أبو مروان
08-06-2004, 17:29
من كتاب نسّاجُ الحكاياتِ، إدريس الكردي، النقشبندي ..
حتى مدينة الزبير التأريخية لم تسلم من خيالات النقشبندي ..
يقول :
كلما هاجر حكواتيّ أرض أجداده، تبعثرت حكاياته. هكذا بدات لي الصورةُ، أنا إدريس بن عبدالله الكردي النقشبندي، صانع التوابيت، المهاجر من أرض الجبال، إلى بصرياثا، بعد أن حلّ الدمار في أرض أجدادي، وأحفادي، الذين فروا صوب الجبال، وأكمات البلوط. فما كان لي إلاّ أن أقيسَ مسافةَ الإحتمالات، وإشارات الينابيع/ وأقرأ القادِمَ بنبوءة استنطاق العيون على وقع الخراب، ولم أعد أسمع إلاّ أصواتَ جُند، وحشرجات أطفال على أبواب الكهوف، وماعاد الناسُ بحاجة إلى توابيتي، فالموت أصبحَ مسيره جماعياً، والقبورُ حُفرٌ كبيرةٌ. عندما قال لي طالعي أنّ درس الكيمياء قد خرجَ من أرحام الكتب، والصفوفِ، ليستدِلَّ شَعْباً في التجربةِ. وسيأتي أوّل الأوكسيد، ثانية، وثالثة، ورابعة، مُثقلاً بالسُمّ، ممنحناً هواء الكردي في التجربة. أعطاني عسكري، مجنّدٌ في جيش السلطة، من عرب البادية، كان قد تاهَ في فلوات الكرد، أيام الحرب الجبلية، مع أتباع الملاّ، أعطاني حجاباً ممهوراً بالحنّاءِ، وريشَ طاووس تتوسطه عين الحسود، خُطّ على جنباتها: "محروسٌ بسبع الدجيل"، وأوصاني بأن أُعيدها إلى أمه.
نزلتُ البصرةَ باحثاً، عن الرزق، فألفيتُ مدينةً تقبعُ على كف عفريت، من ماء ونخيل، مدينة دهْناء، مدينة لكل الأبجديات، والأقوام، والأديان، مدينة حنونة على القديسين، والقوادين. مدينة للشعراء، والمتسولين، والمتصوفة. مدينة الحانات، والمواخير، والكنائس والجوامع. طرقتُ أبواب النجّارين في أسواق العشّار. سألوني عن مهنتي. أنا الكردي، صانع التوابيت، ونسّاج الحكايات، فيعرضون عني. نصحني السعّافون أن أطرُقَ باب الزبير. ارتويتُ بماء الزنجبيل، وابتعتُ من سوق الهنود في العشار، خشب جوز الهند، والبلوط، والتك، والساج القادم من بومباي. أولى خطواتي كانت عند حافة البصرة القديمة، باتجاه الزبير، فألفيتُ على أرضها حوافر خيلٍ، فتبعتها حتى الزقاق الثالث، فانبهرت عيناي على طابورٍ من الحناطير المزركشة، تجرّها خيولٌ، استأجرتُ واحداً، سالكاً درب المِربَد، حيث يرقد الحسَنُ بن يسار البصري. في الطريق، وبعد طيب حديثٍ، سألتُ الحوذي: قُلْ لي بالله عليكَ، من أين لكُم طيب هذه الخِصال؟ فالغريب هنا قبل أهل الدار. فأجابني: نحنُ أكثر الناس عاجاً، وساجاً، وديباجاً، وبرذوناً هملاجاً، وخريدة مغناجاً. بيوتنا الذهب، ونهرنا العجب، أولهُ الُّرطَبُ، وأويطه العنبُ، وآخره القصبُ.
في الزبير، طفتُ أسأل عن موقع محلة الأزد، التي جاء ذكرها في خزائن البصرة، الواقعة في الشمال الغربي من المدينة، مستفسراً عن موقع أحد المتأخرين من سلالة المهالبة، الأمير الشاعر الحسن بن مخزون، الذي جاء الزبير من سنجار في القرن الثالث عشر. فدلني عليه أحدُ السُقاة البحرانيين، من مريدي الغفاري، وعرفت فيما بعد أنّ للأزد أتباعٌ من الأكراد في "الدَّيْنَوَر"، وفي المحلة هذه التي توفي فيها إبن الصوّاف المالكي، من متأخري سلالة الحسن بن يسار البصري، شممتُ عِطرَ الكردِ، ومن دهشتي ضاق عليَّ نطاق النطق. في الزبير، عند "خُمسْ بني الأزد" فاضت رهفة الإيقاع والنغم في أذن الخليل بن أحمد بالتفاته إلى النحّاسين، من أتباع هذه الملة، فاستنتج أصول العروض. "الكرد هم الريح، من هناك، إلى هناك"، كما يقول سليم بركات مدون حكايا هذه الملّة.
في أسواق الزبير، طفتُ أبحثُ عن موقع لصنعتي، فدلفت إلى سوق الإبل، ومنها إلى سوق العلاّفين، ثم إلى الدبّاغين، والقصّابين، والتبوذكية، وسوق التمّارين، والبزّازين، فما استقر مقامي إلاّ في سوق الشعّارين، والوراقين. فكتبتُ على رق دليلَ مهنتي: "الموتُ كأسٌ، وكل الناس شاربوها، والقبرُ بابٌ، وكل الناس داخلوها". أنا إدريس الكردي، سليل الحكّائيين النقشبنديين في جبال طوروس. دونت حكايات موتاي، الذين مروا عليّ. فسماني أهل الزبير بـ "جامع الحكايات" والفضوليون بـ إبن الكردي سارد الحكايات. لم يكن يحلو لي إلا صحبة القوّالين، الذين أتوا من الجهات، فتنابذتُ واياهم بلاذع الكلام في صحون المساجد، وفسحات الساحات، وكذا المترددين على الحمّامات، ودونت النكات البارعة، التي تُبتكر في أندية اللهو والطرب، على ألسنة المغنيين، والحجامين، وكذا حماسة النقد اللاذع في الأمثال التي يرسلها مدبرو الفتن، أو يبشر بها الزهاد المتفانون في زهدهم، في المقابر والشوارع، تحت ضربات العسس. في كل هذا وأنا أبحثُ عن أم الجندي، لأسلمها أمانة ابنها، فلم يُدلني أحد.
على هدي لهيب الآبار، وبصحبة ناقة صبور، أسريتُ حاملاً أمانة الجندي، نحو بادية السماوة، على أطراف الكوفة، أقتفي أثر بعر النوق، خِفافها المطبوعة على الرمال، حيث هي خيط الدليل. نزلت الكوفة، أنا إبن سهل شهرزور. أشار لي العابرون: هنا مدنٌ التفتت، فتحولت إلى ملح، إلى كلام، كلامٌ مطبوعٌ على الشفاه، مرسومٌ بعلامات العيون، هنا مدن المجون والهمس... الرملُ يسطرُ والريحُ تمحو، وأنا أصغي إلى همس الحكّائين الأعراب، همسٌ شاردٌ كحكمة الينابيع التي يستدلونها بشرود الكواكب، تلك الكواكب التي تكشف غلالاتها قرائن مدن النُفلْ التي تقوم على جُلهمة وادي السماوة. السماوةُ، ماء السماء، على عمود الفرات، شط العطشان، نيازك من كُرد هوت بالآلاف، كوموهم أحياء، ففاضت فضة الروح، وهمدت على برونز الرمال. في بحثي عن أم الجندي، أمي، لم أهتدِ اليها. وما دلني أحد. فأعطيتُ الأمانة لتيمور الكردي، الناجي الأزرق من كومة القتلى الكرد. شريدا، وهارباً، أخذ مني التميمة، وعين الحسد، وريش الطاووس. وغادرني عجولاً.
صاحب الصورة هو / وليد هرمز كاتب عراقي مقيم في السويد .. وهو من أورد تلك الكلمات من كتاب "خطط البصرة وبغداد"
للعلامة ماسينيون.
http://www.tirej.net/welid.hermiz4.jpg
----------------
وقفة قصيرة مع المؤرخ المستشرق لوي ماسينون ..
- الى حد بعيد يهتم ماسينون في تفاصيل تلقي الاسلام وروحانيته في الفكر الغربي .. طبعا الرجل نصراني وأظنه أنه فرنسي الأصل ..
- يهتم أيضا بدراسة تصوف الحلاج ( وهو تخصصه) وهيمنت محاولته الدراسية على مجمل الدراسات اللاحقة لشخصية الحلاج .
- ماسينون هو من قال أن الحلاج هو صاحب مذهب وحدة الوجود منتهيا الى ان المذهب ظهر بعد الحلاج بوقت طويل حتى قال عن الحلاج انه نصراني من الداخل !!!!
- يقول إدوارد سعيد : ان سبب دراسة ماسينيون للحلاج تأثيره التمزيقي ضمن المعتقدات السنية ولقربة من مزاجه الشخصي ككاثوليكي ورع ..
----------
حتى مدينة الزبير التأريخية لم تسلم من خيالات النقشبندي ..
يقول :
كلما هاجر حكواتيّ أرض أجداده، تبعثرت حكاياته. هكذا بدات لي الصورةُ، أنا إدريس بن عبدالله الكردي النقشبندي، صانع التوابيت، المهاجر من أرض الجبال، إلى بصرياثا، بعد أن حلّ الدمار في أرض أجدادي، وأحفادي، الذين فروا صوب الجبال، وأكمات البلوط. فما كان لي إلاّ أن أقيسَ مسافةَ الإحتمالات، وإشارات الينابيع/ وأقرأ القادِمَ بنبوءة استنطاق العيون على وقع الخراب، ولم أعد أسمع إلاّ أصواتَ جُند، وحشرجات أطفال على أبواب الكهوف، وماعاد الناسُ بحاجة إلى توابيتي، فالموت أصبحَ مسيره جماعياً، والقبورُ حُفرٌ كبيرةٌ. عندما قال لي طالعي أنّ درس الكيمياء قد خرجَ من أرحام الكتب، والصفوفِ، ليستدِلَّ شَعْباً في التجربةِ. وسيأتي أوّل الأوكسيد، ثانية، وثالثة، ورابعة، مُثقلاً بالسُمّ، ممنحناً هواء الكردي في التجربة. أعطاني عسكري، مجنّدٌ في جيش السلطة، من عرب البادية، كان قد تاهَ في فلوات الكرد، أيام الحرب الجبلية، مع أتباع الملاّ، أعطاني حجاباً ممهوراً بالحنّاءِ، وريشَ طاووس تتوسطه عين الحسود، خُطّ على جنباتها: "محروسٌ بسبع الدجيل"، وأوصاني بأن أُعيدها إلى أمه.
نزلتُ البصرةَ باحثاً، عن الرزق، فألفيتُ مدينةً تقبعُ على كف عفريت، من ماء ونخيل، مدينة دهْناء، مدينة لكل الأبجديات، والأقوام، والأديان، مدينة حنونة على القديسين، والقوادين. مدينة للشعراء، والمتسولين، والمتصوفة. مدينة الحانات، والمواخير، والكنائس والجوامع. طرقتُ أبواب النجّارين في أسواق العشّار. سألوني عن مهنتي. أنا الكردي، صانع التوابيت، ونسّاج الحكايات، فيعرضون عني. نصحني السعّافون أن أطرُقَ باب الزبير. ارتويتُ بماء الزنجبيل، وابتعتُ من سوق الهنود في العشار، خشب جوز الهند، والبلوط، والتك، والساج القادم من بومباي. أولى خطواتي كانت عند حافة البصرة القديمة، باتجاه الزبير، فألفيتُ على أرضها حوافر خيلٍ، فتبعتها حتى الزقاق الثالث، فانبهرت عيناي على طابورٍ من الحناطير المزركشة، تجرّها خيولٌ، استأجرتُ واحداً، سالكاً درب المِربَد، حيث يرقد الحسَنُ بن يسار البصري. في الطريق، وبعد طيب حديثٍ، سألتُ الحوذي: قُلْ لي بالله عليكَ، من أين لكُم طيب هذه الخِصال؟ فالغريب هنا قبل أهل الدار. فأجابني: نحنُ أكثر الناس عاجاً، وساجاً، وديباجاً، وبرذوناً هملاجاً، وخريدة مغناجاً. بيوتنا الذهب، ونهرنا العجب، أولهُ الُّرطَبُ، وأويطه العنبُ، وآخره القصبُ.
في الزبير، طفتُ أسأل عن موقع محلة الأزد، التي جاء ذكرها في خزائن البصرة، الواقعة في الشمال الغربي من المدينة، مستفسراً عن موقع أحد المتأخرين من سلالة المهالبة، الأمير الشاعر الحسن بن مخزون، الذي جاء الزبير من سنجار في القرن الثالث عشر. فدلني عليه أحدُ السُقاة البحرانيين، من مريدي الغفاري، وعرفت فيما بعد أنّ للأزد أتباعٌ من الأكراد في "الدَّيْنَوَر"، وفي المحلة هذه التي توفي فيها إبن الصوّاف المالكي، من متأخري سلالة الحسن بن يسار البصري، شممتُ عِطرَ الكردِ، ومن دهشتي ضاق عليَّ نطاق النطق. في الزبير، عند "خُمسْ بني الأزد" فاضت رهفة الإيقاع والنغم في أذن الخليل بن أحمد بالتفاته إلى النحّاسين، من أتباع هذه الملة، فاستنتج أصول العروض. "الكرد هم الريح، من هناك، إلى هناك"، كما يقول سليم بركات مدون حكايا هذه الملّة.
في أسواق الزبير، طفتُ أبحثُ عن موقع لصنعتي، فدلفت إلى سوق الإبل، ومنها إلى سوق العلاّفين، ثم إلى الدبّاغين، والقصّابين، والتبوذكية، وسوق التمّارين، والبزّازين، فما استقر مقامي إلاّ في سوق الشعّارين، والوراقين. فكتبتُ على رق دليلَ مهنتي: "الموتُ كأسٌ، وكل الناس شاربوها، والقبرُ بابٌ، وكل الناس داخلوها". أنا إدريس الكردي، سليل الحكّائيين النقشبنديين في جبال طوروس. دونت حكايات موتاي، الذين مروا عليّ. فسماني أهل الزبير بـ "جامع الحكايات" والفضوليون بـ إبن الكردي سارد الحكايات. لم يكن يحلو لي إلا صحبة القوّالين، الذين أتوا من الجهات، فتنابذتُ واياهم بلاذع الكلام في صحون المساجد، وفسحات الساحات، وكذا المترددين على الحمّامات، ودونت النكات البارعة، التي تُبتكر في أندية اللهو والطرب، على ألسنة المغنيين، والحجامين، وكذا حماسة النقد اللاذع في الأمثال التي يرسلها مدبرو الفتن، أو يبشر بها الزهاد المتفانون في زهدهم، في المقابر والشوارع، تحت ضربات العسس. في كل هذا وأنا أبحثُ عن أم الجندي، لأسلمها أمانة ابنها، فلم يُدلني أحد.
على هدي لهيب الآبار، وبصحبة ناقة صبور، أسريتُ حاملاً أمانة الجندي، نحو بادية السماوة، على أطراف الكوفة، أقتفي أثر بعر النوق، خِفافها المطبوعة على الرمال، حيث هي خيط الدليل. نزلت الكوفة، أنا إبن سهل شهرزور. أشار لي العابرون: هنا مدنٌ التفتت، فتحولت إلى ملح، إلى كلام، كلامٌ مطبوعٌ على الشفاه، مرسومٌ بعلامات العيون، هنا مدن المجون والهمس... الرملُ يسطرُ والريحُ تمحو، وأنا أصغي إلى همس الحكّائين الأعراب، همسٌ شاردٌ كحكمة الينابيع التي يستدلونها بشرود الكواكب، تلك الكواكب التي تكشف غلالاتها قرائن مدن النُفلْ التي تقوم على جُلهمة وادي السماوة. السماوةُ، ماء السماء، على عمود الفرات، شط العطشان، نيازك من كُرد هوت بالآلاف، كوموهم أحياء، ففاضت فضة الروح، وهمدت على برونز الرمال. في بحثي عن أم الجندي، أمي، لم أهتدِ اليها. وما دلني أحد. فأعطيتُ الأمانة لتيمور الكردي، الناجي الأزرق من كومة القتلى الكرد. شريدا، وهارباً، أخذ مني التميمة، وعين الحسد، وريش الطاووس. وغادرني عجولاً.
صاحب الصورة هو / وليد هرمز كاتب عراقي مقيم في السويد .. وهو من أورد تلك الكلمات من كتاب "خطط البصرة وبغداد"
للعلامة ماسينيون.
http://www.tirej.net/welid.hermiz4.jpg
----------------
وقفة قصيرة مع المؤرخ المستشرق لوي ماسينون ..
- الى حد بعيد يهتم ماسينون في تفاصيل تلقي الاسلام وروحانيته في الفكر الغربي .. طبعا الرجل نصراني وأظنه أنه فرنسي الأصل ..
- يهتم أيضا بدراسة تصوف الحلاج ( وهو تخصصه) وهيمنت محاولته الدراسية على مجمل الدراسات اللاحقة لشخصية الحلاج .
- ماسينون هو من قال أن الحلاج هو صاحب مذهب وحدة الوجود منتهيا الى ان المذهب ظهر بعد الحلاج بوقت طويل حتى قال عن الحلاج انه نصراني من الداخل !!!!
- يقول إدوارد سعيد : ان سبب دراسة ماسينيون للحلاج تأثيره التمزيقي ضمن المعتقدات السنية ولقربة من مزاجه الشخصي ككاثوليكي ورع ..
----------