البيك أب ويهرع لدائرة كهرباء البصرة يشكو إنقطاع الكهرباء ويأخذ معه عمال وفنيو الصيانة لتصليحها.
ولم تكن مشكلة الكهرباء هي الوحيدة التي تؤثر على الإنتاج، فقد كانت هناك مشكلة أكبر تتلخص باختفاء بعض المواد الأولية الضرورية في إنتاج الكاشي مثل الإسمنت الاسود أوالأبيض أو بعض الأصباغ. لقد حصل ذلك بسبب تولّي الحكومة إستيراد و توزيع كل شئ بما فيها المواد الأولية في صناعة الكاشي، وذلك بانتزاع العمليات التجارية مثل الإستيراد والتصدير من التجار وتحويل هؤلاء التجار إلى مجرد وكلاء لوزارة التجارة، فقد حصلت أزمات إختفت فيها بعض المواد المهمة للصناعة العراقية ككل، وفي فترة من الفترات خلا المعمل من مادة الإسمنت الأبيض الضرورية لإنتاج كل أنواع الكاشي، ولم يسلم حتى الإسمنت الأسود وهو صناعة محلية عراقية وعصب رئيسي في صناعة الكاشي من الأزمات، ومرت على الوالد أوقات عصيبة وهو يرى نفسه يدفع أجوراً للعمال مقابل توقف الإنتاج، الأمر الذي أدى لتدمير الحركة الصناعية في القطاع الخاص في العراق بقصد أو بدون قصد.
لم تقتصر الأزمات الإقتصادية على القطاع الصناعي فقط بل إمتدت لجميع نواحي الحياة في العراق مطلع السبعينات حيث اختفت من السوق بعض السلع والمواد الغذائية الرئيسية مثل الرز والحليب المعلب ومساحيق الغسيل ومعجون الطماطم وحتى شفرات الحلاقة. ويتذكّر الذين عاشوا تلك الفترة كيف تحوّل كل تجار الجملة والمفرد إلى وكلاء لوزارة التجارة يستلمون حصص شهرية من السلع من مخازن الوزارة ويبيعونها للناس بكميات محدودة، علاوة على تزاحم الناس وتدافعهم وحتى تقاتلهم على الدكاكين للظفر بسلع مهمة أوغير مهمة كانت أيام التجارة الحرة مبذولة بالسوق وسط إستقرار إقتصادي أدى بطبيعة الحال لإستقرار مالي وإجتماعي، وإلا كيف نفسّر أن تعتمد الدولة نظاماً لتوزيع حصص من الرز على الناس بموجب الهوية الوطنية في بلد زراعي يصدّر رز العنبر الشهير لمختلف بلدان العالم؟ حصل ذلك في سنة 1971 عندما شح واختفى الرز من الأسواق وأخذ الوالد كل أفراد العائلة صغاراً وكباراً، رجالاً ونساء في شاحنة البيك أب واصطحب معه الهوية الوطنية(الجنسية) لكل فرد إلى سايلو البصرة( وهو الصومعة التي تخزن فيها الحبوب والغلال) حتى يستلم كل فرد من العائلة كيس من الرز زنة 45 كغم ويوقع إيصالاً بالإستلام.
ويمكن القول بدون مبالغة أن هذا النوع من المشاكل لم يحصل إلا عندما اتجهت سلطة حزب البعث الحاكم إلى النظام الاشتراكي بطريقة سريعة ومستعجلة في مطلع السبعينات من القرن العشرين، الأمرالذي أدى إلى خلل واضح في التجارة والزراعة والصناعة بالإضافة إلى شرخ مطلوب ومقصود بالعلاقة بين العمال وأرباب العمل.
وفي واقع الحال لم يكن الشرخ المقصود قد حصل بين العمال وأرباب العمل فقط، و إنما كان هناك تحريض من السلطة بواسطة نقابات العمال والمزارعين والطلاب وكل الطبقات الفقيرة والمتوسطة ضد الملاّك وأصحاب رؤوس الأموال وحتى حملة الشهادات والمعلمين والمدرسين. وبطبيعة الحال اندفعت هذه الطبقات بسرعة في هذا التوجه التي تؤيده الحكومة وتمرّدت على كل من يمثل عالم المال والإقتصاد والعلم والزراعة، واعتبرت هذه الطبقات واهمة أن الحكومة الجديدة جاءت من أجلهم كما كانت تعلن في كل مناسبة وأن الوقت قد حان الآن للقصاص من مصاصي دماء الشعوب والفقراء!
وربما أحسّت الحكومة وقتها أنها لا تستطيع السيطرة والبقاء إلا بتحجيم أوتجريد أوالقضاء على ثلاثة جهات تعتقد أنها تهددها هي: أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب الشهادات العلمية والمتعلمين عموماً وأبناء العوائل والعشائر الكبيرة في العراق. وربما لو عاد ممن عاش في العراق مطلع السبعينات في ذاكرتهم لِما حصل في تلك الأيام لتذكّر أن سلطة الحزب الحاكم شرعت ونجحت في إخراج هذه الفئات الثلاثة من التأثير على الحياة الإقتصادية والإجتماعية في عموم البلاد من خلال قرارات ظاهرها المصلحة العامة وباطنها مخفي عن الناس. كان قرار التحول السريع نحو النظام الإشتراكي موجهاً نحو رؤوس الأموال، وقرار إلغاء الألقاب من الأسماء موجهاً نحو الإنتماء العائلي والعشائري، وقرار إنشاء النقابات والإتحادات المهنية بضمنها الإتحاد الوطني لطلبة العراق وإعطائها صلاحيات واسعة موجهاً ضد العلم والعلماء والوقار التدريسي وحصانة المعلم والمدرس. فقد كان رئيس إتحاد الطلاب في كل كلية عضواً في مجلس إدارة الكلية الذي يضم رؤساء الأقسام العلمية فيها، ورئيس الإتحاد في كل جامعة عضواً في مجلس إدارة الجامعة الذي يضم عمداء الكليات. وفي الوقت الذي درستُ فيه في كلية الطب كان رئيس إتحاد الطلاب طالباً في الصف الثاني عمره 19 سنة يجلس ويناقش القرارات مع رؤساء الأقسام المهمة مثل الجراحة والتشريح وغيرها وهم الذين أفنوا أعمارهم في الدراسة والتحصيل.
و بدأت كل النقابات التي شكلتها الحكومة في مضايقة أرباب العمل وملاك الأراضي وحتى مدرسي المدارس والمعاهد والجامعات، فكان العامل يقف يتحدى رب العمل والمزارع يقف في وجه صاحب الأرض والطالب يشتكي لدى السلطات واتحادات الطلاب على المدرس وإلى آخره من انقلاب في المفاهيم والقيم دكّت أسس الإنتاج الزراعي والصناعي بل وحتى رصانة التعليم في البلد. وبالنسبة للمعمل فأن النقابة بدأت تتدخل في مفاصل العمل وتحرّض العمال على المطالبة على ما أوهمتهم أنها حقوقهم الضائعة، وفيما كان القانون في السابق يحفظ حق العمال ويحفظ حق رب العمل معاً، فأن توجهات الحكومة الجديدة كانت تسنّ القوانين والتعليمات وتدعم نقابات العمال لإعطاء العمال ما ليس لهم حق فيه على حساب حق رب العمل، والمعروف أن العمال كان لديهم ضمان إجتماعي من راتب تقاعدي وإجازات إعتيادية ومرضية مدفوعة الأجر، وكل عامل مشمول بقانون الضمان لا يحق لرب العمل أن يفصله من عمله إلا بقرار يأخذ الصفة الحكومية، ومع ذلك كان الوالد عطوفاً على العمال ويعاملهم معاملة العائلة الواحدة كما تقدّم، فأين الظلم الذي كان العمال يعانون منه كما تدّعي الحكومة وكما تؤسس النقابات ثقافتها عليه.
كان الخلفة(جميل مطر) عضو صغير في حزب البعث الحاكم وعضو في نقابة عمال البصرة، ونجح في أن يكون شوكة في حلق الوالد وحلق كامل، وذلك من خلال مراجعته الإدارة وترك عمله في إنتاج الكاشي ومناقشة الوالد أو كامل عن وضع العمال ومطالبهم، أو من خلال تركه للعمل بحجة وجود إجتماع حزبي أو نقابي عليه حضوره، وبهذا تدنى إنتاجه إلى الحضيض فيما هو يأخذ أجره كاملاً، ثم نجح بضغط من النقابة أن يرغم إدارة المعمل على إستيفاء(أجور نقل) من الزبائن للعمال عن تحميل وتفريغ الكاشي، ثم زادت المطالب بأن سنّت الحكومة نظاماً ترغم فيه المعامل على توفير واسطة لنقل العمال من وإلى المعمل أو دفع أجور نقل لهم، وامتدت التدخلات لتصل إلى نوعية الكفوف المطاطية التي يجب على إدارة المعمل توفيرها للعمال وحددت النقابة مدة استهلاكها باسبوع واحد بعده يجب على الإدارة تزويد العمال بكفوف جديدة، ثم بلغ السيل الزبى عندما فرضت النقابة أن تكون (دكة الكاشي) متكونة من عشر كاشيات بدلاً من عشرين كاشية تخفيفاً عن كاهل العمال، الأمر الذي أدى إلى هبوط مخيف في عملية الإنتاج والنقل إلى النصف.
ولم يسكت الوالد فكان كثيراً ما يرفع صوته في إتحاد الصناعات العراقي ووزارة الصناعة حتى غدا قائداً لأصحاب المعامل ومتحدث باسمهم، لكن الحكومة كانت تتعمد إيذاء أرباب العمل لضمان ولاء طبقة كبيرة من الجهلة والفقراء والمنافقين والوصوليين أمثال جميل مطر على حساب حقوق الآخرين.
وجاءت الطامة الكبرى عندما سنّت الحكومة قانوناً يحق فيه للعمال أن يتقاضوا ربع أرباح المنشآت الصناعية، وبأثر رجعي إلى خمس سنوات ماضية، ويمكنني القول الآن أن هذا القرار كان بمثابة الضربة القاضية لصحة الوالد الذي أُبتلي منذ ذلك الحين بالأمراض كالسكر والضغط وتصلب الشرايين بعد معاناته من القرارات السابقة وتدخلات نقابة عمال البصرة.
ولم تكن عملية حساب أرباح المعمل في السنوات الخمس الماضية سهلة، لأن القرار تضمّن فيما تضمّن أن تكون دفاتر الحسابات ممهورة بختم مكتب مدقق قانوني مرخص حتى لا يتلاعب أصحاب المنشآت الصناعية بالحسابات، لذلك استعان الوالد بأربع محاسبين لمراجعة حسابات السنوات الماضية، ولوضع أساس محاسبي قانوني لحساب أرباح السنوات التالية، وكان المحاسبون الأربعة كلهم من مدينة الزبير يعملون في المعمل في فترة بعد الظهر والمساء ثم يصحبهم الوالد بالسيارة معه إلى الزبير. وأذكر أن أحدهم يدعى(عبدالآله الدايل) والآخر(عبدالرحمن الشطب) وآخر من عائلة (الجامع) ونسيت اسم الرابع. وعمل المحاسبون لشهور طويلة في مراجعة الدفاتر وإنجاز المطلوب أنفق خلالها الوالد رواتب كبيرة للمحاسبين بدون مبرر.
وكانت اللحظات الأشد إيلاماً على نفسية الوالد هي في اليوم الذي تم فيه توزيع المبالغ على العمال، حيث قبض بعض العمال مبالغ لا يستحقونها وصلت لأكثر من مئتي دينار، وحضر في ذلك اليوم عمالٌ كانوا يعملون في السابق في المعمل وبعضهم ترك العمل لخلاف الوالد معهم بسبب سوء التصرف، وقد رأيتُ بنفسي نظرات التشفي في عيونهم وهم يعتقدون أنها لحظة الثأر من الوالد ومن جميع البرجوازيين كما كانت أدبيات حزب البعث ترضعهم.
و في نفس الوقت جاءت ضربة أخرى موجعة للوالد عندما امتد قانون توزيع الأرباح إلى القطاع الزراعي، فقد قضى القانون أن يتقاضى الفلاح ثلث قيمة المحاصيل مقابل عمله في زراعة الأرض بدلاً من الأجر الشهري وربحه من زراعة وبيع بعض المحاصيل الزراعية البسيطة كالخضروات الورقية وغيرها وهو نظامٌ كان معمول فيه منذ أن خلق الله الأرض والزراعة. وكان الوالد يمتلك وقتها بستان من النخيل والفواكه في قضاء أبي الخصيب في منطقة(حمدان) شأنه في ذلك شأن جميع أصحاب رؤوس الأموال والأغنياء في البصرة والزبير، وعادت نفس مشاهد الأسى والقهر والوالد يعطي الفلاح مبلغاً كبيراً من المال لا يشكل أي حق من حقوقه رغم أن الفلاح أصبح متمرداً هو وأولاده على صاحب الأرض.
وهكذا نجحت الحكومة في العراق في قصّ أجنحة أصحاب رؤوس الأموال وانتزاع مصادر الدخل العالي منهم وحققت بذلك هدفين كبيرين يمثلان وجودها، الأول إزالة خطر تجمع المال لدى الأغنياء الذين ربما يستقطبون بعض الأفكار أو الجمعيات التي ربما تقلب الحكم، فالمعروف أن المال يلعب دوراً أساسياً في الإستقطاب. والثاني ضمان ولاء طبقة كبيرة من الفقراء والجهلة بإيهامهم أنما الثورة جاءت منهم ولأجلهم.
وعمَّ هذا المناخ على كل مرافق الحياة الأمر الذي أدى بكثير من التجار النجديين الى العودة إلى بلدهم الأصلي في المملكة العربية السعودية طلباً للعدل والأمن وأمان الاستثمار، حيث سنّت حكومة المملكة العربية السعودية سنة 1974 قانوناً بقبول عودة النجادة الزبيريين إلى المملكة ومنحهم الجنسية العربية السعودية حالهم حال المواطنين، وجاء هذا القرار كطوق النجاة للتجار الزبيريين الذين أمنوا على رؤوس أموالهم وبدأوا حياتهم الجديدة في ظروف ممتازة تكفل لهم الحكومة السعودية فيها حياةً حرة كريمة ومستقبلاً زاهراً.




وليد الهنداس غير متصل   رد مع اقتباس

قديم 14-03-2013, 01:52   #13
وليد الهنداس
دكتور طوارئ
 
الصورة الرمزية وليد الهنداس
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Apr 2004
الدولة: الرياض
العمر: 59
المشاركات: 119
المواضيع: 13
مشاركات: 106
 

 
مـجـمـوع الأوسـمـة: (الـمـزيـد» ...)

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الوالد عبدالله الهنداس وحفيده خالد عبداللطيف البصري أمام باب المنزل في أواخر أيامه سنة 1978م



الخاتمة

واستمر حال معمل الكاشي الحديث يصارع الظروف الصعبة وهبط إنتاجه وقلّت أرباحه، لكنه كان لا يزال يعطي للوالد ولأسرته مستوى ممتاز من المعيشة، ولعبت قناعة الوالد الدور الكبير في الرضا بمتغيرات الظروف والصمود بوجه الهجمة الاشتراكية الحكومية.
وفي سنة 1974 أُصيب الوالد بأول جلطة في المخ نجا منها وعاد إلى عمله سليماً معافى بعد رحلة علاجية أوصلته وقتها إلى بيروت، ثم أصيب بالجلطة مرة أخرى سنة 1977 لكنه لم ينجُ منها، فقد أُصيب بضعف في الأطراف وصعوبة بالنطق، لكنه بقي يذهب كل يوم إلى المعمل صباحاً ويعود عند الظهر إلى البيت دون أي يسشارك أخي كامل بإدارة المعمل، فقد كان المعمل بالنسبة له هوالحياة وهوالبقاء. ولم يكفّ عن الذهاب إلى المعمل إلا عندما قرر السفر إلى لندن ليعرض نفسه على أحد الأطباء المشهورين. وغادر العراق في صيف سنة 1978 بصحبة والدتي وأخي خالد. لكن القدر لم يمهله، وتوفي في فندقه قبل موعد زيارة الطبيب، وشحن جثمانه بالطائرة إلى بغداد، حيث لعب الإستاذ(لويس) مدرس اللغة الإنكليزية في ثانوية الزبير سابقاً، والموظف وقتها في السفارة العراقية في لندن، دوراً كبيراً في تسهيل عملية شحن الجثمان خصوصاً وأنه يعرف أخي خالد الطالب عنده. ثم شُحن الجثمان بالسيارة إلى البصرة، ثم إلى المعمل أولاً وكأنه رحمه الله يأبى إلا أن يلقي التحية والنظرة الأخيرة على عصارة جهده وسبب عزّه وتركته لأولاده من بعده قبل أن يوارى جثمانه الثرى في مقبرة الحسن البصري في مدينة الزبير في ذلك اليوم من أيام شهر تموز سنة 1978 م وسط دموع العمال الذين أحسّوا أنهم فقدوا بوفاته والداً وقائداً ورفيقا.
وليد الهنداس غير متصل   رد مع اقتباس

قديم 14-03-2013, 01:55   #14
وليد الهنداس
دكتور طوارئ
 
الصورة الرمزية وليد الهنداس
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Apr 2004
الدولة: الرياض
العمر: 59
المشاركات: 119
المواضيع: 13
مشاركات: 106
 

 
مـجـمـوع الأوسـمـة: (الـمـزيـد» ...)

اتقدم بالشكر الجزيل لكل من ساعدني على نشر هذه المذاكرات
وأتمنى نقلها من النافذة الخاصة لنافذة التراث من أجل مشاركة أعضاء المنتدى فيها

وشكراً لإدارة المنتدى

والسلام على الجميع
وليد الهنداس غير متصل   رد مع اقتباس

قديم 14-03-2013, 07:35   #15
حسن زبون العنزي
أُستاذ
بيانات العضو  
تاريخ التسجيل: Aug 2007
الدولة: الزبير
المشاركات: 1,447
المواضيع: 126
مشاركات: 1321
الجنس: ذكر
 

 كبار الشخصيات


مـجـمـوع الأوسـمـة: 1 (الـمـزيـد» ...)

اسعد الله صباحكم

الدكتور وليد الهنداس المحترم

تابعت هذا المقال القيم وتأسفت لانك لم ترفدني بشيء منه وبضعة من هذه الصور القيمة ليكون مكانها الحقيقي والافضل --
في كتاب ايام الزبير -فقد وجدت حتى هذه الايام طلبا عليه عندنا من اساتذة الجامعات والاعلاميين والادباء ومحبي التراث -
وقد قمت بتوزيع قرابة 180 نسخة مجانا وما زالت الطلبات تتوالى حتى انني اتصل بالمؤسسة دائما لتزويدي به الان ولدي قائمة بالحجز ومن شخصيات مرموقة -
وبالتأكيد ان مكانه في الكتاب اوسع اطلاعا من الانترنيت المحدود والكتاب ينقل وعرضة للتصفح من قاريء لاخر --
وقد الححت عليك الا انه يبدو انك لم تكن مقتنعا بان كتابا سيصدر عن الزبير وانه مجرد احلام ولهذا لم تكلف نفسك حتى بالرد على طلبي او الاعتذار -
انها قصة رائعة ومتكاملة لجهود والدك رحمه الله وللعلم فان كاشي بيتنا منه وما زال وافضل من الموجود حاليا رغم الزمن البعيد عام 1979م -
اذ كان الاخ كامل رحمه الله يدير المعمل وزرته ليزودني بما اريده ومنه الموزاييك الفستقي والعادي وللسطح --
وكنت اعرفه فنحن معا طلاب متوسطة الزبير للبنين لثلاث سنوات وكان مديرها ناصر السالم رحمه الله وهي الواقعة قرب مصلى العيد ---
وليس كما ذكرت متوسطة النجاة --لان تلك اي متوسطة الزبير هي الاقدم وتأسست عام 1950م ---
اما دار المنديل فقد صورتها قبل اسبوع وتذكرت ما كتبته عنها وهي في محلة نظران ليس السيف --وتجاور تماما الدار التي اصبحت مقرا للاتحاد العام للادباء والكتاب في البصرة -
واتخذت الان -دار المنديل الاثرية -مقرا لنقابة الفنانين في البصرة --
سوف ارسل صورتها لاحقا للمراة من منتديات الجنائن -
رحم الله والدك الرجل العصامي واخوتك ومنهم كامل الذي حضرت وفاته وادخلهم فسيح جناته --كما ان لدي صورة لوالدك نادرة مع الحاج محمد العقيل --
قد احتاجها ومختارات من مقالك في طبعة ثانية منقحة وبها زيادات وصور ارسلت لي من قبل بعض العائلات المعروفة وهم يعتبون معتقدين انني اغفلتهم وسير لابائهم واطباء شعبيون ومنهم الحاج دخيل السعران --
يرجون ان اضعها في كتاب ايام الزبير اذا سنحت فرصة ثانية لطبعه ان شاء الله --
دمتم بخير وشكرا --

الخميس 13-3-2013م

__________________
رقم الجوال : 009647801359525

حسن زبون العنزي غير متصل   رد مع اقتباس
رد

أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أشياءٌ في الذاكرة.. عبدالجبار الخليوي نافذة التراث 117 02-04-2013 13:10
من ألبوم الذاكرة عباس الحساني نافذة النص الأدبي المفتوح 1 07-04-2012 13:07
أعمل بذكاء لابجهد ابوعمر نافذة مكتبة المرآة 3 02-01-2012 10:49
هموم ..في الذاكرة عباس الحساني نافذة الشعر 0 26-10-2009 17:10
الخلطة السرية لعمل التمريه ولهان نافذة المجتمع 17 08-05-2004 09:40


الساعة الآن: 09:59


Powered by vBulletin® Version 3.8.5, Copyright ©2000 - 2014, Tranz By Almuhajir