محب الله
20-07-2005, 00:53
قصة: (أخطأ بركوب الباص)/محب الله
أنهى طالب آخر اختبار له من السنة الثانية في الجامعة.. وبدل أن يذهب إلى السكن كي يرتاح.. خرج مباشرة من قاعة الامتحان وذهب ليحجز على قطار الساعة التاسعة، ليصبح بين أهله وأحبابه في مدينته التي تربى وترعرع فيها..
واستعد للسفر وأحضر ملابسه.. ومن شوقه خرج قبل موعد القطار بساعتين، فركب الباص الذي اعتاد أن يركبه إلى محطة القطار.. وجلس عند الشباك، وأخذ الهواء يلعب بشعره، ويملأ أنفه، وهو حالم ينتـقل من ذكرى إلى أخرى.. وإذا به يلاحظ أن الباص غيَّر مساره.. فسأل السائق عن ذلك.. فأخبره بأنه ركب الباص الخطأ، وأن هذا الباص لا يذهب إلى محطة القطار..
وقال له: الأفضل أن تـنزل هنا، فقد أصبحت قريباً من المحطة.. عشر دقائق سيراً على الأقدام وتصل..
نزل من الباص وأخذ يسير.. وانتقل إلى الشارع المقابل، ولفت نظره كثرة الحرس العسكري، ولكنه لم يبالِ.... لحظات وإذا بسيارة نجدة تقف إلى جانبه، ونزل منها ضابط وأمره بالصعود إلى السيارة.. فارتعب وقال: أنا أريد الذهاب إلى محطة القطار وهذه تذكرتي معي، وهذه حقيبة ملابسي..
فقالوا له: اصعد معنا وسنوصلك إلى ما تريد..
حاول التملص منهم بشتى السبل، ولكنهم أغلظوا الأسلوب معه... فصعد معهم..
بعد أن ساروا مسافة ما يقارب المئة متر توقفوا.. وإذا به أمام قصر الحاكم.. فأنزلوه في ما يشبه الكشك من الخشب يقف فيه مجموعة من العسكر مدججين بالسلاح.. وهو مستمر بتوسلاته، وأنه يريد اللحاق بالقطار، ويريهم التذكرة، ولا أحد يلقي له بالاً..
فتـشوه، وأخذوا منه حقيبته التي يضعها على كتفه وذهبوا بها.. وبعد فترة أتوا له بالحقيبة.. وأخذوا يسألونه ماذا يريد ولِـمَ هو هنا..
فأخذ يقسم لهم أغلظ الأيمان أنه أخطأ بركوب الباص.. وقد نشف ريقه، واصفرَّ لونه، وارتعد قلبه، ويداه ترتجفان كأنه في برد شديد..
ثم كلم أحد العسكر زميله قائلاً: ارمه بالتوقيف، وغداً صباحاً حولوه إلى التحقيق.. فاسقط في يده، وكاد أن يبكي.. وهو يرجوهم ويقسم لهم أنه ليس عنده شيء، وأنه يريد اللحاق بالقطار، وأن أهله يتوقعون وصوله، وأن والدته مريضة، ويخاف إن لم يصل في الوقت الذي أخبرهم بأن يحصل لها شيء..
ثم أخرجوه من ذلك الكشك الكئيب، وطلبوا منه الوقوف خارجاً.. وأخذ مرة يقف، وأخرى يشعر بانهيار أعصابه فيجلس على الرصيف.. ومعه حقيبته، وتذكرة القطار.. وكانت نفسه تراوده أحياناً بأن يهرب لأنه لم ير أن العسكر يهتموا بأمره، ولم يلاحظ أنهم يراقبوه.. ولكنه لا يجرؤ حتى على السؤال ما المطلوب منه..
وبعد فترة شعر كأنها أشهر جاءته سيارة نجده، وطلبوا منه الركوب، فقال: أرجوكم دعوني أذهب.. والله ليس معي أي شيء مريب، فأنا طالب جامعي ومسافر إلى أهلي.. ولكنهم أركبوه معهم، ودخلوا به إلى محطة القطار من الجهة الخلفية.. وليس من الجهة التي يصعد منها الركاب إلى القطار.. ثم أنزلوه هناك.. فأخذ يمشي وإذا به بين تقاطع سكك فيما بينها، وقطارات قديمة، وقاطرات عاطلة عن العمل، وأخذ يتـنقل بين القطارات، وقد تلوثت ملابسه بالدهون السوداء والتراب... إلى أن وصل إلى القطار المتجه إلى مدينته.. وإذا به ينظر مبهوتاً إلى القاطرة الأخيرة، وهي تودع المحطة، وتترك المكان مخلفة الصرير على سكة الحديد.. وأخذ يركض -بلا شعور- وراء القطار.. ولكنه رجع وهو يلهث، وشعر كأن قلبه يكاد يخرج من بين أضلعه.. وشعر بمرارة، وألم، وحسرة، ورغب بالصراخ لولا أن المكان مزدحم بالمسافرين.. فحبس غضبه، وألمه، وحسرته، وغيظه، ورغبته بالبكاء.. وخرج من محطة القطار يجر أذياله، وأخذ تاكسي ليوصله إلى كراج السيارات التي تأخذه إلى مدينته...
أنهى طالب آخر اختبار له من السنة الثانية في الجامعة.. وبدل أن يذهب إلى السكن كي يرتاح.. خرج مباشرة من قاعة الامتحان وذهب ليحجز على قطار الساعة التاسعة، ليصبح بين أهله وأحبابه في مدينته التي تربى وترعرع فيها..
واستعد للسفر وأحضر ملابسه.. ومن شوقه خرج قبل موعد القطار بساعتين، فركب الباص الذي اعتاد أن يركبه إلى محطة القطار.. وجلس عند الشباك، وأخذ الهواء يلعب بشعره، ويملأ أنفه، وهو حالم ينتـقل من ذكرى إلى أخرى.. وإذا به يلاحظ أن الباص غيَّر مساره.. فسأل السائق عن ذلك.. فأخبره بأنه ركب الباص الخطأ، وأن هذا الباص لا يذهب إلى محطة القطار..
وقال له: الأفضل أن تـنزل هنا، فقد أصبحت قريباً من المحطة.. عشر دقائق سيراً على الأقدام وتصل..
نزل من الباص وأخذ يسير.. وانتقل إلى الشارع المقابل، ولفت نظره كثرة الحرس العسكري، ولكنه لم يبالِ.... لحظات وإذا بسيارة نجدة تقف إلى جانبه، ونزل منها ضابط وأمره بالصعود إلى السيارة.. فارتعب وقال: أنا أريد الذهاب إلى محطة القطار وهذه تذكرتي معي، وهذه حقيبة ملابسي..
فقالوا له: اصعد معنا وسنوصلك إلى ما تريد..
حاول التملص منهم بشتى السبل، ولكنهم أغلظوا الأسلوب معه... فصعد معهم..
بعد أن ساروا مسافة ما يقارب المئة متر توقفوا.. وإذا به أمام قصر الحاكم.. فأنزلوه في ما يشبه الكشك من الخشب يقف فيه مجموعة من العسكر مدججين بالسلاح.. وهو مستمر بتوسلاته، وأنه يريد اللحاق بالقطار، ويريهم التذكرة، ولا أحد يلقي له بالاً..
فتـشوه، وأخذوا منه حقيبته التي يضعها على كتفه وذهبوا بها.. وبعد فترة أتوا له بالحقيبة.. وأخذوا يسألونه ماذا يريد ولِـمَ هو هنا..
فأخذ يقسم لهم أغلظ الأيمان أنه أخطأ بركوب الباص.. وقد نشف ريقه، واصفرَّ لونه، وارتعد قلبه، ويداه ترتجفان كأنه في برد شديد..
ثم كلم أحد العسكر زميله قائلاً: ارمه بالتوقيف، وغداً صباحاً حولوه إلى التحقيق.. فاسقط في يده، وكاد أن يبكي.. وهو يرجوهم ويقسم لهم أنه ليس عنده شيء، وأنه يريد اللحاق بالقطار، وأن أهله يتوقعون وصوله، وأن والدته مريضة، ويخاف إن لم يصل في الوقت الذي أخبرهم بأن يحصل لها شيء..
ثم أخرجوه من ذلك الكشك الكئيب، وطلبوا منه الوقوف خارجاً.. وأخذ مرة يقف، وأخرى يشعر بانهيار أعصابه فيجلس على الرصيف.. ومعه حقيبته، وتذكرة القطار.. وكانت نفسه تراوده أحياناً بأن يهرب لأنه لم ير أن العسكر يهتموا بأمره، ولم يلاحظ أنهم يراقبوه.. ولكنه لا يجرؤ حتى على السؤال ما المطلوب منه..
وبعد فترة شعر كأنها أشهر جاءته سيارة نجده، وطلبوا منه الركوب، فقال: أرجوكم دعوني أذهب.. والله ليس معي أي شيء مريب، فأنا طالب جامعي ومسافر إلى أهلي.. ولكنهم أركبوه معهم، ودخلوا به إلى محطة القطار من الجهة الخلفية.. وليس من الجهة التي يصعد منها الركاب إلى القطار.. ثم أنزلوه هناك.. فأخذ يمشي وإذا به بين تقاطع سكك فيما بينها، وقطارات قديمة، وقاطرات عاطلة عن العمل، وأخذ يتـنقل بين القطارات، وقد تلوثت ملابسه بالدهون السوداء والتراب... إلى أن وصل إلى القطار المتجه إلى مدينته.. وإذا به ينظر مبهوتاً إلى القاطرة الأخيرة، وهي تودع المحطة، وتترك المكان مخلفة الصرير على سكة الحديد.. وأخذ يركض -بلا شعور- وراء القطار.. ولكنه رجع وهو يلهث، وشعر كأن قلبه يكاد يخرج من بين أضلعه.. وشعر بمرارة، وألم، وحسرة، ورغب بالصراخ لولا أن المكان مزدحم بالمسافرين.. فحبس غضبه، وألمه، وحسرته، وغيظه، ورغبته بالبكاء.. وخرج من محطة القطار يجر أذياله، وأخذ تاكسي ليوصله إلى كراج السيارات التي تأخذه إلى مدينته...