مشاهدة النسخة كاملة : يوميات طفلة ريفية ..


د.أحمد أبورحاب
16-04-2006, 19:32
يوميات طفلة ريفية
د.احمد سعدالدين ابورحاب



( 1 )

وقفت منزوية فى احد اركان الحوش الضيق لمدرستها الإبتدائية .. كانت تخشى ان تصيبها الكرة التى راح زملاؤها الأولاد يتصارعون عليها بوحشية وفرح .

تجمعت زميلاتها بعيدا تحت شجرة التوت الكبيرة .. تحركت ببطء وهي تنظر بحذر الى الكرة الطائرة هنا وهناك , اتقاء لإصابة قد توجعها .

سقط غلام على الأرض صارخا .. نظرت اليه بدهشة ..ضحك منه ولد بدين .. وقف فورا وهجم عليه غاضبا ..اشتبكا فى معركة ضارية , بينما مرقت هي بسرعة متجهة الى داخل مبنى المدرسة , ودقات فلبها تتلاحق بتشوّف .

فى الداخل .. تجمع عدد من الأولاد حول مائدة تنس الطاولة .. اثنان منهم كانا يتبادلان بحيوية قذف الكرة بالمضرب .. استندت الى جدار بعيد , وراحت تتابع بشغف , حريصة على الا يبدو عليها ذلك .

ازداد حماس الأولاد .. امعنوا فى التحلق حول المائدة .. لم تعد ترى شيئا ..اكتفت بالسماع .. لم تكن متحيزة لأحد الولدين , ولكنها كانت تشعر بنشوة الصراع تسرى فى شرايينها المشوقة .. دق الجرس .. تحرك زملاؤها بسرعة وصخب .. سارت هى مع زميلاتها بخطوات متاطئة خجول .

فى حجرة الدراسة , كانت تعرف كل اجابات الأسئلة الى يوجهها المدرس , ولكنها لا تحاول الإجابة , الا اذا وجه اليها السؤال مباشرة , وحيئذ كان الأولاد يضحكون بسخرية كلما هنأها المدرس على اجابتها الصحيحة .. لم تكن تعرف السبب !

*****

فى الطريق الى المنزل , كانت تسير ببطء , متأملة الأحجار الصغيرة المتناثرة على الطريق الترابي .. كانت أمنيتها القديمة ان تركل حجرا بحذائها الصغير , كما يفعل الأولاد .. ولكن هيهات .. ماذا سيقول الناس ؟

سارعت ببطء .. تختلس النظر إلى الأشجار الشامخة على حافة الترعة .. يداعب عينيها حجر صغير على كومة من التراب .. تتمنى ان تركله بحذائها .. تتخيله طائرا فى الهواء .. تتوقف متظاهرة بربط رباط الحذاء .. تنظر حولها بحذر .. ترى ان الوفت مناسب ,, تستعد برفق .. تشاهد رجلا ضخما يمتطى حمارا هزيلا , قادما نحوها من الجانب الآخر من الطريق .. تعدل عن المجازفة .. تستمر فى المسير .


( 2 )

تكنس فناء المنزل الترابي .. تحمل صفيحة وتملؤها من الطلمبة الصدئة .. تبذل جهذا فوق طاقتها لترفع الصفيحة المملوءة فوق رأسها , تعجز .. تفرغ قليلا من الماء وتعاود المحاولة .. لا أمل .. تعض على شفتها السفلى بينا تروح تحرك الصفيحة يمنة ويسرة , متقدمة بها نحو الفناء خطوة خطوة .. اخيرا تصل .. تقف مفكرة فى أسلوب سهل لرش الفناء .. لو أمكنها ان تحمل الصفيحة لترش بها مباشرة , لانتهى الأمر بسهولة .. وفى النهاية لا تجد امامها الا ان تفعل ماكانت تفعله كل يوم بدون انقطاع .. تحضر كوزا صغيرا مثقوبا وتروح ترش الماء به .

ابوها يمر عبر الفناء متجها الى خارج المنزل .. يصيح بها ان تنتهى بسرعة من الفناء , وترش قليلا من الماء امام المنزل .. امها من غرفة الفرن تنادى عليها بصوت غاضب لكى تحضر بسرعة لتلقم الفرن من اعواد الحطب الموجودة فوق السطح .. تهرع الى اعلى تاركة صفيحة الماء .. تروح تجمع الحطب .. يصاب اصبعها الصغير بخدش .. تتأوه بصوت خافت .. تروح تمص اصبعها لتخفف الألم .. تدور بنظراتها فى ارجاء السطح بلا هدف .. تشاهد حجرا صغيرا يرقد فوق ارضية السطح الطينية بلا مبالاة .. تنظر اليه كما لوكان هناك سرٌ بينهما .. تقترب منه ببطء .. تحرك قدمها لتحكم التصويب .. تركل الحجر ركلة موفقة , تطير به الى باب السطح , حيث تقف امها التى وصلت توا لتتعجل الحطب .. تنظر الأم بدهشة .. تسألها عما اذا كانت قد اصيبت بالجنون .. تعرك اذنها بقوة حاثة إياها على سرعة احضار الحطب .. تحمل حزمة الحطب الكبيرة والأعواد تلاحقها بالوخزات هنا وهناك .. تفكر ان تقلل من حجم الحزمة , ولكن امها ستتهمها بالتكاسل والتبلد ..تهبط السلم الضيق غير المسوّر بحذر , وهى تحبس دمعة تريد ان تفرّ من عينيها الجميلتين .


( 3 )

قالت امها بوجوم لجارتها :
- سنتان كاملتان منذ ان سافر الى الخليج .

ثم استطردت بفخر :
- ولكنه جمع مالا كثيرا .

ترد الجارة بلا مبالاة :
- الحمد لله !

تجلس فى زاوية الفناء تقرأ فى كتابها المدرسي .. تتراقص الحروف امام عينيها .. تفكر بأن المال الكثير الذى جمعه والدها , لابد أن يعود عليها بالكثير من الفوائد ..تحلم وهى ناظرة الى الحائط الطيني .. ثوب جديد .. ربما ثوبان ..حلوى .. قلم حبر (غير معقول طبعا ) ..تقفز الى مخيلتها منظر دمية جميلة شاهدتها فى احدى المجلات المصورة.. تنظر حولها خشية ان يكون احد قد اكتشف افكارها السخيفة .. تدس رأسها فى الكتاب .

تصرخ امها فيها , لكي تكف عن المذاكرة , وتقوم لإعداد الشاي لها ولضيفتها .. قبل ان تختفى فى المطبخ , يلاحقها صوت أمها بألا تنسى اعداد كوب من الشاي لشقيقها الأكبر الذى يستذكر دروسه فوق السطح .


( 4 )

فى المدرسة الإعدادية .. تقف مضطربة فى طابور الصباح .. فى الفصل لاترفع عينيها عن السبورة السوداء .. يدهشها ان تشعر بالخجل من زملائها الأولاد , رغم انها تعرفهم فردا فردا منذ الطفولة , ولكنها تقريبا لم تتبادل الحديث مع أي منهم طوال عمرها .

فى الفناء تجتمع ومجموعة من الزميلات فى احد الأركان .. يتظاهرن بأنهن لايتابعن مباراة الكرة الدائرة بحماس بالغ بين الأولاد ..بين الحين والحين يحمر وجه احداهن بلا سبب , وتدير ظهرها للمباراة .. يدق قلبها عندما يتعالى هتاف الأولاد بسبب الضربة الموفقة الى قام بها احد اللاعبين .

تعود الى المنزل شاعرة بالفرحة , وبنوع من الإنبهار المسبق , لأنها ستشاهد التليفزيون .. منذ اشترى والدها هذا الجهاز الساحر , وهى لا تنفك جالسة امامه رغم محاولات امها المتكررة لمنعها ..اما اذا كان ابوها فى الدار , فإن احدا لايجرؤ اساسا على ادارة الجهاز العجيب .. لا تعرف لماذا يشترى ابوها جهازا لا يحب البتة مشاهدته !

شاهدت فيلما عجيبا وغريبا .. والد يجلس طفلته على ركبتيه .. يداعبها .. يسألها عن الهدية التى تريدها .. وتمتلئ الشاشة بمنظر اخاذ لعروس جميلة وكبيرة , ترتدى فستانا احمر , تغلق عينيها وتفتحهما .. تحملق بدهشة .. هل هذا ممكن ؟!

تحلم فى المساء بالعروسة .. هل يمكن ان يشترى لها والدها واحدة ؟ ولكن اين تباع هذه الأشياء ياترى ؟ انها لم تشاهد شيئا كهذا قط فى اي دكان من دكاكين القرية ؟

تسأل امها سؤالا عابرا - تحشوه باللامبالاة – عن كيف يستطيعون صنع عروسة تفتح عينيها وتغمضهما .. تشيح امها بيدها فى ملل , وتأمرها ان تسرع بإعداد المائدة , فقد اقترب موعد عودة شقيقها من المدرسة الثانوية التى يذهب اليها كل يوم فى المدينة .. تعد الطعام وهى تشعر بالحسد لأخيها الذى يتمتع بركوب القطار مرتين كل يوم .

تتخيل نفسها جالسة فى القطار , وهو ينفث دخانه فى الهواء , ويصفر بمرح .. تتأمل من نافذة القطار الحقول والبيوت وقطعان الماشية المتناثرة هنا وهناك وهى تزركش الكون بألوان رائعة .. وفى احضانها تقبع بوداعة عروسة جميلة , ترتدى ثوبا احمر نظيفا وتغمض عينيها وتفتحهما بكل رقة .


( 5 )


عندما حصلت على الشهادة الإعدادية , قرر ابوها ان تبقى فى الدار .. كان هذا متوقعا .. لم يبد عليها أي شعور , وهى تسمع والدها يقول لأمها :

- هذا يكفى .. نعم , هذا يكفى !

لم يوجه احد اليها اية كلمة .. صعدت الى السطح بعد الغذاء ,,جلست فى ركن تتأمل سرب الحمام , يطير هنا ويقع هناك .. وفجأة راحت تيكى.

فى الصباح تعللت لأمها بأنها ذاهبة لحش بعض البرسيم للخروف ..هرعت الى المدرسة .. كانت متلهفة لمعرفة درجاتها فى الإمتحان , وكانت متلهفة لمعرفة ترتيبها بين الزملاء والزميلات .

شعرت بالفخر عندما اخبرها احد المدرسين , بأنها الثالثة على المدرسة .. سألها المدرس عما اذا كانت ستلتحق بالمدرسة الثانوية أم التجارية .. كان من رأيه ان المدرسة التجارية افضل , لأنها فى المدينة القريبة , بينما تقع المدرسة الثانوية فى مدينة ابعد .. لم ترد .. عادت الى المنزل لاهثة .

قالت لأمها وهى تلهث :

- اخبرتنى زميلتى بأن ترتيبى الثالث على المدرسة .. على كل المدرسة ..الأولاد والبنات .

اشاحت أمها بيدها بلا اهتمام .


( 6 )

تجلس فوق السطح .. منهمكة فى تنقية كمية لا تريد أن تنتهى من الأرز .. تتعالى اصوات الصبية وهم يلعبون فى الطريق .. يتواثب عصفوران على مقربة منها ..تتذكر قصيدة عن العصفور كانت مقررة عليها فى المدرسة .. تلاحظ انها بدأت تنساها .. تتنهد .. منذ تركت المدرسة لم يتح لها قراءة اية كلمة .. حتى الصحف لاتدخل الدار .

فى المساء ايضا كانت تصعد الى السطح ..تتأمل النجوم وتتنهد..كانت تشعر بالحزن يسيطر عليها بلا سبب واضح .

تسمع صوت ابن خالتها داخلا الدار لزيارة امها .. تبتسم .

تسمع صوت ابن عمها داخلا الدار لزيارة ابيها .. تتجهم .

بينما كانوا متحلقين حول النار يشوون قناديل الذرة .. قال ابوها موجها الحديث لأمها دون ان يلتفت اليها :

- تقدّم الي ابن خالتها وابن عمها طالبين يدها .

يخفق قلبها .. تتشاغل الأم بوضع قنديل على النار .. يقضم ابوها قنديله مستطردا ببساطة :

- طبعا ابن العم أولى .

يسود الصمت القاعة .. ولا يسمع إلا صوت القناديل وهى تشوى على النار .


( 7 )

تتزوج ..

تنفذ نصيحة أمها والتى ملخصها الإستسلام .

لا تفهم شيئا !

تمر الشهور .. تعتاد الأمور شيئا فشيئا .. تربى دجاجها الخاص ..وتطعم جاموستها الخاصة .. وتنجب إبنها الخاص .

الولد ينمو بسرعة .. لاتستطيع ملاحقته ..متمرد عنيد .. كلما نصحته برقة صرخ غاضبا :

- انا رجل !

تستسلم لفوضيته .. تقريبا لا تعرف عنه شيئا ..يلعب طيلة النهار فى الشارع .. ولا يأتى الا ليأكل ..ايوه يصطحبه كل ليلة ليقابل الزوار معه فى المضيفة .


( 8 )

تنقلب الدار رأسا على عقب .

هرج ومرج .. اناس كثيرون يدخلون ويخرجون .. ابوها قتل فى معركة .. تصرخ .. تلطم ..تنوح .. ابنها عند احدى الجارات .. امها تسترجع كل أوجاع الحياة ..عيناها تحرقانها من فرط البكاء ..بوليس .. زوجها يزمجر .. اجتماعات متوالية ..مناقشات حادة ..الثأر الثأر ..تنهمك فى اعداد أباريق الشاي لعشرات الرجال المجتمعين فى المضيفة ..تسمع عن معركة بين عائلتها وعائلة القاتل .. تضم إبنها إلى صدرها خائفة ..يدفها بعيدا عنه ..زوجها يظل طيلة الليل ينظف بندقيته غير المرخصة .. يخرج قبل الفجر .. لايعود ثانية .

تذبل اعواد البرسيم ..
تتوقف المياه عن ممارسة الحب مع الحقول ..
قُتل ثلاثة من الخصوم ..
تشعر بالفخر ..
قتل ابن خالها ..
تموت جاموستها ..
تموت امها ..

ينهرها ابنها بغلظة طالبا سرعة إعداد الشاي للرجال فى المضيفة .. ابنها يصرخ مزمجرا .. صوته يتسلل الى داخل الدار كالعاصفة .. يقبضون على ابنها فى مركز الشرطة .. يفرجون عنه بعد ثلاثة أيام .

معركة هائلة ..

يهجم رجال الشرطة على الدار يفتشون عن اية اسلحة غير مرخصة .. يحصلون على مسدس صدئ .. ابنها يهرب .. لاتعرف إلى أين .

وحيدة على السطح تجمع أعواد الحطب ..
وحيدة امام الفرن تزج فيه بطاجن اسود به قطعتا لحم ..
وحيدة تزدرد اللحم ..
وحيدة تنام .


( 9 )

ترقد على فراش المرض ..

تتحلق حولها عمتها وخالتها وقريبات كثيرات وجارات ..

يرفضن أن يحضرن طبيبا .. كل الأطباء لصوص ..

يعددن لها مشروبا ساخنا من بعض الأعشاب نصحت به إحدى العجائز ..

تشرب بصعوبة ..

تتمدد بصعوبة ..

تسعل بشدة ..

تموت !

القلم
18-04-2006, 01:17
إستاذي د . أحمد
السلام عليكم ورحمة الله
مساء الفل والورد والريحان والياسمين ..
لا أعلم لماذا إخواني وأخواتي في المنتدى صائمون عن التعليق
على هذه القصة الرائعة ..
هل هم خائفون من هذا الضيف العزيز ؟
هذا الضيف ( الإستاذ ) الذي تمتلئ حقيبة فكره بملفات خبراته الكثيرة ..
هل هم وجلون مثلي ؟ سؤال يلح في نفسي ..
كيف أنا ( التلميذ ) أضع تعليقاً لقصة إستاذ كبير !!
كيف ؟ ..
لا مش معقول .. لا مش معقول !!
خوفي إنطلق من عدم تمكني من إعطائك أيها الإستاذ حقك كاملاً ..
ولهذا صام قلمي طيلة هذه الفترة كما صامت الأقلام الأخرى !!
كذلك إستاذنا عبداللطيف إختفى وأنزوى وأكتفى بزاد القراءة ..
إستاذي ..
دعني أقص شريط التعليقات ( بسم الله وعلى بركة الله ) ..
رائعتك هذه قذفت بي لأحضان ريف مصر ..
شممتُ فيها رائحة الترعة وخريرها ، سمعتُ فوق مائها صوت الوز ..
سمعتُ صياح الديكة ونباح الكلاب ( أعزكم الله ) .
شممتُ رائحة أهل الريف وقرأتُ فطرتهم السليمة ، سمعت صوت حيوانتهم ..
شممتُ رائحة خضار مزارعهم ..
شممتُ رائحة خبز التنور ، رأيت لون الدخان المتصاعد في كل مساء
من البيوتات التي يغفو ليلها مبكراً ..
رأيت في رائعتك المالك الثري الذي يمشي بين أولاده للنزهة ..
رأيت من يسهر بقرب الساقية ( يُناجي قمره الغائب ) !!
سمعت فيها زغاريد حفلات الأعراس الشعبية ..
ورأيت حلقات الذكر المحمدية ، الصباحية والمسائية !!
قصتك هذه قذفت بي لسنين مضت ، عندما عثرتُ على قصة ( زينب )
لكتابتها ( محمد حسين هيكل ) مؤسس فن القصة القصيرة في الريف
المصري ..
عندما قام بوصف الريف المصري بعاداته وتقاليده وصفاً مستوعباً شاملاً .
لقد إعتمد في وصفه للريف المصري على ( المذهب الواقعي ) ..
إستاذي د . أحمد ..
عذراً على الإطالة ..
عذراً على عدم إعطائك حقك ( فالمؤونة قليلة ) ..

عبداللطيف
18-04-2006, 20:25
السلام عليكم


نعم أخي ( القلم ) فقد إكتفيت بالقرأة ، وقد طبعت النص وقرأته مطبوعا على الورق ، غير أن مشاغلي
لم تترك لي فرصة مقاربته على الوجه الذي يجب ...!!

د. أحمد

في واقع الحال وعلى هامش النص ، فقد ذكرني الجو العام للقصة بالريف المصري الذي
عرفته أول ما تعرفت عليه عن طريق مسلسل ( هارب من الأيام ) وهو قصة أظنها من تأليف
فكري أباظة ، والأكيد أن بطل المسلسل الممثل القدير ( عبدالله غيث ) رحمه الله حيّا أو ميتاً ..
والحال كما وصف أخي ( القلم ) من تداعيات لصور الريف المصري قفزت على سطح الذاكرة .

وفي عمق النص ، وبدأ من العنوان أجدني وجها لوجه مع توصيف لحال الأنثى :
( المرأة / البنت / الطفلة ) في ريف مصر ، بعاداته ومفاهيمه وتقاليده ..
سيطرة الرجل : فهو يربى منذ نعومة أظفاره على الجرأة والتحدي والتنافس الظاهر ،
في حين تلوذ فيه الأنثى / الطفلة بالحياء والتردد والخوف والإنزواء ..
بينما يلعب الطالب في كل مراحل الدراسة كما يشاء واينما شاء تبقى الطالبة مسكونة بالحشم
والإنكفاء فهي عورة ، والطالب رجل لايعيبه شئ ..
حتى أننا نرى الطلاب يضحكون من إجابتها وهي التي لاتجيب إلا بعد أن يسألها الأستاذ لخجلها
ورغم أن إجابتها صحيحة أثنى عليها أستاذها ولكن الصبية من حولها يضحكون لماذا ..
أمن خجلها ، وتلعثمها ، أمن إنخفاض صوتها وخفرها ؟؟ أمن اللغة التي تتكلم بها ؟؟
لا ندري !! ولكن الكاتب أراد أن يلقي الضوء على موقف يضاف إلى مجمل المواقف التي تكشف
طبيعة هذه المخلوقة ( الطفلة الريفية ) ..
ومع تصاعد أيّامها وتوالي يومياتها وصولا إلى مرحلة الدراسة الأعدادية ( المتوسطة ) ،
يستمر تركيز الملامح التيظهرت عليها تلك البنت الريفية المصرية ،
( وربما هو نموذج لأرياف أخر في العالم ) ، تظل حيية لاتجرؤ علىالزحام ،
وهي فوق ما تعانيه بين الطلاب فهي في البيت وضمن الأسرة تعامل بجفاء وخشونة ، أشبه ب
الخادمة منها ببنت أهل البيت ( الدار ) ، والعجيب أن المرأة الأم تساهم في إضطهاد البنت ( إبنتها ) ..
وهي ومثيلاتها لايجر}ن حتى أن يبدين إعجابهن الحاصل بالزملاء ، كل الذي يستطعنه
هو مالا مفر منه ولاقدرة للسيطرة عليه وهو تغير ملامح الوجه عند ذكر الطرف المرموق بالإعجاب ..
(( تجلس فوق السطح .. منهمكة فى تنقية كمية لا تريد أن تنتهى من الأرز ..
تتعالى اصوات الصبية وهم يلعبون فى الطريق .. يتواثب عصفوران على مقربة منها .
تتذكر قصيدة عن العصفور كانت مقررة عليها فى المدرسة .. تلاحظ انها بدأت تنساها ..
تتنهد .. منذ تركت المدرسة لم يتح لها قراءة اية كلمة .. حتى الصحف لاتدخل الدار . ))

هذا هو تلخيص الجو العام لحياة هذه الفتاة ،
حرمان من أشياء الطفولة والبراءة ،
وحرمان من أشياء المراهقة والتوهج
حرمان من إمكانات تطوير الثقافة والتحصيل العلمي .. حتى الدراسة في الثانوية منعت منها ..
وهي راضية بقسمتها ......
ويتصاعد الموقف إلى غايته عندما يقرر أبوها أن يزوجها إلى أبن عمها ، وهي تميل إلى إبن خالها ،
فلا خيار لها حتى في شريك حياتها ..
لاخيار لها سوى الصمت والقنوط وإنتظار الاتي الذي لاتدري بماذا يجئ سوى أنّه الموت !!

لي عودة لتتمة المقاربة.

عبداللطيف
19-04-2006, 10:14
السلام عليكم

اعود كما وعدت :

د. أحمد

بشكل عام فالنص إتسم بسمات ألخصها هنا كما تلقيته :
1- هو يصور واقعا حاصلا في الريف المصري الذي ينظر للأنثى ( المرأة ) بكثير من الحذر وعدم الثقة
بل قد تصل الى النظر أليها كمخلوق من الدرجة الثانية مقارنة بالذكر (الرجل) !!
2- تم عرض المشاهد بطريقة مسطحة وذلك كأنها متوالية حسابية وفق منطق التتابع التاريخي مما
جعل السرد أقرب للتوصيف منه إلى سرد قصصي يمر من عبر المهارات القصية من تداخل الأزمنة
وتداعي المعاني ، والرمزية الشفافة ، والحوار المغني للسرد والمعمق لهيكليته ..
3- إتسمت لغة النص بأنها لغة تفتقد لبعض الشاعرية ، وربما كان التوصيف الواقي الملتصق بمكان
الحدث وزمانه أدى بالكاتب إلى أن يلتفت إلى إبراز رسالته الإجتماعية أكثر من إهتمامه بجماليات النص ؟!!

4- قدم الكاتب وبمحاولة جريئة أحداث تصلح أن تتشكل منها رواية إجتماعية / واقعية في نطاق قصة قصيرة ،
وهذا ما جعل مسؤولية السرد ثقيلة وكشف مواطن ضعفه الجمالية ، أعني أن النص كان أشبه بتلخيص لرواية
أضطر معه الملخص أن يضحي بالنص من حيث هو كيان جميل وركز على إيصال الرسالة التي يحملها ..
وسمت المحاولة بأنها جريئة لأن القاص غامر هنا كما بينت ..

5- ملاحظة : قدّم الكاتب بطلته ككائن منزوع الإرادة ، وهو في القصة لاينمو أو يتطور على خط ثابت
هو الموقف العاجز المستسلم لإرادة الرجل الريفي حتى آخر لحظة ، مما زاد في ثبات إيقاعية النص
السيكولوجية وانعدام التدفق الحيوي ، لأنماط المعاناة المفترضة في حال البطلة ، وهذا مما زاد النص
ثباتا على إيقاعاته وتصميما على أن يكون أشبه ببورتريهات صحفية لمشاهد تصف بشئ من التعاطف
حال المرأة في الريف المصري ..

يبقى هذا رأيي ، وأنا هنا لاشك أعبر عن إحترامي وتفاعلي التام وبحرارة مع هذا المنتج المعني بهم المرأة
في مجتمعاتنا التي أغلبها خرجت من رحم الريف ، وكوني قاربته وفق تلقيَ الخاص فلأن النص ملكي وملك
المتلقي الآخر بقدر ماهو ملك كاتبه / مؤلفه ، وأنا لاأومن بنظرية موت المؤلف ، فالمؤلف حي في النص
إلى جانب القارئ / المتلقي ..
أطيب التحيات والأمنيات للمبدع الرائع د. أحمد أبو رحاب ، الذي منح وجوده ( المرآة ) المزيد من العمق
والمزيد من الغنى والمزيد من الجد ، وألقى عليها المزيد من أعباء المسؤولية تجاه الحرف والكلمة المعبرة بصدق ..

نبراس
19-04-2006, 11:50
ما كنت اظن أن يستطيع كاتب تصوير مآسي حياة القرية بهذه العجالة التي كتبت بها الا - -
عندما يكون قد عايشها واعترك بها ثم هو يحاول ان يعالج ذكرياته لعله يبرأ منها
عندما يمكن أن يتلمس الجراح القديمة بقلمه، عسى ان لا يتألم مرة أخرى.
عندما يقدر على النظر الى الخلف، وبدون شوق، ودون كره كذلك.
فبالكتابة نحاول ان نعالج ذكرياتنا المريرة أملا بالشفاء منها.
لا ادري متى صارت الشاشة و (الكي بورد) وسيلة علاج لحمى الذاكرة..؟؟؟
لا ادري من منا يعالج او يزيد من حمّى الآخر؟ ولكني بمشاركتك هذه اشعر بان للكلمات حياة تدب بالرغم من موت الفتاة ..!!!
منذ أيام وأنا افتح شاشتي ثم اتركها بيضاء بانتظار ان اكتب بها بعض الكلمات لتدب بها الحياة وتتحول من شاشة فضية الى ايام احاكي بها ايام تلك الفتاة.
فعلا كما ذكر استاذي القلم ، فيضاعتي مزجاة ، ومشاركتي لا تستحق الذكر .. ولكني اطمع بتشجيعكم لمواصلة الكتابة، آملا اني ساعثر على الكلمات التي تبث الحياة بالاوراق البيضاء والشاشة الفضية وتفرغ شحنات حمى الذاكرة.
انطلاقا من قول القائل:
فتشبهوا ان لم تكونوا مثلهم
ان التشبه بالكرام فلاح

د.أحمد أبورحاب
19-04-2006, 12:22
أخى القلم .. جميل بالفعل ان تكون لك هذه الرؤى للريف المصري , الذى اعتقد انه لايختلف كثيرا عن الريف فى البلاد العربية الزراعية الاخرى .. ولكن تظل دائما للريف نكهة خاصة به .. وعلاقتى بالريف فى صعيد مصر ( محافظة سوهاج ) قديمة طبعا رغم انى نشأت فى القاهرة وعشت بها حتى تجاوزت الثلاثين , ( فى مجموعتى القصصية الأولى "وداعا أيها القلب المحطم 1966 " لن تلمس أي أثر للريف ) .

ولكنى عدت الى القرية وشاءت الظروف ان يختارنى الناس منذ 1979 عضوا بمجلس الشعب , ومنذ ذلك التاريخ توثق ارتباطى بقريتى ودائرتى الإنتخابية بشكل عميق ..

المجموعة القصصية التى اعدها حاليا كلها عن الريف ..وفى النهاية لا أريد أن أطيل , ارجو ان تتقبل شكرى لمداخلتك اللطيفة وتعليقك الجميل , خاصة اشارتك الى الراحل الكبير محمد حسين هيكل وقصته الرائدة " زينب" .

تحياتى الخالصة

د.أحمد أبورحاب
19-04-2006, 12:23
أخى عبد اللطيف , فمن المؤكد انك تعمقت فى القصة بشكل كبير , فالقصة صرخة تدافع ياستماتة عن المرأة المصرية خاصة فى صعيد مصر , واعتقد انها مظلومة فى كل العالم العربي .. فى البداية اعددت "مونودراما" لفرقة أطفال شهيرة هى "الفرقة القومية لأطفال العسيرات" بسوهاج باسم "الطفلة والحجر" , وقد قدمته طفلة بارعة عبارة عن مونودراما مسرحية لطفلة تحكى عن رغبتها العارمة فى أن تقذف حجرا بحذائها كما يفعل زملاؤها الأولاد , ولكنها لم تتمكن ابد .. وانتهى الموسم المسرحى 1985 وانتهى معه العمل , خاصة وان التليفزيون المصري لم يسجل هذه المونودراما . فرأيت ان اكتبها على شكل قصة , ثم رأيت ان استمر حتى وصلت القصة الى نهايتها المحتومة ..

اما عن رواية "هارب من الأيام" فهى ليست للمرحوم فكرى أباظة , وانما هى للكاتب الروائى الكبير ثروت اباظه . والمرحوم ثروت هو استاذى وكان رئيسا لاتحاد الكتاب فى مصر وقد ضمنى اليه فى العام 1980 , وكان من زملائى آنذاك الأستاذ عبد العال الحمامصى متعه الله بالصحة ( لاحظ اننى عجوز بدرجة كافية لآن اعتبرك اخى الأصغر ) .

واخيرا .. اشكرك واحييك وارجو ان نتقابل دائما على خير

د.أحمد أبورحاب
19-04-2006, 12:29
اخى الكريم نبراس
--------------
جاء فى كلمتك مايلى :

منذ أيام وأنا افتح شاشتي ثم اتركها بيضاء بانتظار ان اكتب بها بعض الكلمات لتدب بها الحياة وتتحول من شاشة فضية الى ايام احاكي بها ايام تلك الفتاة.
فعلا كما ذكر استاذي القلم ، فيضاعتي مزجاة ، ومشاركتي لا تستحق الذكر .. ولكني اطمع بتشجيعكم لمواصلة الكتابة، آملا اني ساعثر على الكلمات التي تبث الحياة بالاوراق البيضاء والشاشة الفضية وتفرغ شحنات حمى الذاكرة.
--------------

اكتب يا اخى فاسلوبك جيد , وفى اعتقادى طالما ان الانسان يكتب بدون اخطاء لغوية تذكر , فهو قد قرأ الكثير والكثير , وكما يقول أخونا القلم :لو لم أقرأ ..
لما تعرَّفتُ على الكتابة !!

ولكن يا أخى انا لا اوافق على حكاية الكتابة مباشرة على الكيبورد .. اكتب فى وورد أو على الورق اولا .. ولكي تكتب حدد الفن الأدبي الذى تريده مثل القصة القصيرة , واقرأ اقرأ اقرأ .. فكر فى موضوعك واكتب وغيّر وبدّل , وأنا واثق اننا سنقرأ لك الجميل والجميل

تقبل مودتى وخالص امنياتى لك بالتوفيق