عباس الحساني
11-01-2009, 14:47
مرة وقف التلميذ (س) أمام معلمه في درس القواعد متحيرا كيف يعرب الاسم الذي يأتي بعد حرف الجر ولما سأله المعلم قل والا ستجد ما لا يسرك ولم يعد أمام التلميذ سوى أن يقول شيئا غير متأكد من كلامه لذا فقد أخطأ في الاعراب فرد عليه المعلم بغضب : اعلم أن هذا الحرف يسمى حرف جر .أفهمت يا ولدي ؟ ماذا يفعل هذا الحرف ؟ وسكت التلميذ لا يستطيع الكلام لكن المعلم عقب : هذا الحرف يجرك ويجرني ويجر أبوك . أفهمت يا ولدي ؟ لكن أحد الشياطين التفت الى زميله هامسا : هذا اشلون اعراب ! فسمعه المعلم وصرخ عليه : قم . ماذا قلت ؟ فسكت التلميذ الا أن المعلم هدده قائلا : ماذا علي أن أقول ؟ أجاب التلميذ بخوف وهو ينظر الى العصا تهتز بيده : أستاذ . يجب أن تكون الكلمة ( أباك ) فرد عليه مبتسما وقد وضع العصا خلفه : صحبح ولكن لا تتكلم معي وارفع يدك عند الاجابة .رد التلميذ : نعم يا أستاذ. عاد الى رحلته وهو يبتسم والتفت الآخر اليه هامسا : ولك أنت ما تكدر تسكت .هاي شلك بيها . رد عليه : ولك غلط . شيريد يسوي خل يسوي اي أكو غيرها عصا ته بيده . الغلط غلط . فرد عله بهدوء : كيفك أخوي كيفك أنت اللي ياكلها .آني شعلي . هذا والمعلم يدقق في دفاتر التحضير اليومي فقد كلفهم بحل التمارين ... ظلت الجملة لا تفارق شفتي المعلم ان حرف الجر يجرك و... وانحسرت في صدره المواقف المتكررة ولم يستطع أن يكظم دموعه عبر أخاديد التعب والجوع والعوز والحرمان فقد جار عليه الزمن واتهم بمواقفه الفكرية وسجن اثرها وحين خرج ، لم يجد عملا سوى أنه صار حمالا يعيل عائلته فكل الذين يعرفون عنه أنه قد فصل سياسيا وهو من المغضوب عليهم .. وتسمرت عيناه في عربته الحقيرة فانسابت على خديه دموع حارة يتذكر كيف كان يقف أمام تلامذته ثم يسترجع قائلا : نعم ، هكذا هي الحياة ، لابد لها من حرف جر ،اما أن يكون جارا أو مجرورا . واختنقت الكلمات في صدره فأجهش بالبكاء وظل ينظر الى ما بين قدميه الواهنتين لكن الشاب مازال يلاحق أستاذه بقسوة قائلا : نعم فكلانا حرف واحد لكننا لا نلتقي . وامتدت يده الى باب سيارته الحديثة الطراز فاستوقفته صورة واحدة كان يسمعها أيام طفولته حيث نقشتها أصابع الزمن في ذاكرته : المعلم شمعة .أجل ، انه شمعة وهذا أستاذه قد جار عليه الزمن . أحس بالألم يسري في عروقه وتناسى تلك القسوة وأدرك أن كل ما يمتلك من السيولة النقدية وغيرها ، لا قيمة لها بجانب بحث أو رسالة أو كتاب فهو اذن تافه حقير فليس المال وحده كافيا لحركة العالم . صحيح ولكنه لا يقاس بجانب الشهادة العليا فلها مقامها وهو وان حصل على ما يبتغيه الا أنه لم يدرك شهادة واحدة على حد يزعجه كثيرا اذا ذكرت في مجلس ما . كل ذلك كان يدور في ذاكرته وعندما نظر الى معلمه تذكر ذلك الموقف فتراجع وألقى بنفسه على الجسد المنكود باكيا في حين كانت الكلمات تتعثر في شفتيه : سامحني ..أستاذي سامحني ... الا أن الرجل المتعب انقلب على جنبه الأيمن جثة هامدة وبقيت الكلمات تتردد في الفضاء متشنجة الحروف .
عباس الحساني
عباس الحساني