مشاهدة النسخة كاملة : رحلـة في بوادي البابطين


عباس الحساني
17-11-2008, 21:54
ثمة ملاحظات على كتاب الأستاذ الفاضل عبدالعزيز سعود البابطين في أثناء قراءتي له اذ وجدت فيه الأصالة الشعرية التي نفتقدها اليوم في خضم هذه الآفاق الشعرية الرحبة . وددت أن يطلع قراء هذا الموقع الموقر .اعتذر للشاعر في هذا العرض الفني ان كان هناك ما يؤذيه وانما هي وجهة نظر ـ مع تقديري . الحساني

رحلـة في بوادي البابطين
عباس الحساني / العراق ـ البصرة
استعرت قبل أيام ديوان الشاعر الاستاذ: عبدالعزيز سعود البابطين الذي وسم عنوانه ( بوح البوادي ) 2004 ـ وأعتذر للشاعر خاصة ..فالكتاب غير متوفر في المكتبات بسبب الظروف المؤلمة التي تشكل عائقا كبيرا أمام القارىء ، ونحن نعمل جادين في البحث عن كل ما أنتجته الذاكرة العربية والأجنبــيةمن كتب الأدب ولكن مــا حيلة المضطر الا ركوبها !.. لقد سجلت بعض الملاحظات الفنية لعل القارىء في موقع الشاعر المبدع بهاء الدين البطاح ( أنكيدو )يتعرف على هذا الديوان .نعم ، لقد وجدته ينم عن ذوق رفيع باختيار اللفظ الذي يكسب المعنى رونقا وبهاء ففيه من عناصر الصورية الشعرية : الفكرة الواضحة والأسلوب الرفيــع والايقــــاع الخــارجي الجميل والصــوت في التنغيم بالاضـافة الــى العاطفة والخيال الفسيح في عالم الوجدان اذ ينقلك من مجال الى آخر وكأنك تنشد نفسك مما تستجيد من الشعر صــورا شتى ما يحملك خلال مسيرة الشاعر التي تتمثل بالصورة الجمعية وتلك المزية التي يفتقدها الشعر اليوم .نعم ، كما يقول نوثروب فراي( تشريح النقد ص 389 ت: محيي الدين صبحي ط2/دمشق 2005) : (كل خيال شعري لا بد أن يقوم على الاستعارة ولكن في القصائد الغنائية تكون عملية التداعي أقوى كما تستبعد العبارات الوصفية الجاهزة في النثر العادي مما يجعل للاستعارة العنيفة أو غير المتوقعة أهمبة خاصة . وتعنى القصيدة الغنائية أكثر من أي نوع آخر اطلاقا في تأثيرها الرئيسي على الصورة الغضة أو المفاجئة ) . اقرأ ما شئت من المجموعة فستجد في رياضه من الأزهار مايسحرك ومن الصور مايبهجك ويثير المتعة في نفس المتلقي بعفوية لطيفة .
يحتوي الديوان على( 52) قصيدة عمودبة ذات أسلوب غنائي وكما ذكر الشاعر الفاضل البابطين في المقدمة ( انني أعتقد بأن تلك مشاعري وأحاسيسي وحدي ، ولا حاجة للآخرين بالاطلاع عليها فهي من خصوصياتي اللصيقة بي والتي هي ليست بالضرورة نتاج تجربة شخصية ) لكنها حينما تصدر لا تتضمن (الأنا ) بل ( نحن ـ الجمعي ) فهي تعبر عن سلسلة من التجارب الانسانية في كل زمان ومكان .
توزعت القصائد كما يلي :
ت البحر العدد ص المجزوء /ص
1 ـ الكامل 2 10ـ99 23
2ـ البسيط 9 5ـ15ـ25ـ32ـ45ـ
50ـ75ـ86ـ102
3ـ الرمل 13 12ـ 20ـ21ـ35ـ37ـ 29ـ 92
44ـ 51ـ 69ـ73ـ84
88ـ 94ـ100
4ـ الوافر 16 9ـ19ـ24ـ33ـ43ـ49ـ55
59ـ67ـ71ـ79 ـ85ـ91ـ
97 ـ 98ـ101
5ـ الخفيف 2 39ـ 56 60
6ـ المتدارك 1 81
7ـ الطويل 5 30ـ 47ـ57ـ62ـ82
في هذا الجدول يتبين أن أكثر البحور هو الوافر الذي يمثل 31بالمائة تقريبا وأقلها المتدارك الذي يمثل 2بالمائة وفي هذا يتفاوت النظم . تكاد الأغراض تتفق في منحاها الوجداني الذي اتخذ مسارا واحدا في كل قصيدة ويمكن أن نعتبرها قصيدة واحدة ،ذات وحـــدة متماسكة ورصينة . نعم ، تكاد تقرأ خلجاتك النفسية من خلال التدرج في بناء القصيدة . فيها من الصـــفاء الذهني ما يطبع وحـــداتها بالجـــانب الأخلاقي العفيف .. والشاعر الفاضل له من اللطف في اختيار الألفاظ والمعــاني . . ولا يغلو في السيــاقات الأخــرى التي تثــير في النفس الجوانب الشهوية والعبث غير المجدي . ويتبع في النسق القصيدة الدائرية الحديثة، قوله:
(بوح البوادي)أهديه لمن عشقت صبأ كــواه النوى في أمسنا وغد
الى قوله :
ليذكر العشق والعشاق كلهمو صبأ كواه النوى في أمسنا وغدي
ومما يلفت النظر ، أن عجز المستهل يتفق مع النهاية مع وجود فارق في ضمير الغياب وربما قصد الشاعر العمومية فعرفه (في غــدي) في حين نكره (في غد) ليجعله مفتوحــا زمنيا أما في عجز البيت (ص 6) فقد جاء معرفا للخصوصية .
وفي (ص15) ـالقصيدة : حنين / هذا المقطع:
سل وادي الحب واسأل وردة فيه عن اللــقاء الذي لوعـاد يرويه
تخضر أرض ويزهــو في جــوانبه شيح وينـمو الخزامى في روابيه
لقيــا تحدث عنها النجم رددها للقــادمات مـن الأيــام في تــيه
ذكرتها من صميم القلب أذكرهـا والحــب تأبى يدالأزمان تسقيه
ياعــود دندن فقلبي والـه دنف يا شوق أقبل فاحساسي يناجيه
الى قوله :
ياليت وادي الهوى يروي تعطشنا الى اللــقاء الــذي نشتاق يروي
في كلمة ( يناجيه ) وقفة عروضية ربما أنتابها خطأ باستعمالها فألف التأسيس ينبغي ملاحظتها اذ تنسحب على القوافي الأخر في القصيدة ولها من الدقة الايقاعية ما يجعل التفاوت في هيأةالكلمة صوتيا .
نعم ، ان بناء الشعر كله على السبب والوتد ( في علم العروض للعروضي ص 94 ط1/ 1995 تحقيق : د.جعفر ماجد ـ دار المغرب الاسلامي ص 10) : اعلم أن السناد هو فساد أيضا في القافية ، وقد جعله قوم بمنزلة الاقواء والاكفاء . وبعضهم يجعله اختلاف القافية في التأسيس ، وهو أن يجيء بقافية فيها حرف تأسيس وقافية بغير حرف تأسيس ..) . اذن ، هناك دقة في البناء وقد أخطأ كثير من الشعراء في هذا ، كذلك ما يثبت أن السناد هو اختلاف الحركات قبل الارداف .. ان بعض الاشارات السريعة ذات الايقاع المتناوب لا يشكل شيئا . اما اذا تكررت الحال فيحدث الفرق في النسق .
يتبع الشاعر أحيانا في القصيدة الدائرية في الأسلوب والموسيقى البحترية التي يظهر تناغمها وتوازنها في البناء بشكل تقابلي :
ياعود دندن / ياشوق أقبل
فقلبي واله / فاحساسي
وكلمة( دنف ) وهو درجة من العشق فيه مناجاة داخلية لما فيه من اللوعة لكنه أظهره في الضرب .ليتوازن بين الداخل والخارج . وهو وهو ما نجده في قصائد البحتري دائما ، قوله :(يستهلها بمدح الخليفة المتوكل على الله) :
عذيري فيك من لاح اذا مـــا شكوت الحب حرقني ملاما
فلا وأبيك ! ما ضيعت حلما ولا قــارفت في حبــيك ذاما
ألام على هواك وليس عـــدلا اذا أحببت مثـــلك أن ألامـا
لقد حرمت من وصلي حـلالا وقد حللت من هجري حراما
أعيـــدي في نظــرة مستثيب توخى الأجر أو كــره الأثاما
تري كبـــدا محرقـــة وعينا مؤرقـــة وقلـــبا مستـــهاما
تنـــاءت دار علوة بعد قرب فهل ركب يبلغها الســـلاما
وجدد طيفـها لومــــا وعتـبا فمـــا يعتــادنا الا لمـــــاما
قطعنا الليـــل لثما واعتنـاقا وأفنـــياه ضــــما والتـــزاما
وقد علمـــت بأني لم أضـيع لها عهدا ولم أخفر ذمــــاما
لئن أضحت محـــلتنا عراقا مشرقـــة وحلتـــها شـــآمـا
فلم أحـدث لــــها الا ودادا ولم أزدد بـــها الا غــرامـا
ولا يميل الشاعر الى التكلف والغموض ، مثله البحتري الذي ينفر منه ويعيب عليه :
كلفتمونا حــدود منطقكم في الشعر يلغي عن صدقه كذبه
والشعر لمح تكفي اشارته وليس بالهــذر طـولت خطــبه
ويذكر الأستاذ صالح حسن اليظي (البحتري بين نقاد عصره ص 242/1982) مدافعا عن البحتري باستعماله أسلوبا رقيقا لما تحتمه المناسبةأولا ولما فيه من موسيقى لها ايقاعها في الخاص فيقول في المقدمة الغزلية لاحدى مدائحه في الفتح بي خاقان :
اذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى أصاخت الى الواشي فلج بها الهجر
ويقول على شاكلة ذلك ضمن قصيدته في مدح المتوكل :
اذا احتربت يوما ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها

ففي البيت الأول ذكر البحتري المحب والحبيبة ثم أتى بشــرط وهو نهي الناهي وجزاء هو استماعها اليه ، وجعل في الشرط ازدواجين من نسبة النهي الى الناهي واللجاج الى الهوى ، وفي الجــزاء ازدواجين من نسبة الاصاخة الى الحبيبة واللجاج الى الهجر .
وفي البيت الثاني أتى بالعداوة والقربى في شرط وجزاء وجعل ازدواجين في كل منها . وتتجلى مقدرة البحتري الفنية متألقة حينما يتمـــتكن من صياغة مثل تلك المعاني المعقدة صياغة مبرأة من التعقيد اللغوي والتكلف البديعي ن ومن وراء ذلك الموهــــبة الخصبة والذوق المرهــــف والثـقافة المحيطة بـــأسرار اللغة وقيم الأصوات في الألفاظ وقدرتها على الأداء .) نعم ، عرضت لك أيها القـــارىء الكريم هذا، ما يتقارب به الشاعر من أسلوب البحتري . وهو مــا يتخذ جانبا خاصا له عذوبة اللفظ و رقــة المعنى كأن توظيف القيم الصوتية للحروف لها من الجمالية الحسية ما ينشد روض البحتري الطيب.
ان ما أراه في توزيع القصائد غير متناسب فقد أخـــذ جانبا احصائيا يصل الى الذروة كما في القصائد المبنية على بحر الوافر (مفاعلتن مفاعلتن فعولن ) ثم يتدرج وهو مــا يشكل فارقا في الاحساس .كــذلك في قاموس الشاعر مفردات ومعان لم يتجاوزها في معظم قصائده وهي تؤلف المعاناة الذاتية التي محورها الانسان .ففي مناجاة (ص 100) من الرمل ، نجد المستهل في صيغة التعجب متسما باللطف والبراءة والدلال :
كيف أمسيت ؟بماذا تحلمين ؟ ألحب الأمس .ما زال الحنين ؟
في صيغ الاستفهام (كيف ، ماذا ،الهمزة ) نلاحظ التوزيع الهندسي الدقيق لبــناء القصيدة . ففي كل خمسة أبيــات يبدأ ب(كيف) تقريبا وربما زاد أو نقص لكن التوازن المنطقي يضفي على القصيـــدة اللطافة والخفة ؛لذا فقد اعتمدها الرمل لخفتها وسرعتها في التفاعل النفسي . وقوله :
فاذكرونا مثلما نذكركم رب ذكرى أغدقت للظامئين
ان تكرار حرف الذال مع الراء وتعامله مع الحروف الأخرى يشكل جانبا صوتيا دقيقا في تواتر الكلمات ذات الموسيقى الهادئة . حين يختم هذه القطعة الموسيقية الجميلة بحرف النون ذي الغـنة المتميزة ما يضفي على الايقاع جمالية ورونقا في المد العارض للسكون .
في قصيدة (52) ـ رحلة على أنغام الناي ـ من بحر البسيط :
يا ناي مالك تبكي الوصل متشحا بالحزن والشوق والآهات والألم
تبكي الزمـان الذي ولــى وتذكره في كل آه ، بأشــكال من السقم
فبح ..
ثم ينهيها مستدركا :
لكنني والهوى الغالي يبرحني مس من الحب فان الحزن وسط دمي
أنــا الذي يتقضى عمره هزئـا بالحزن والشـوق مهـما زاد ، والألم
فكلمة ( هزئا ) صيغة من صيغ المبالغة ( فعل ) ويعمل عملها اسم الفاعل فان كان لفظه ماضـــيا فهو حكــاية الحال أي أن المتكلم حكى الحاضر بالماضي لغرض التأكيد . ومنه قول الشاعر ( أبي يحيى اللاحقي) :
حـذر أمــورا لا تضــير وآمـــن ماليس منجيه من الأقدار
(الشاهد: (حذر) فنصبت مفعولا به (أمورا ) لأنها وقعت خبرا لمبتدأ محذوف تقديره هو. فكلمة ( هزئا ) لها وقع نفسي..اذ جاءت امتدادا للبيت الثامن :
لاالنوح يجدي ولاالانغام ترجعه ولا البكاء على الأطلال من شيمي
فـالصبر عندي يبنيه التجلد بي والحزن يبــقى ويبقى فــي للعدم
أأنت مثلي يا ناي الهوى حزنا أم تطرب الحي في مزمارك الهرم
يشير البيت ( لا النوح ..) وهو ما يقصد به سياقات القصيدة الطللية
ومنها مثلا (معلقة امرىء القيس : قفا نبك من ذكرى ...)ليكمل دورته مع قافية المطلع وهو عفوي القصد ليحيل القارىء على أن وحدة البناء متناسقة يكمل بعضها بعضا بعضوية رائعة مثل الكائن الحي كما يراها العقاد .
هذه القصيدة أدخلت في كياني هزات شعورية متصاعدة لما فيها من مكابدة وعناء ( ومن حاجة المحزون أن يتذكرا ) كذلك ما تذكرنا ببيت المتنبي :
يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم
ويقول الشاعر عبدالعزيز مسترسلا :
يا ناي هدىء وسلني لا تنـــاوحني سلني عن النوح والألحـان والنغم
اذ جذوة الشوق في نفسي قداشتعلت منذ الزمان الذي شطت به قدمي
فنبرة النــوح تشجي بل تذكـــرني أحباب أمس مضوا في عتمة الظلم
في الأبيات المتقدمة نلاحظ ذلك التقابل اللفظي البديع الذي يخضع للمقارنة في التحدي والثبات والاعتداد بالنفس وهي من شيمة الرجال الذين يدركون أن لا شيء يغير الواقع فماذا يعني النكوص الى الوراء ؟
ماذا يعني التشاؤم والخذلان ؟ لكن الشاعر يهزأ بكل سوداوية تتقنع ولا يألو جهدا ليقول : ان هذا العمر الذي تقضى لم يهز مني عودا ولم يسقط مني ورقة ولم أنحن للريح فأنا جلد وتلك هي الارادة والثبات أمام أعاصير الحياة .
عباس الحساني
العراق /البصرة

سلو قلبي
18-03-2010, 00:17
كذلك ما تذكرنا ببيت المتنبي :
يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم
ويقول الشاعر عبدالعزيز مسترسلا :
يا ناي هدىء وسلني لا تنـــاوحني سلني عن النوح والألحـان والنغم
اذ جذوة الشوق في نفسي قداشتعلت منذ الزمان الذي شطت به قدمي
فنبرة النــوح تشجي بل تذكـــرني أحباب أمس مضوا في عتمة الظلم

لا فظ فوك استاذنا الكريم على هذا الطرح الممتع بارك الله فيك

شكرا لك ... والشكر موصول للاخ الاديب عبدالعزيز البابطين

مرآة
10-05-2010, 16:10
استاذ عباس الحساني
امسيك بالخير و اشكرك على الشرح الرائع لي عوده لانهل من منابعكم سيدي الكريم
طبت و طاب مسعاك