عبدالرزاق سعود المانع
03-12-2005, 14:42
مستعمرة الفئران *
في الزمن القديم، التقت جماعة من الفئران، واتخذت لنفســها مستعمرة في منطقة المجاري تحت قصر أحد الأغنياء.و أخذت تتكاثرويزداد عددها، وشكلت لإدارة مستعمرتها مجلس إدارة، يرأسه أحد أفرادها وكان فأراً طاعناً في السن، لديه تجارب واسعة في الحياة، وعلى درجة كبيرة من الثقافة والمعرفة، وذا عقل راجح وجنان ثابت يساعده أربعة أعضاء ممن شهد لهم بالمعرفة والإحاطة في شؤون السياسة والإدارة بين كل الفئران. مرت الأيام رخية رضية على هذه المستعمرة، وأهلها ينعمون بالأمان والطعام الوفير، يجمعه أفرادها ليلاً من أنحاء القصر، ويخزنونه في مكان خصصه مجلس إدارتها، بعد أن يتناولوا حاجتهم منه، إلى أن حل في القصر الكبير ضيف مزعج، بل وحش مخيف، في صورة قط أرقط أتى به أهل القصر لمكافحة شعب المستعمرة، الذين عاثوا في القصر فساداً، حسـب زعمهم.
وكان ذلك القط على جانب من القوة وسرعة الحركة بحيث أن أي فأر يضعه حظه التعس في طريقه، لا يمكن أن يفلت من مخالبه الحادة، وإلى جانب ذلك كله، فإن ذلك الوحش يتمتع بذكاء حاد، وإحاطة تامه بمتطلبات وظيفته أو مهمته في حدود القصر، يسعفه في كل ذلك تجارب سابقة خاض غمارها في مناطق عدة، فأوقع في سكان المستعمرة عدداً لا يستهان به من الإصابات، بين قتيل وجريح، مما نشأ عنه وضع مربك وخوف بين أفراد المستعمرة وضيّق عليهم سبيل الإرتزاق وجمع الطعام، وباءت كل محاولاتهم للإيقاع بهذا الوحش المتسلط بالفشل، كما أن سعيهم لفتح حوار معه والوصول إلى حل يرضي الطرفين لم يصل إلى نتيجة إيجابية. ونتيجة إلى كل ذلك فقد ضاقت الحياة بسكان المستعمرة وبدأ الطعام المخزون ينفد، وأصيب أطفالهم بحالات من الرعب والتشنجات، ولم تفد الإجراءات الأمنية التي وضعتها الإدارة لمنع تسرب أصوات زمجرة الوحش وعوائه إلى آذان الأطفال والنساء، حيث أمرت الإدارة بسد كل المنافذ الموصلة إلى أبهاء القصروساحاته، عدا منفذ واحد تركته مفتوحاً للضرورات.
وبعد أن وصلت أحوال سكان المستعمرة إلى هذه الدرجة من السوء: خوف متواصل، وتوقع للخطر في أية ساعة من النهار أو الليل، إضافة إلى شظف العيش وتفشي الأمراض بين الأطفال بشكل خاص، وفي جانب آخرتغلغل الشك وعدم الثقة اللذين أخذا ينخران في المجتمع الفئراني، المتماسك قبل أن يحاصرالعدو مستعمرتهم، ويجثم على مسارب التواصل والثقة في نفوسهم. أعلن الشيخ الوقور، رئيس مجلس الإدارة في المستعمرة عن قرار المجلس بعقد مؤتمرموسع لكل فئران المستعمرة ذكورا واناثا، بل وحتى الأطفال. واتخذ المجلس احتياطاته الأمنية وقرر إغلاق الحدود مع القصربسد آخر منفذ بين المستعمرة والقصر، ووزع عناصره الأمنية في أطراف المستعمرة وزودهم بالتوجيهات والتعليمات اللازمة، ذلك بمناسبة إنعقاد المؤتمر، الذي حرص المجلس أن يكون وقت انعقاده في الصباح الباكر، الوقت الذي يرجح أن عدوهم الكاسر يخلد فيه إلى النوم بعدأن قضى معظم الليل ساهراً، يجوب القصر الكبيربحثاً عن متسللين من أفراد المستعمرة أو مغامرين يدفعهم الجوع أو حب الشهرة.
وقف الشيخ رئيس المجلس على صخرة كبيرة، بينما جلس الأعضاءعلى حجارات خلفه تماماً. وأعلن بدء المؤتمر،قال :(أردنا أن يشترك سكان مستعمرتنا كافة في مواجهة الخطر الذي يحدق بنا جميعاً دون استثناء، ليدلي كل من له رأي أو مقترح في ما نحن بصدده. إن التصدي للخطر،وإزاحته عن كاهل شعبنا وبلدنا أمر يهم الجميع، لقد فقدنا شباباً أعزاء من شعبنا، وهذا أمرحتمي، ونحن على استعداد لتقديم المزيد في سبيل أن يعيش أطفالنا في أرضهم، وينعموا بالسلام والحياة الكريمة. أتدرون ما ذا يريد هذا الوحش ومن سلطه علينا من أصحاب النفوذ؟ إن هدفهم واحد وواضح، وهو طردنا من وطننا وأرضنا، وأنا أقول باسمكم إننا لن نبرح هذه الأرض ولن نغادرهذا الوطن. (أزيزحاد يخرجه الفئران من أفواههم، وهو ما يسمى الهتاف لدى أبناء البشر، وأخذوا يؤدون قفزات سريعة في أماكنهم، تنوب عن التصفيق لدى غيرهم) توقف رئيس المجلس هنيهة ينظر في عيون هذه المخلوقات الصغيرة، ورؤوسهم مشرئبة نحوه، ومن بينهم انطلق صوت حاد: (واصل سيدي الرئيس.. كلنا معك) وقال آخر: (نحن معك،ونصغي إليك). واصل رئيس المجلس حديثه: إن كل ما بذلناه من جهود لصد هذا العدو الشرس، وكل ما وضعنا من خطط، ووزعنا من عناصرنا الأمنية في زوايا وأبهاء القصرلم توقف عمليات القتل بين أفراد شعبنا، صحيح أننا تمكنا أن نقلل من الخسائر،ولكن ليس هو الحل الذي نبتغيه حتماً.
عليه فإني أود أن أسمع منكم الآن، آراءً ذات صفة عملية،في الإعداد والتطبيق. (يسكت هنيهة) أليس لدى أحدكم رأي؟ (صمت عام). حسن،إن لدي رأي أعرضه على مؤتمركم، وأريد أن تناقشوه: إني أقترح ما دمنا غير قادرين على ردع هذا العدو وهزيمته، فما أقل من تحقيق هدف بديل وهو(إتقاء شره)، ــ أصوات تنطلق بين جموع الفئران، كلنا معك فقط قل لنا كيف، كيف هوالعمل !؟ يرفع رئيس المجلس يده لتهدئة الحاضرين، ثم يواصل حديثه قائلاً: إنه ما يسميه الإنسان ــ الإنذارالمبكرـ وصمت رئيسهم هنيهة يستعرض الوجوه، المخلوقات الصغيرة تفغرأفواهها،وتديرأذنابها في الهواء، تضرب ظهوربعضها في حالة من نفاد الصبرواستعجال المزيد لتوضيح الأمر،أضاف شيخهم الوقور: عن طريق الأجراس (همهمة بين هذه المخلوقات المتراصة)، ويضيف موضحاً: أجل، مجموعة من الأجراس، يمكن تحديد عددها لاحقاً، ننشرها في ممرات القصر، وننصبها في كل طريق يسلكه هذا القط المتوحش، وحين يصطدم بها في تجواله اليومي، ينطلق رنينها، فنتفادى شره قبل أن ينقض على أحدنا،.. لكن السؤال هو، في أي أماكن ومسالك ننصبها!؟ ثم، ما عدد الأجراس المطلوب الإستعانة بها؟ إني وزملائي هنا في مجلس الإدارة، نضع الأمربين أيديكم لتشاركونا في إنضاج هذه الفكرة،.. وران على هذه المخلوقات المرعوبة صمت حذر، ومرت دقيقة ودقيقتان، قبل أن يقف شاب من بين الجمع، ويعتلي حجارة في جانب المكان، ويقول بصوت حاد وقوي: (بل جرس واحد يا سيدي الرئيس، هو جرس واحد لا غير.) وتضطرب الأجسام الصغيرة المتراصة في مكانها وتستديرالرؤوس ناحية الشاب المتحدث، ويمد اعضاء المجلس أجسامهم حيث يقف، أما الشيخ فقد أعجبته جرأة الشاب ولهجته القوية وخاطبه بابتسامة ودودة: قل أولاً يا ابن أخي ألست أنت من استعار مني قبل أسابيع بعض الكتب؟ ــ بلى سيدي، وقد أعدتها إليك شاكراًــ أجاب الشاب بلباقة. أضاف رئيس المجلس: ليس هذا هو القصود، تفضل الآن وضح رأيك، واعتدل الشاب في وقفته، وتوجه إلى مجموع الفئران سكان المستعمرة قائلاً: هو جرس واحد فقط، نتقي به شر هذا العدو، لأنه سيخبرنا عن كل حركة مهما دقت تصدر عن هذا الوحش، سوف نحصي عليه أنفاسه. تعالت الأصوات في تأثر بالغ: ( كيف!؟.. وضح،هيا، رجاءً...!) واصل الشاب كلامه في ثقة عالية: أنا أقول لكم، نعلق الجرس في رقبة القط، أجل، فينبؤنا الجرس عن كل حركة يصدرها. هتف الجميع وصفقوا طويلاً، بطريقتهم الخاصة طبعاً، أحد أعضاء المجلس زوّى ما بين حاجبيه ورفع أحد شاربيه قال: هذا الرأي قديم وهو مأخوذ من حكاية شعبية متداولة قرأناها في المدارس منذ سنين، الشيخ الوقور يبشَّ في وجه الشاب و يهتف: أحسنت أيها الفتى، لا يهمنا أن يكون الرأي قديماً أو حديثاً، المهم أن ينطوي على معنىً يصلح حلاً لمشكلتنا واصل خطابك يا بني. قال الشاب في صوت جهوري، موجهاً كلامه الى مجموع الفئران:هل أعجبتكم الفكرة؟ هتف الجميع: مؤكد إنها فكرة عظيمة وسديدة، ثم إنها سهلة ويسيرة! تقدم الشاب الى حافة الصخرة التي يقف فوقها، وتطلع في الوجوه المتحفزة ثم قال في صوت هادئ ونافذ: كلا، ليست سهلة ولا يسيرة، إذ أن المســألة هي : (من يعلق الجرس..!!)
* * *
* عن حكاية شعبية قديمة
في الزمن القديم، التقت جماعة من الفئران، واتخذت لنفســها مستعمرة في منطقة المجاري تحت قصر أحد الأغنياء.و أخذت تتكاثرويزداد عددها، وشكلت لإدارة مستعمرتها مجلس إدارة، يرأسه أحد أفرادها وكان فأراً طاعناً في السن، لديه تجارب واسعة في الحياة، وعلى درجة كبيرة من الثقافة والمعرفة، وذا عقل راجح وجنان ثابت يساعده أربعة أعضاء ممن شهد لهم بالمعرفة والإحاطة في شؤون السياسة والإدارة بين كل الفئران. مرت الأيام رخية رضية على هذه المستعمرة، وأهلها ينعمون بالأمان والطعام الوفير، يجمعه أفرادها ليلاً من أنحاء القصر، ويخزنونه في مكان خصصه مجلس إدارتها، بعد أن يتناولوا حاجتهم منه، إلى أن حل في القصر الكبير ضيف مزعج، بل وحش مخيف، في صورة قط أرقط أتى به أهل القصر لمكافحة شعب المستعمرة، الذين عاثوا في القصر فساداً، حسـب زعمهم.
وكان ذلك القط على جانب من القوة وسرعة الحركة بحيث أن أي فأر يضعه حظه التعس في طريقه، لا يمكن أن يفلت من مخالبه الحادة، وإلى جانب ذلك كله، فإن ذلك الوحش يتمتع بذكاء حاد، وإحاطة تامه بمتطلبات وظيفته أو مهمته في حدود القصر، يسعفه في كل ذلك تجارب سابقة خاض غمارها في مناطق عدة، فأوقع في سكان المستعمرة عدداً لا يستهان به من الإصابات، بين قتيل وجريح، مما نشأ عنه وضع مربك وخوف بين أفراد المستعمرة وضيّق عليهم سبيل الإرتزاق وجمع الطعام، وباءت كل محاولاتهم للإيقاع بهذا الوحش المتسلط بالفشل، كما أن سعيهم لفتح حوار معه والوصول إلى حل يرضي الطرفين لم يصل إلى نتيجة إيجابية. ونتيجة إلى كل ذلك فقد ضاقت الحياة بسكان المستعمرة وبدأ الطعام المخزون ينفد، وأصيب أطفالهم بحالات من الرعب والتشنجات، ولم تفد الإجراءات الأمنية التي وضعتها الإدارة لمنع تسرب أصوات زمجرة الوحش وعوائه إلى آذان الأطفال والنساء، حيث أمرت الإدارة بسد كل المنافذ الموصلة إلى أبهاء القصروساحاته، عدا منفذ واحد تركته مفتوحاً للضرورات.
وبعد أن وصلت أحوال سكان المستعمرة إلى هذه الدرجة من السوء: خوف متواصل، وتوقع للخطر في أية ساعة من النهار أو الليل، إضافة إلى شظف العيش وتفشي الأمراض بين الأطفال بشكل خاص، وفي جانب آخرتغلغل الشك وعدم الثقة اللذين أخذا ينخران في المجتمع الفئراني، المتماسك قبل أن يحاصرالعدو مستعمرتهم، ويجثم على مسارب التواصل والثقة في نفوسهم. أعلن الشيخ الوقور، رئيس مجلس الإدارة في المستعمرة عن قرار المجلس بعقد مؤتمرموسع لكل فئران المستعمرة ذكورا واناثا، بل وحتى الأطفال. واتخذ المجلس احتياطاته الأمنية وقرر إغلاق الحدود مع القصربسد آخر منفذ بين المستعمرة والقصر، ووزع عناصره الأمنية في أطراف المستعمرة وزودهم بالتوجيهات والتعليمات اللازمة، ذلك بمناسبة إنعقاد المؤتمر، الذي حرص المجلس أن يكون وقت انعقاده في الصباح الباكر، الوقت الذي يرجح أن عدوهم الكاسر يخلد فيه إلى النوم بعدأن قضى معظم الليل ساهراً، يجوب القصر الكبيربحثاً عن متسللين من أفراد المستعمرة أو مغامرين يدفعهم الجوع أو حب الشهرة.
وقف الشيخ رئيس المجلس على صخرة كبيرة، بينما جلس الأعضاءعلى حجارات خلفه تماماً. وأعلن بدء المؤتمر،قال :(أردنا أن يشترك سكان مستعمرتنا كافة في مواجهة الخطر الذي يحدق بنا جميعاً دون استثناء، ليدلي كل من له رأي أو مقترح في ما نحن بصدده. إن التصدي للخطر،وإزاحته عن كاهل شعبنا وبلدنا أمر يهم الجميع، لقد فقدنا شباباً أعزاء من شعبنا، وهذا أمرحتمي، ونحن على استعداد لتقديم المزيد في سبيل أن يعيش أطفالنا في أرضهم، وينعموا بالسلام والحياة الكريمة. أتدرون ما ذا يريد هذا الوحش ومن سلطه علينا من أصحاب النفوذ؟ إن هدفهم واحد وواضح، وهو طردنا من وطننا وأرضنا، وأنا أقول باسمكم إننا لن نبرح هذه الأرض ولن نغادرهذا الوطن. (أزيزحاد يخرجه الفئران من أفواههم، وهو ما يسمى الهتاف لدى أبناء البشر، وأخذوا يؤدون قفزات سريعة في أماكنهم، تنوب عن التصفيق لدى غيرهم) توقف رئيس المجلس هنيهة ينظر في عيون هذه المخلوقات الصغيرة، ورؤوسهم مشرئبة نحوه، ومن بينهم انطلق صوت حاد: (واصل سيدي الرئيس.. كلنا معك) وقال آخر: (نحن معك،ونصغي إليك). واصل رئيس المجلس حديثه: إن كل ما بذلناه من جهود لصد هذا العدو الشرس، وكل ما وضعنا من خطط، ووزعنا من عناصرنا الأمنية في زوايا وأبهاء القصرلم توقف عمليات القتل بين أفراد شعبنا، صحيح أننا تمكنا أن نقلل من الخسائر،ولكن ليس هو الحل الذي نبتغيه حتماً.
عليه فإني أود أن أسمع منكم الآن، آراءً ذات صفة عملية،في الإعداد والتطبيق. (يسكت هنيهة) أليس لدى أحدكم رأي؟ (صمت عام). حسن،إن لدي رأي أعرضه على مؤتمركم، وأريد أن تناقشوه: إني أقترح ما دمنا غير قادرين على ردع هذا العدو وهزيمته، فما أقل من تحقيق هدف بديل وهو(إتقاء شره)، ــ أصوات تنطلق بين جموع الفئران، كلنا معك فقط قل لنا كيف، كيف هوالعمل !؟ يرفع رئيس المجلس يده لتهدئة الحاضرين، ثم يواصل حديثه قائلاً: إنه ما يسميه الإنسان ــ الإنذارالمبكرـ وصمت رئيسهم هنيهة يستعرض الوجوه، المخلوقات الصغيرة تفغرأفواهها،وتديرأذنابها في الهواء، تضرب ظهوربعضها في حالة من نفاد الصبرواستعجال المزيد لتوضيح الأمر،أضاف شيخهم الوقور: عن طريق الأجراس (همهمة بين هذه المخلوقات المتراصة)، ويضيف موضحاً: أجل، مجموعة من الأجراس، يمكن تحديد عددها لاحقاً، ننشرها في ممرات القصر، وننصبها في كل طريق يسلكه هذا القط المتوحش، وحين يصطدم بها في تجواله اليومي، ينطلق رنينها، فنتفادى شره قبل أن ينقض على أحدنا،.. لكن السؤال هو، في أي أماكن ومسالك ننصبها!؟ ثم، ما عدد الأجراس المطلوب الإستعانة بها؟ إني وزملائي هنا في مجلس الإدارة، نضع الأمربين أيديكم لتشاركونا في إنضاج هذه الفكرة،.. وران على هذه المخلوقات المرعوبة صمت حذر، ومرت دقيقة ودقيقتان، قبل أن يقف شاب من بين الجمع، ويعتلي حجارة في جانب المكان، ويقول بصوت حاد وقوي: (بل جرس واحد يا سيدي الرئيس، هو جرس واحد لا غير.) وتضطرب الأجسام الصغيرة المتراصة في مكانها وتستديرالرؤوس ناحية الشاب المتحدث، ويمد اعضاء المجلس أجسامهم حيث يقف، أما الشيخ فقد أعجبته جرأة الشاب ولهجته القوية وخاطبه بابتسامة ودودة: قل أولاً يا ابن أخي ألست أنت من استعار مني قبل أسابيع بعض الكتب؟ ــ بلى سيدي، وقد أعدتها إليك شاكراًــ أجاب الشاب بلباقة. أضاف رئيس المجلس: ليس هذا هو القصود، تفضل الآن وضح رأيك، واعتدل الشاب في وقفته، وتوجه إلى مجموع الفئران سكان المستعمرة قائلاً: هو جرس واحد فقط، نتقي به شر هذا العدو، لأنه سيخبرنا عن كل حركة مهما دقت تصدر عن هذا الوحش، سوف نحصي عليه أنفاسه. تعالت الأصوات في تأثر بالغ: ( كيف!؟.. وضح،هيا، رجاءً...!) واصل الشاب كلامه في ثقة عالية: أنا أقول لكم، نعلق الجرس في رقبة القط، أجل، فينبؤنا الجرس عن كل حركة يصدرها. هتف الجميع وصفقوا طويلاً، بطريقتهم الخاصة طبعاً، أحد أعضاء المجلس زوّى ما بين حاجبيه ورفع أحد شاربيه قال: هذا الرأي قديم وهو مأخوذ من حكاية شعبية متداولة قرأناها في المدارس منذ سنين، الشيخ الوقور يبشَّ في وجه الشاب و يهتف: أحسنت أيها الفتى، لا يهمنا أن يكون الرأي قديماً أو حديثاً، المهم أن ينطوي على معنىً يصلح حلاً لمشكلتنا واصل خطابك يا بني. قال الشاب في صوت جهوري، موجهاً كلامه الى مجموع الفئران:هل أعجبتكم الفكرة؟ هتف الجميع: مؤكد إنها فكرة عظيمة وسديدة، ثم إنها سهلة ويسيرة! تقدم الشاب الى حافة الصخرة التي يقف فوقها، وتطلع في الوجوه المتحفزة ثم قال في صوت هادئ ونافذ: كلا، ليست سهلة ولا يسيرة، إذ أن المســألة هي : (من يعلق الجرس..!!)
* * *
* عن حكاية شعبية قديمة