مشاهدة النسخة كاملة : بين الواقع والأسطورة ( 2 ) سالم البذرة نموذجآ ( مميز )
عبداللطيف
05-04-2004, 10:44
السلام عليكم
بين الواقع والأسطورة ( 2 ) سالم البذرة نموذجآ
أحاول في هذه السلسلة التي هذه حلقتها الثانية أن أقدم محاولة
للتعامل مع بعض الموروث ( الشعبي ) الزبيري بطريقة لاتعنى
بتفاصيل الحكايات بقدر ما هي تتلمس إرتباط المخيلة الشعبية الزبيرية مع
غيرها في مواقع أخرى على أمّنا الأرض ، هادفآ إلى قراءة هذه
الحكايات ( التي هي هنا عن شخصيات تسكن تلك المخيلة )
بطريقة تخرج عن طوق الخصوصية الأنغلاقية وربطها – كما قلت – بما بات
مألوفآ لدى أقوام آخرين .. أي تلمس أو بالأحرى إضاءة جوانب
تختفي خلف ظاهر الحكاية أو تختبئ خلف ملامح ( الشخصية تلك )
التي أظهرها المجتمع فكانت هي السائدة والمهيمنة على الحالة .
أذكركم بأنني حين تناولت النموذج الأول ( سالم الحميّد ) ركّزت على
أنّه نتاج طبيعي في المجتمع لحاجته إلى شخصيات يسقط عليها
بعض همومه وقضاياه التي قد لايستطيع معالجتها إلاّ بإعادة رسم
ملامح لشخصيات حقيقية بحيث تستحيل إلى شئٍ أشبه بالأسطورة .
وأختيار المجتمع لتلك الشخصيات لم يكن إعتباطيآ ،
إنما كان مدفوعآ بإصرار نحو إنتخابها لهذه المهمة بسبب من توفر
الشروط الحيوية المطلوبة لتحقق المستهدف .
في هذه الحلقة أعرض إلى حكاية شخصية ( شعبية ) زبيرية أخرى هي :
( سالم البذرة )
http://www5.0zz0.com/thumbs/2010/05/28/18/349159034.jpg
[ من الملفت للنظر أنّ الشخصية السابقة تحمل إسم ( سالم ) والثانية أيضآ ،
علمآ أنّ ( سالم ) من الأسماء غير واسعة الإنتشار في الزبير ... ]
سالم البذرة مثل سالم الحميد شخصية حقيقية ( واقعية ) عا ش في
الفترة ما بعد الحرب العالمية الأولى ، ومات مقتولآ فيما بعد الحرب
العالمية الثانية أتوقع مولده في : ( 1926م) ووفاته ( 1957م ) ..
الملامح التي ألبسها المجتمع لهذه الشخصية مؤسطرآ إيّها تدور
على محورٍ واحد ٍ :
( الفتوة ) !!
عندما يختل الأمن في المجتمعات ، وتصبح لاهيبة للسلطة يضطر المجتمع إلى القيام على
أمنه الخاص بوسائله الخاصة ..
ومما شاع في البلاد الإسلامية بعد التحولات بإتجاه الضعف والتفتت
في جسد الخلافة العباسية وماتبع ذلك من تشرذم أطراف الأمة وانكفائها
على ذاتها ضمن مسلسل متنامي الحلقات تبدأ بالتشرذم داخل القرية
صعودآ إلى المدينة فالبلاد بمفهومها التاريخي ،
مما أوجد ظاهرة ( الشطار والعيارين ) بمعنى ( الفتوات ) أو ما يدعوه
أهل الشام ب ( القباضايات ) أو بالتركية ( الشقاوجية )
وعند أهل مصر ( الفتوة / المعلم ) .
هذه الظاهرة برأيي تشكل حلاّ لمعالجة خلل في جدار الأمن في المجتمع ،
وذلك ما يأصل نشأتها وأساس دواعيها .
فهي قد تنحرف في مسيرتها عبر الأجيال فتصبح من الأمور التي
تقلق الأمن وتضيّع هيبته المتبقية ، أو الناشئة مع تطور المجتمعات .
فكان من أهم الأدوار المناطة ب ( الفتوة ) هو الدفاع عن منطقته
( مجتمعه) في أحوال خاصة خصوصآ إذا تعرض المجتمع إلى إعتداء
من قبل عصابات لصوص ،أو من قبل المتعدين على بعض قيمه أو رموزه المختلفة .
وقد يكون هذا المعتدي أو المتجاوز من نفس الناس ( المجتمع )
أو من خارجه ..
في الحالين يلجأ المجتمع ممثلآ بنخبه الإقتصادية ، على وجه الخصوص ،
فهم أكثر الناس تضررآ من الفوضى ، وأقدر الناس على المساهمة المالية ،
يلجأ المجتمع إلى إبراز أشخاص ينتقيهم حسب مواصفات موضوعية
وإستعداد ذاتي من قبل المنتقى ، ليؤدوا دور الفتوة التي يحتاجها
المجتمع في درء بعض الأخطار الناشئة عن غياب سلطة رادعة حقيقية .
( البقية تأتي بإذن الله قريبآ)
ألى أخينا الفاضل
أبو محمد حفظه الله
شوقنا يزداد دوما بقديمك فما بالك مع جديدك القديم الذي ينثر لئالئ من محاراتها و تلتف حول عنق السندريلا ليتلذذ بمنظرها السندباد العائد من مغاماراته وكم هو يحمل شوقا لحبيته.
أدري معاجمك ملأى بكلمات المديح و الأطراء من الجميع فلك مني هذا الأطراء عساه غير موجود فيها:
"أنت حنين الطين كله"
أخوك/ طلحه
عبداللطيف
05-04-2004, 18:06
السلام عليكم
أخي أبا فيصل ،
كما ترى هي مقدمة أحاول أن أستجمع قواي بعدها لولوج عالم
( سالم البذرة ) من منظور إجتماعي تحليلي ، وليس كما إعتدنا أن
نتحدث عنه ( نسولف ) في مجالسنا وأسمارنا أحيانآ .
في نفس الوقت هي فسحه أمنحها لمن لديه ما يفيدني به حول الرجل
من الحكايات أو القصص التي هو شخصية مهمة فيها ، ثم يرسلها إلي
عن طريق البريد الخاص في المرآة ، فأنا أحتاج إلى مثل هذه المعلومات .
عبداللطيف ..
هذا ما نحتاجه وهذا ما نبحث عنه هنا ..
في مرآة الزبير ، وهو كتابة ذلك التراث المنسي
والذي بدأت حروفه تتآكل من بين الصدور ..
لا أملك أي إضافة أو تعليق ( smil72 )
غير أني أقول لك أحسنت ، ولقد أتحفتنا ..
عبداللطيف
12-04-2004, 10:59
السلام عليكم
اخي ابا خالد اشكر تشجيعك وإطرائك ..
أتمنى أن أعود - فعلآ - قريبآ لأكمل الصورة التي أريد تقديمها هنا عن
الموضوع .. كنت أرجو أن يصلني بعض الحكايات النادرة لعلها تعينني
على تقديم دراسة أقرب للعلمية ، مما أنا بصدده .
ولد الديره
12-04-2004, 15:17
السلام عليكم
اخي عبداللطيف موضوع في غاية الروعة
بس يا خوي تراني نطرتك ونطرتك والجماعة عندي تنطر التكملة بس جنك طولت علينه الله يهديك
موضوع جميل جداً يسلط الضوء على علم من اعلام الزبير الكرام .. عموما الوالد يسلم عليك ويطلب منك التكملة للموضوع ، لا تزعله علينه الله يخليك
وشكرا
عبداللطيف
12-04-2004, 18:00
السلام عليكم
عزيزي ولد الديرة ، وأنا أحاول الكتابة عن شخصية شعبية مثل
سالم البذرة رحمه الله ، وأنا أول من حاول فهذا يعني أني كمن
يمشي على حد السيف .. يجب أن أتحرّى الدقة والأمانة والحرص
على الهدف من المقال ، لأنني كما بينت لكم لاأنوي ولاأريد كتابة
سوالف لمجرد السوالف ، ولكني أريد تحليل تلك السوالف والخروج
منها بتفسير علمي إجتماعي للظاهرة التي إسمها سالم البذرة ..
أخي سلم لي على الوالد الكريم وقل له أخوك عبداللطيف محتاج
بعض السوالف يضيفها للي عنده حتى تكون الصورة أوضح ، فإذا
كان يعرف بعض السوالف عن سالم أرجو أن لايبخل علي بها جزاه الله خيرآ ،
لذا أرجو منحي الفرصة التي أحتاجها وأنا إن شاء الله سأعود لكم
قريبآ ...
عبداللطيف
11-06-2004, 10:09
السلام عليكم
أعود ولو متأخرآ ، فأرجو المعذرة ممن كان يتوقع عودتي سريعآ .
إكمالآ لحديث التنظير للفتوة ، فأضيف إلى أن ظاهرة الفتوات أو الشطار
ظهرت في الدولة العباسية وهي في أوج مجدها ، حتى أن المدافعين
عن بغداد أمام جيش ( طاهر بن الحسين ) قائد المأمون في سعيه لخلع
الأمين ، أولئك كانوا من هذه الجماعات ..
قد يقول قائل صحيح أن الدولة العباسية ضعفت ، لكن بعد حقبة مهمة
جاءت دولة بني عثمان وهي من القوة والتمكن ما جعلها القوة العظمى
الوحيدة في العالم آنذاك ، وهذا معناه أن السيطرة الأمنية كانت قوية ،
وأن ظاهرة الشطار قد يخفت أوارها ..
أقول ليس هذا هو الواقع لأننا شهدنا أيام قوة الدولة العباسية حضورآ
قويآ جدآ للفتوات !!
وسلطة مثل العثمانية ذات النفوذ الممتد من أدنى الأرض إلى أقصاها قد
لايمكن من السيطرة الكافية على الأمن بين المدن المتناثرة والقرى المبعثرة ،
والمجتمعات المتعددة المختلفة .
ولكن يبقى أن الظاهرة ( الفتوة ) وراءها سبب رئيس هو خلل في جدار
الأمن ، تعضده أسباب أخرى ، قد يكون منها الأزدهار الأقتصادي الذي
يقود إلى حدوث فروقات بين الدخل ، أو الضعف العام لإقتصاد الدولة ،
مما يساعد بشكل متوقع على نمو ظواهر من عدم الراحة في المجتمعات .
نعود إلى ( سالم البذرة رحمه الله ) ، فأحاول بعد هذا البسط التاريخي وربما الأجتماعي للظاهرة الذي يحلو لي نسبته إليها كأحد ( الفتوات )
أحاول أن أستكشف جوانب تهمنا هنا في شخصيته .
أنطلق من سؤال ، قد يشاركني فيه بعض من الذين عايشوا الظاهر هذه
أو الذين سمعوا عنها مثلي تدور مرارآ على أفواه السامرين في المجتمع
الزبيري ..
السؤال هو لماذا نشعر بالتعاطف بل بشئ من الإعجاب بهذه
الشخصية ، التي في حقيقتها لم تكن أكثر من رجل في أوج حيويته ميّال
لنوع من العنف سواء مع أناس في مجتمعه أو من خارج هذا المجتمع الصغير!؟
وقد كانت كل القصص التي تدور حول ( سالم البذرة رحمه الله ) تنصب في
إتجاه واحد وهو قدرته العجيبة على إيقاع الأذى في خصمه حدّ التدمير
النفسي ، والوجع الجسدي المدمي أحيانآ ، بعنف ومهارة قد لاتتناسب
مع مظهره الجسماني ، فهو رجل حسب ما وصف ليس بالضخم أو قوي البنية ،
لكن المؤكد أنّه جرئ جدآ وحديد القلب وفنان في مباغتة الخصم ، ويجيد
ضربه بقوة تصل إلى حدٍّ كبير من القسوة .
يضاف إلى ذلك فإنّ عراكاته هذه أغلبها يدور في أماكن قد لانحمل لها
ودآ أو إحترامآ ، ومع أناس في ( الأغلب ) من غير نخبة المجتمع إن لم يكونوا
فتوات أخرى أو من متواضعي العامة .
مع هذا يبقى سالم البذرة محل إعجابنا ، وهذا هو مادفعني للتعامل مع
شخصيته في هذا المقال ( نموذجآ للفتوة في الزبير ) ..
إذن ما مصدر هذا الإعجاب أو ما هي الأسباب الظاهرة أو الخفية خلف تشكل
هذه العاطفة عندنا تجاهه ؟؟
يتضح لي بجلاء أن هناك عوامل نفسية / إجتماعية ، وعوامل عاطفية/ ثقافية !!
أمّا النفسية الأجتماعية فهي أنّه :
رجل زبيري مشهور بغيرته على أهل الزبير وسعيه للمدافعة عن خصوصيتهم
بجهده البسيط أمام تيارات تتخطف هذا المجتمع بسبب من غربته وسط المجتمع
المجاور من البصراويين أو أهل جنوب العراق تحديدآ ، ممن بدأوا يغزون
الزبير ويستوطنونها بدأ من أطرافها ( حتى أنهم اليوم صاروا أهلها ، ونحن
الغرباء ، وهي من السنن في الأرض أي التحولات والتبدلات ) ،
ومن أجل أن يكون (سالمٌ) مقنعآ كقوة ترهب مثل هؤلاء ، فلابد له من الإعلان عن نفسه كواحد من الأشقياء ( الفتوات ) ، من خلال أحداث في المحيط الزبيري
أو البصراوي الأقرب للزبير ، وفي أماكن توفر أضرابه ممن يراد له التغلب
على أكثرهم حتى يسلم له بالمكانة .
وهي بالضرورة قد تكون ( حالة سالم ) قد وجدت تشجيعآ سريّآ أو خفيآ
من قبل بعض الزبيريين لأيمانهم بضرورة مثل هذا الرجل معهم .
أو تشجيعآ ذا طابع لاشعوري بسبب من طبيعة الصراع المتوقع أو الحاصل بين الأفرادأو الجماعات والذي يتخذ أشكالآ غالبها لايظهره صراعآ كبيرآ لكنْ
صراع حتمي قد يتهدد ( البقاء ) مع مرور الزمن ..
وتشجيع مثل سالم ماهو إلاّ مرحلة وجد بعضهم أنّها يتم التعامل معها بمثل
هذا التوجه كأحد الحلول المرحلية ..
أمّا العاطفية / الثقافية ،
بسبب من تعاطف من يروون الحكايات حوله ، وإعجابهم الذي
يتراوح بين إعجاب شديد أو إعجاب متعقل ، تشكلت صورة في مخيلة
بعضنا وخصوصآ من الشبان والأحداث ، مثيرة وجميلة أحيانآ رغم ما يشوبها
من أحداث عنيفة ..
فالدور الذي قام به الرواة كبير في رسم الصورة المعجبة ، نتيجة لإمتلائهم
هم أنفسهم أعجابآ به جعلهم يقدمونه بهذا الشكل لنا ( شبه البطولي بلغة السينما )
فهم يصوغون الحدث بمهارة وجاذبية ويضعون عليه من المشوقات ، وأكبر من
ذلك فهم يحسنون تزيينه بما يبرر أفعال الرجل حتى ولو شابها شئ من العنف
والقسوة أو التعدي في أحيان قليلة جدآ !!
فكانت النتيجة شخصية مثيرة للجدل بين معجب وهم الأكثرية وبين رافض لها
وهم الأقلية من ذوي الفهم الخاص القائم على تفكيك الحالة على أسس
أخلاقية ودينية ، لايتركون فيها مجالآ لعاطفه أو إسقاط نفسي .
لكن سالمآ إنتهى سريعآ ، وهذه من سنن الحالة ، فالإنسان عندما يضع نفسه
في مواضع العراك والخصومات والتحديات ويكون حاضرآ بهذه الصفة في
أغلب شأنه فهو حتمآ سيواجه مصيرآ مما هو من نتاج هذا الوسط الذي
إختاره ونتاج الظروف التي تحيط عادة بمثل هذه الجماعات أو النماذج من
الفتوات .
رحمه الله وعفى عنا وعنه .
حبيب الكل
سلمت ما سطرت يداك
ألى قلوب وأرواح تفداك
أخي الفاضل
كم نحن بحاجة لسرد المزيد و المزيد من سيّر هؤلاء الأعلام من تراثتا؟؟؟؟
بالله عليك لا تقف غيثك علينا أبدا يا أيها الحبيب النجيب راجيا منك في حلقات قادمه أن تكرمنا عن فتوات و أخبار هذا المشاغب الغيور أن صح تعبير الأعجاب .
و أعلم أن المعلومات والدرر التي صغتها ألينا أمر تجميعها ليس بالهين وما يكتنفه من بحث و معاناة السؤال و التحري المضني.
نحن لا زلنا ننتظر منك المزيد يا أخي المبجل.
أخوك / طلحه
عبداللطيف
12-06-2004, 22:31
السلام عليكم
أبا فيصل شمعتنا الخامسة أدام الله توهجها : بودي أن أذكر
بعض الحكايات أو القصص حول هذه الشخصية ، ولكني أجد
صعوبة إعتبارية في نقل مثل تلك الحوادث وصاحبها ميت !!
ثمّ إنني عنيت بالتعامل مع الظاهرة بشكل كما ترى يختلف عن
مجرد رواية أحداث أو أقاصيص بقدر ماهو تحليل وتأويل ، وعرض
يخدم هذين المنهجين..
كما أنني أتوقع أن يثير الموضوع الفضول الجيد لدى بعض القراء
للبحث والسؤال عن تلك الحكايات بأنفسهم .
رفع الله قدرك اخي طلحة في الدنيا والاخرة ...
موضوع قيم يستحق الاطلاع والتفكر فيه ...
رحم الله سالم البذرة وجميع موتى المسلمين...
شكرا لعبد اللطيف هذا الموضوع وبانتظار نماذج زبيرية اخرى ...
عبداللطيف
28-03-2005, 08:20
السلام عليكم
تسلم أخي الماهر ، سعيد بإطلالتك على الموضوع ..
حرصت أن لاأخوض كثيرا في الجانب القصصي أو الحدوثات عن هذا الرجل رحمه الله ،
لأن هدفي هو طرح منهج غير ما إعتدناه في التعامل مع مسائل الشأن الشعبي ( الفلوكلور ) ,,,
أشكر أخي طلحة الذي تكلّف عناء إضافة الصورة النادرة لسالم البذرة رحمه الله تعالى ..
عبدالرزاق سعود المانع
20-06-2005, 07:52
المبدع ، المتألق (ابو محمد)
السلام عليكم
سرني ، وأثار اعجابي لاتعجبي، ما قرأته لك مؤخرا في تراث مدينتنا التي تلملم اطرافها، وتوشك على الرحيل بعد ان ملت الانتظار دون جدوى في ان يعود ابناؤها الغائبون. وتخلت عن ثوبها القشيب الذي لبسته قبل اربعة قرون، منذ ان تجلت بجسمها السامق ونسبها العريق، تعرت الان عن جسد مترهل بالاحداث بعدما زحفت عليها موجات الغرباء، يحملون معهم ثوبا لها مرقعا، لا لون له ولاشكل. تلك هي مدينتنا الرائعة (الزبير) ذات النكهة المتفردة في كل المناطق المحيطة، والسمعة المتألقة، والمذاق الوحيد. وشدني الطابع الذي تناولت به الامر، فابتعدت عن التفاصيل (الخاصة)، واخترت باب التحليل وتقصي الحقائق من حيث واقعها العام ورصدت الظاهرة دون الخوض في ما يوقع القدم في الغام بقيت مزروعة في النفوس، نا ئمة، ترفع رأسها وتنفجر في وجه من يطأها دونما حذر او تدقيق.
بقي ان أشير الى نقاط وفق الخط الذي رسمته لنا ولنفسك في تصديك للظاهرة :
1- تاريخ مولد سالم البدرة لا اعرف عنه شيئا، ولكن اعتقد –ولست جازما – في ان مقتله كان بعد هذا التاريخ الذي ورد في كتابتك (1957) لعله بعد ذلك بسنة او ربما بسنتين. على ان هذا لايؤثر في لب الموضوع، ولا سير الاحداث.
2- ان شخصية سالم البذرة ، او (سويلم ) كما يسميه كثير من الناس في حينه ، اما من باب (التحبيب والاعزاز)، او من باب المبالغة والاعجاب، كما يقولون للداهية (دويهية) لتعظيمها وهو اسلوب عربي معروف في التصغير. اقول كانت شخصيته ثنائية التركيب، مزدوجة التوجيه والفعل. تحمل في جانب منها صفات (الشقاوات) وفي جانب آخر منها مزايا (الزكرت) والزكرتية في اخلاقها وتقاليدها اقرب لنظام (الفروسية) لدى الغرب. ولعلك اشرت الى شيء من هذا.
3- ان ذوي النفوذ والمستفيدين من ظهور (سالم البذرة)، لم يصنعوه، وانما صنعته الاحداث التي ذكرتها انت بذكاء، ولكنهم استغلوها وانصاعت الشخصية، لابغباء ولكن بذكاء (سويلم) المعروف، ليوظفها لصالحه قبل صالحهم. ويوفق بين المصلحتين.
4- ان شخصية (سويلم) رحمه الله كانت في غاية الذكاء، ولهذا استطاع ان يشق طريقه في الزبير وخارجها بين اعداد من (الفتوات) و ( الشقاوات) وإزاء الاعداء والمتربصين به، فلم يكن الاقوى في حينه، ولم يكن يمتلك اسلحة تفوقهم، ولكنه كان يمتلك ذهنية تجاوزت الرحلة والمستوى العام لشخصيات مماثلة. ذهنية طبيعية وذكاء فطري فبقي لسنوات في حين انتهى آخرون خلال فترات قصيرة، كما اخمد ذكر آخرين في زمنه وغطى عليهم. والحوادث والخصومات بل (المعارك) التي خاضها تثبت صحة هذه السمة لديه، والتي خرج منها جميعا مكللا بالنصر. ولطالما استعان بذكائه في حيث تعجزه القوة.
5- تميزت شخصيته (الفروسية) في مواصفات محببة عديدة، لعل احداها، احترامه لكبار السن، واظهار التقدير لهم. وقد لمست ذلك بنفسي، فهو يخاطب الشيوخ بكلمة "عمي فلان" ، ويطأطئ لهم ويتذلل عند مخاطبتهم او توجيه النصائح له، وخاصة من الطبقات الوسطى اوالفقيرة.
6- للسبب اعلاه ولتقايده (الفروسية) وعدم عدوانيته على الضعفاء، ثم اولا شجاعته المتميزة، احبه الكثيرون واتخذوه بطلهم و (ابن الديرة) المخلص. وكان محبوبا بشكل مطلق في محلته (نقرة حويجم) بينما تقل هذه المشاعر وتتضائل كلما توجهت شمالا.
7- لمسنا منه، وكنت طفلا، مواقف لاناقة له فيها ولا جمل، عرض نفسه فيها للخطر والمتاعب، لا لشيء الا لأن احدهم تعرض (للزبير) بالاساءة ...
8- ولكن مع كل هذا، لاقبله ولابعده، هو ايضا من (الشقاوات) الذي يسلب الاموال من بعض العناصر (لاعبي القمار) او بعض الاغنياء لينفقها على مباذله ومتعته. وتلك صورة الشخصية المزدوجة الاخرى.
9- (كانت عيناه تلمع في بريق عندما يدخل في معركة) هكذا وصفه لي بعد وفاته بسنوات احد ملازميه، وهذا الشخص ما يزال على قيد الحياة ويسكن الشرقية.
10- دعني الملم شورد افكاري .. كافي هالحين ...
11- تحياتي للاعضاء وللقراء وللاداريين (في المرآة) وللعزيز (ابو بدر) اخصها واشدها حرارة.
أبو غايب
20-06-2005, 13:51
أخيي عبداللطيف ... أخيي إبن زريق ... موضوع يستحق القراءة ... والتأمل والمشاهدة ... والعبرة ...
يبقى عندي سؤل لكما ولكل قارئ ... هل عندكم حكايات عن معاركه ... عن ملاحمه ... عن فتوة ذكرياته ...
أبو مروان
22-06-2005, 13:45
الأستاذ الفاضل أبو محمد .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
بادئة ذي بدء اشكرك جزيل الشكر على سبر أغوار هذه الشخصية المتميزة من رجالات الزبير ، وإن كنت تطرقت لمحاور مهمة من شخصية العم سالم البذرة إلا انني أستسمحك عذرا بإظافة محور " أنا " أراه مكملا لما تفضلت به بارك الله فيك ورعاك .
ذكرت عن صفة الفتوة التي كانت ملازمة لكثير من صفات بعض الشباب قديما وحديثا .. وذكر اخي الكريم ابن زريق نقاطا رائعة جدا عن أنواع الشخصيات التي كان يتحلى بها بعضهم في سبيل إظهار بعض نقاط القوة في الشخصية ..
وإذا نظرنا من جانب آخر فنقول أن شخصية نفسية كشخصيةسالم البذرة مثلا أو كشخصية تشبهها ماهي إلا نتاج عنف متأصل من الأساس يمون له مسببات وجذور فإن الشخص الذي يمكن أن يقوم بأعمال عنف " فتوة" وإن كانت في ظاهرها الصلح أو التراضي بين طرفين يكون أصله لديه مشكلات في التفاعل مع أقرانه ولديه مهارات اجتماعية ضعيفة ط كضعف في الجانب التعلميمي أو المالي " وغالبا ما يميل للبعد عن الواقعية " إختلاق الأعذار مثلا "وتكثر لديه الاندفاعات ويميل للمواقف العنادية ويشعر دائما بانتقاص في قدر الذات فيشعر بالنبذ والتوتر مع عدم القدره على التعامل مع الضغوط التي من حوله ، ومع التقدم بالعمر تبرز أيجابيات جديدة وهي الندم على مافعله في السابق من مهاترات " كان" يحسبها أمورا رائعة وبطولية ..
وأسمح لي بشكل سريع أن اقوم بمحاكاة الصورة المرفقة للعم سالم يرحمه الله ويغفر لموتانا وموتى المسلمين " ونقوم سويا بالتدقيق جيدا في الملامح لنلاحظ الآتي :
http://talha950.jeeran.com/0-bathrah%20002.JPG
* شكل العينين : العيون الدائرية المفتوحة تدل على أهمية دقة النظر لدى المفحوص وأيضاً على الحذر والخوف ومحاولة ضبط ذلك . بالأظافة أنها تعكس النرجسية وحب الذات والبحث عن التقبل من الآخرين أحيانا .
* الوجه بصفة عامة : فيه حدة خاصة مشوبة بنوع خاص من عدم الثقة بالآخرين احيانا ..
* شواربه الرائعة : مصدراً لسعادته ورمزا لرجولته ، وفيها يرى عشقه للأمل وأيضا يرى في شواربه رمزا للجمال والعشق.
بالعموم شخسية سالم البذر تتميز بعدم الأنقياد للغير فهو يتميز من خلال ملامح وجهه بالقرار الأوحد واحيانا يكون قرارا مدروسا مجهول النتائج .
أظن ان من يعرف صاحب هذه الصورة وهذه الشخصية أظنه يعام أنه مزيجا من الإثارة والغموض مجتمعة في شخصية هذا الرجل .
أخيرا :
إن أكثر الأشياء وضوحاً عند العم البذرة هو أنه يرى القوة المتوازنة مصدرا للراحة والأنسجام وبعث الخير في نفوس الأشرار . فيقيني والله أعلم أن شخصية سالم أنه يعرف تماماً من هو وماذا يريد من نفسه ومن الآخرين . ولذلك يستحيل تحريكه بكلمة خير أو شر .. والله أعلم ..
أشكر الجميع
عبداللطيف
23-06-2005, 10:53
السلام عليكم
أستاذي إبن زريق حفظك الله وأنار قلبك بمحبته والشوق لمرضاته ،
لقد فاتني أن أكون أول من يستقبل تعليقك / مداخلتك / إضاءاتك / إضافاتك / تحليلك ،
العلمي الشفاف لحد لم أستطع أن أبلغ مهارته في موضوعي ربما لأنني كنت ( فعلا كنت ) ،
أحرص على تجنب حقول الألغام ( المسألة الشخصية ) ، غير أن ما كتبته ، أنت ، هنا جاء ليسعف
موضوعي من هذا النزف المخل .. لقد أتممته ، وعززته بأن أشبعت تلهف الفضوليين منا ،
ولو بدون جرد للحوادث التي يتلهف على سماعها أغلبنا ، الذي يعرف عن ( سويلم ) رحمة الله عليه ،
أو من عرفه من خلال هذا المقال ..
وهي لحظة أتوقف فيها عند طلب حبيبنا ( أبو غايب ) ، فأقول له :
منهجي في التعامل مع الموضوع ( سويلم البذرة ) ، لايسمح أبدا بجرد الوقائع ( العراك أو ما شابه )
الذي أسهم فيه أو خاضه !!
فعذرا أخي ( أبو غايب ) وأشكر حضورك هنا ، وإطرائك للمقال ..
أستاذي إبن زريق كما أني أضيف جميع ما جاء من حزم الضوء في تعليقك إلى مقالي كجزء أساس منه ،
فبه تزداد الصورة ألقاً ، وإبهاراً ..
تقبل بالغ تقديري ، وعظيم إحترامي لك أستاذي الكبير .
الاخ الغالي ابومحمد ..
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
اليوم فقط قرات هذة الشخصيه الشبابيه المؤثرة في وقتها
الناس بطبيعتها تعجب بالابطال اوالشجعان وهذا امر فطري
فزبيرنا ملئ بهذة النماذج والنوعيات من الناس بس بحاجه الى
اظهارها لنا لكي نستمتع بقرائتها واحداثها ..
وللاديب ابن زريق التحيه والشكر
ولك ابومحمد دعائنا الخالص لما خطه قلمك من ذكريات رائعه
عبدالرزاق سعود المانع
24-06-2005, 08:25
المتألق أبدا ً ،
العزيز ــ أبو محمد ـــ ، الســـلام عليك ، طبت وطابت أيامك ، تواضعك الجم هذا ، يزيد من ألقك حيث يسطع فوق
( المرآة ) فينعكس أدباً وذوقاً وتواضعاً ، وهو دليل يؤكد تميز هذا الضوء لا تستطيع إخفاءه لإنه (تواضع
العلماء ) ، المهم الآن أن تواصل ما بدأته راشداً ، عن شخصية (ســـويلم ) ذلك أنك ، حســب علمي المحدود
أول من كتب في هذا الشــأن . وجرياً على منوالك ، فإن هناك شــخصية من الزبير ــ أخرى ــ فريدة لاتشبهها
شــخصية في صفتها وطابعها إطلاقاً ... ، تلك هي شــخصية ( الموح ) وه مجال ، بل حقل خصب للكتابة
ينتظر قلمك ودرايتك .
بقي أن أضيف نقطة واحدة أراها مهمة وجديرة بالنظر والوقوف عندها ، وهي أن هذه الشــخصيات ألمتفردة
تواجدت في جنوب الزبير فقط !!..
عبداللطيف
26-06-2005, 10:56
السلام عليكم
أخي العزيز ( أبو مروان )
يقول المثل الشعبي ( أعطِ الخباز خبزك .........) ..
فأنا حين يبلغ الحديث إلى علم النفس أجدني ، مستمعا جيدا ، لاأكثر ..
أشكرك على إضافتك العلمية الجادة ، التي أقل ما يقال فيها أنها تناسب
بكفاءة ما يتطلع إليه المقال من جدية وعلمية في البحث والحوار ..
لاشك بأنها إضافة مهمة تساعد على فهم مثل هذه الشخصية ، وفهم الأسباب
الغامضة غير الظاهر التي ربما كانت وراء تشكلها في هذا الإطار الذي نبحثه
ونعالجه في مقال يتلمس الفهم التاريخي والإجتماعي للظاهرة ( سالم البذرة )
من السهل الواحد منا يبيع هيوات
ويفتل عضلات ويضرب عيال الناس
ويقتل بغير حق .
ومن الصعب التحلي بالمراجل وسعة الصدر
والفزعات حسب ميزان الاخلاق العامة
ما اراه غير انسان متهور
له سوالف مكسره سمعت عنها
من اكثر من مصدر محايد
لا ارغب بتشويه سيرة مرآة الزبير
بصور من تاريخه الاسود
غفر الله عن ما سلف وكفى .
عبداللطيف
09-07-2005, 07:37
السلام عليكم
أخي العزيز ( زبير زوم )
أسعد الله صباحك فأنا في هذه الساعة المبكرة ، قرأت تعليقك ، الذي إتسم
بالواقعية ، وإتسم أيضا بالوعظ ، والتهجم الشخصي على رجل مات ، له
ماله وعليه ماعليه ، عليه ما حمّل وعلنا ما حمّلنا ، وربك لايظلم أحدا ..
ثم أنني في دراستي المتواضعة هذه أردت نتاول مواضيع ذات طابع إجتماعي
خاص وتاريخ ظواهر إجتماعية كان لها أسبابها ونتائجها ..
وقت ( سالم بذرة نموذجا ) أي شريحة أتمم من خلالها فكرتي في نمط الدراسة ،
وأعرض فيها بأسلوب يقترب من العلمية مخالف لما تعودناه من تناول مثل هذه
المسائل أو القضايا ..
إذن أنا لم أمجّد ( سالم البذرة رحمه الله وغفر لنا وله ) ، ولكني ترفعت عن أخوض
في مسائل شخصية في أصلها لاتقدم ولاتؤخر بل قد تعرضنا لشئ من غضب
الله فنحن نتكلم عن إنسان أفضى لما عمل ، وهي أيضا لن تقبل من كثير أناس لهم
رأي مخالف لرأيك ، وهي بعد ذلك غيبة رديئة ..
يبقى لك رأيك الذي نحترمه ، وننصح بعدم الخوض في أعراض الموتى أو الأحياء ،
فكلنا عورات وللناس ألسنُ ..
المفروض بك وبغيرك ، وكلنا مدعو للنظر في الدراسة كأسلوب جديد علمي لتناول
ظاهر إجتماعية .. تماما مثل معالجتي لظاهرة ( سالم الحميّد رحمه الله ) ، فكلا الدراستين
همها العلم والبحث الجدي في أسلوبه ونتائجه ..
والله تعالى من وراء القصد ..