القلم
08-04-2004, 11:59
كان اندفاعي وراء موسيقى الكلمات وترتيباتها وكيف أنها ما تدون حتى تؤسس أبعاد المعلوم وتتجاسر فتبحر نحو المجهول. كيف تصير شاهدات على جهد الإنسان فوق الأرض. كيف تطيل الأبد زيارته القصيرة على هذا الكوكب وترجع أصداء صوته حتى وأن مضت على ذهاب الحقب الطوال. واعتدت على رثاء الفترات والأماكن التي ذهب فيها الصوت البشري مع الريح ، من غير أن يمسك كتابه وبلا تمجيد له في الذاكرة وحيث لا يعلن الإنسان ثباته الشبيه بالكوكب بل عبوره الشبيه بالشهاب، وقلت أنني لست بالاقتدار الكافي لتدوين الصوت، ولكن حين أعود إلى ما كتبت أجدني فعلت ما لم يفعله أي عربي اليوم حين أنزلت نفسي منزلة أرى فيها حجمها الصغير و بهتانها وغيظها المنحط وجشعها اللاهث. عرفت أني مبشر هائل بالوعي العربي العظيم المنتظر ولادته، الوعي الذي يجعل العربي يقول صادقا إني ضئيل القابليات، إني كاذب في مشاعري، إني جبنت عن المواجهة، إني دعي في معارفي، إني فقير في المشاركة الوجدانية، إني بخيل بل لئيم، إني حسود، أنا أكره أن يعلو علي أحد في الشعر أو النقد أو الأداء الموسيقي أو الغناء أو الرسم أو الركض أو السباحة أو جودة الإلقاء أو حسن المعاشرة أو روعة النكتة أو سرعة البديهة أو القدرة على الحب أو التحليل الاقتصادي أو مواجهة المواقف أو أن فلانا لأحق مني بالمنصب.
هل أكون أنا المسكين فاتحا كبيرا لمستقبل العربي المنشود الذي فيه إنقاذنا ؟ فالتحرير العربي الضخم يبدأ من قول عربي واحد حين يختار لوزارة ما (أنا لا أصلح وزيرا). ومن قول عربي واحد فقط ( أنا لا أصلح قاضيا لأني أصدر أحكامي عن هوى)؟
المشكلة في الانحطاط العربي الحالي أن العربي يمجد نفسه بوصفه نقيا بريئا كريما شجاعا قديرا ذكيا على مجرى الفخر القديم الذي ربما كان نافعا يوما ما ولكنه مصيبة كبرى في أيامنا هذه. لقد جربنا الانبعاج و التضخم والكبرياء فما أدت بنا إلى نحو الهلاك، وقد آن الأوان في اعتقادي كي نجرب الظهور بالحجم الحقيقي .
هناك كاتب عربي، وهو ليس استثناء بل يمثل الأدباء العرب أفضل تمثيل، يصرخ بتعاطفه مع فقراء العالم وهو عاجز عن التعاطف والحنان والمشاركة بأي شكل وأي لون وأية درجة. يسيل القيح من قلبه سلامة وصفاء وحسن نوايا، وعقله الذي يشكو من سوء التغذية الفكرية هو في رأيه عين العقل، وكرامته في اعتقادي لا تهزها الشدائد ولا المغريات ولكن المكانة المرموقة والمنصب المريح هما عشقه الأول والأخير ، وهناك أديب عربي آخر يضع اللوم على العرب كلهم مخرجا نفسه منهم بوصفه العين التي تراهم من أعلى وترى فيما ترى وجوههم الذليلة وأعناقهم الخانعة ولم يقل مرة واحدة أنني مقصر بل انتم المقصرون ولم يقل أنني أسعى وراء اللذة اصطادها في مكانها الخفية بل انتم الساعون وراء اللذة ، أو أنني كسول بل انتم الكسالى.
قرأت مذكرات ذوي الشأن من وزراء ومسؤولين وكتاب وشعراء عرب فما وجدت ؟
ليس في أي منها اعتراف بالتقصير بل كلها تسويغات ودفاع عن المواقف النبيلة الخالية من الغرض، كلها تنبئنا عن الكيفية البارعة التي عالج فيها صاحب المذكرات الموقف الحرج وسيطر فيها على الأزمة وقدم بشأنها الاقتراح الذي لو جرى تبنيه لما ساء الوضع ذلك السوء، كلهم حسنو التكهن جيدو الحكم على الأشياء، متعمقون في الفهم ، مدركون لما حدث إدراكا صحيحا سليما.
قراءة من كتاب ( ذكريات عمر أكلته الحروف )
لكتابه / نجيب المانع
هل أكون أنا المسكين فاتحا كبيرا لمستقبل العربي المنشود الذي فيه إنقاذنا ؟ فالتحرير العربي الضخم يبدأ من قول عربي واحد حين يختار لوزارة ما (أنا لا أصلح وزيرا). ومن قول عربي واحد فقط ( أنا لا أصلح قاضيا لأني أصدر أحكامي عن هوى)؟
المشكلة في الانحطاط العربي الحالي أن العربي يمجد نفسه بوصفه نقيا بريئا كريما شجاعا قديرا ذكيا على مجرى الفخر القديم الذي ربما كان نافعا يوما ما ولكنه مصيبة كبرى في أيامنا هذه. لقد جربنا الانبعاج و التضخم والكبرياء فما أدت بنا إلى نحو الهلاك، وقد آن الأوان في اعتقادي كي نجرب الظهور بالحجم الحقيقي .
هناك كاتب عربي، وهو ليس استثناء بل يمثل الأدباء العرب أفضل تمثيل، يصرخ بتعاطفه مع فقراء العالم وهو عاجز عن التعاطف والحنان والمشاركة بأي شكل وأي لون وأية درجة. يسيل القيح من قلبه سلامة وصفاء وحسن نوايا، وعقله الذي يشكو من سوء التغذية الفكرية هو في رأيه عين العقل، وكرامته في اعتقادي لا تهزها الشدائد ولا المغريات ولكن المكانة المرموقة والمنصب المريح هما عشقه الأول والأخير ، وهناك أديب عربي آخر يضع اللوم على العرب كلهم مخرجا نفسه منهم بوصفه العين التي تراهم من أعلى وترى فيما ترى وجوههم الذليلة وأعناقهم الخانعة ولم يقل مرة واحدة أنني مقصر بل انتم المقصرون ولم يقل أنني أسعى وراء اللذة اصطادها في مكانها الخفية بل انتم الساعون وراء اللذة ، أو أنني كسول بل انتم الكسالى.
قرأت مذكرات ذوي الشأن من وزراء ومسؤولين وكتاب وشعراء عرب فما وجدت ؟
ليس في أي منها اعتراف بالتقصير بل كلها تسويغات ودفاع عن المواقف النبيلة الخالية من الغرض، كلها تنبئنا عن الكيفية البارعة التي عالج فيها صاحب المذكرات الموقف الحرج وسيطر فيها على الأزمة وقدم بشأنها الاقتراح الذي لو جرى تبنيه لما ساء الوضع ذلك السوء، كلهم حسنو التكهن جيدو الحكم على الأشياء، متعمقون في الفهم ، مدركون لما حدث إدراكا صحيحا سليما.
قراءة من كتاب ( ذكريات عمر أكلته الحروف )
لكتابه / نجيب المانع