مشاهدة النسخة كاملة : خبر الفاسق واختبار طهارة القلب


سامي العمير
10-11-2008, 14:10
كتب د.محمد القضماني:


اختبار غريب وعجيب أليس كذلك؟!

إننا نعيش في أسر الماديات الغالبة التي لا مجال فيها للكلام عن الروح والقلب او ان حصل فهو ثقيل ثقيل.

ان تتكلم فيها عن اختبار (محرك) السيارة وغيرها كل حين، وضرورة تعاهدها ان اردنا سلامتها والانتفاع بها – يفهم الناس عنك ذلك، ويحترمونه ولا يفرطون فيه.

ان تتكلم عن اختبار كل مدة لجدوى اي مادة او عقار للتداوي يفهمونه عنك، ويقبلونه منك، ويعدون ذلك من العقل والفطنة والحكمة، والسياسة اللازمة.

ان تتكلم عن اختبار لأي شيء هنا وهناك يروج بين الناس بغية التقويم، والاعداد لحال افضل في المستقبل سيفرحون به.

ايها السادة، ترتبون وترحبون بكل اختبار يجري من حولكم ولا تتوقفون لاختبار تتوقف على الانتفاع به سعادة دنياكم واخراكم؟
نريد اختبارا لطهارة القلب.

نعم، نحن أحوج ما نكون لننعطف على انفسنا لنقيس مدى طهارة هذه القلوب التي لو فسدت وعميت لما اغنى عنا يوم القيامة صلاح مراكبنا واجهزتنا ودنيانا كلها.

بل في طهارة وصلاح قلوبنا صلاح الدنيا قبل الآخرة.

ولئلا تطول بنا هذه المقدمة المهمة بين يدي الموضوع نقول: هناك جملة من الشؤون يختبر بها الانسان نفسه وقلبه.

ومن أجلّ هذه الشؤون وأغلاها وأدقها ما يكون عندما يشيع خبر سيئ في اي وسيلة من وسائل الاعلام عن عالم او داعية او مسؤول ديني فإن سارع الانسان لبث ذلك السوء والتسليم به دون تحقق وتثبُّت وقع في المحذور الكبير الذي يدل على خبث في الطوية، ودنس يخشى عليه ان مات على نتنهما الندامة يوم القيامة.

كيف يسوغ لامرئ ان يتهم شخصا فاضلا دون بينة؟

هنا اختبار طهارة القلب.

فإنك واجد في الناس من اذا سمع شيئا مكروها بثه واستعلن به دون وازع من غيرة على عرض او نفس.

ولو طهرت النفس، وصفا القلب من الغل والسوء لنبا الفحش عن سمعه، ولنفر منه قلبه، ولقال لهذا الذي يتعشق نقل قالة السوء: ارعو ويحك واتق الله.

وان الله تعالى – كما يقول علماؤنا الاكابر - لا يسأل عبدا في الآخرة قط لم احسنت ظنك بعبادي؟ وانما يسأله عن سوء ظنه بهم، وقد سمى القرآن من اذاع القول دون تثبت فاسقا.

الدرس الذي لا ينسى: ما من متدبر لكتاب الله إلا سيتأثر عند وقوفه عند هذه الآية:

(يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين – الحجرات 6)
.

وإليك قصة هذه الكلمات باختصار، لتكون دائما منا على ذكر: ذكر الإمام البغوي في تفسيرها: نزلت في الوليد بن عقبة بن ابي معيط، بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقا – اي جامعا للصدقات – وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فحدثه الشيطان انهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق الى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقال: ان بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهمَّ ان يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي اليه ما قبلناه من حق الله عز وجل، فبدا له الرجوع، فخشينا انه انما رده من الطريق كتاب منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبعث خالد بن الوليد اليهم خفية في عسكر وأمره ان يخفي عليهم قدومه، وقال له: انظر فإن رأيت منهم ما يدل على ايمانهم فخذ منهم زكاة اموالهم، وان لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار.

ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم اذان صلاتي المغرب والعشاء.

فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم الا الطاعة والخير، فانصرف الى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأخبره الخبر، فأنزل الله تعالى الآية.

قال الامام ابن عجيبة في تفسيرها: وسمي الوليد فاسقا لعدم تثبته، فخرج بذلك عن كمال الطاعة، وفي تسميته بذلك زجر لغيره، وترغيب له في التوبة.

واضاف: وفي تنكير «فاسق» و«نبأ» شياع في الفساق والأنباء، اي: اذا جاءكم فاسق، اي فاسق كان، بأي خبر (فتبينوا) اي: فتوقفوا فيه، وتطلبوا بيان الامر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتبروا قول من لا يتحرى الصدق، ولا يتحامى الكذب، الذي هو نوع من الفسوق.

وهل انقضى هذا الامر والحكم بانقضاء الوليد ومن معه؟

قال الامام ابن عطية الاندلسي في تفسيرها: هي باقية فيمن اتصف بهذه الصفة غابر الدهر.

والفسق: الخروج عن نهج الحق، وهو مراتب متباينة، كلها مظنة للكذب وموضع تثبت وتبين.

عظة لكتاب الصحف وأهل القنوات الفضائية:

فأقول من باب التأكيد على الحرمات، خاصة اعراض الاكابر من اهل الفضل والعلم والدعوة في بلادنا ممن شغلوا مناصب شرعية رفيعة سنين، وولوا على تبليغ الشرائع للمؤمنين والمسلمين:

أيسوغ لمن له تعلق بالقرآن ومحبة للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ان يضرب بهذا الارشاد القرآني عرض الحائط، ويجري مع اخبار الفساق ويروجها هنا وهناك بحجة انها مادة صحافية، او اي عذر من الاعذار؟

ان كنا بحق نعتز بانتسابنا لهذا الدين فليكن امر الله على الرأس والعين، فوق كل اعتبار من الجواذب الارضية من هوى او حزب او اسرة او مصلحة او غير ذلك.

ولنعلم اننا قد نستطيع ان نقول او نكتب ما نشاء، ولكن انّى لنا ان ننجو ممن يعلم السر وأخفى وممن قال:
(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)؟

ايها الكاتب، ايها المذيع: ليكن قول من خلقك وأبدع فيك القدرة على الكلام والكتابة:



(ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا)
، ليكن هذا الكلام مهيجا لي على التثبت وأعراض الناس مصونة، وبخاصة العلماء، فلحومهم مسمومة، وعادة الله في منتقصيهم معلومة – كما قال الحافظ بن عساكر – رحمه الله.

الأمر جدُّ خطير، والكتابة الصحافية متعة عند كثيرين، لكن المسؤولية جليلة، فيا رب احفظنا!




جريدة الأنباء 2008/11/7