الكاتبة
21-05-2005, 01:25
بعدما ركبت السيارة ، أخبرت أبي أنني كتبت ثالث رغبة في التعيين منطقة أبها ، ولا أعرف إن كان التعيين سيكون هناك أو بالرياض وقرآها ، ضحك أبي وهو الشيخ الوقور قائلاً : أرجو من الله أن لا يتم قبولك هناك .. لأنه لو كان ذلك فهذا يعني أنني سأسكن معكِ هناك ..
هذه كانت كلمات أبي التي تريحني دائماً في حين أن زميلاتي يشتكين من رفض آبائهن التعيين الوظيفي خارج الرياض .. كم أحب أبي ؟!.. لو لا هذا الخجل الذي يمنعني من التعبير لارتميت في حضنه لأقبّل رأسه وعينيه وأقبّل لحيته التي امتلأت شيباً ووقاراً ..
بعد أسبوعين ظهر تعييني في منطقة أبها وانقلب البيت بعدها جحيماً ، فأشقائي رفضوا ذلك واتهموني بالانانية وأنني غير عاقلة ؟ كيف أكتب منطقة أبها وهي بعيدة ومستحيل السكن فيها ! ، وتدخل أعمامي لصرف نظري عن الوظيفة بعروض الزواج ، ولكني رفضت هذه المساومات وأخبرتهم أنني أريد وظيفتي ولا يمكن أن أتزوج الآن لأنه لا رغبة عندي في الزواج ، والمشكلة أن قلبي لا يطيق أبناء أعمامي ولا أحد من أطراف قبيلتي فهم يمثلون دوماً في نظري العصبية والجاهلية ولا يحترمون المرأة وفكرها وعقلها ، وأنا أمقت رجال هكذا حتى وإن كان أشقائي أيضاً مثلهم ..
جلست أبكي في غرفتي ذات ليلة بعد كثرة الضغوط وأحسست بمعنى اليتم فعلاً ، فلو كانت أمي ما زالت على قيد الحياة لربما وقفت معي وخففت علي هذه الأحزان ولأرشدتني لما فيه الصواب ، لكن كنت أصبر نفسي بالآمال والأحلام ، وإذ بأبي يدخل عليّ غرفتي وهو يطلبني بالكف عن البكاء ويهون علي قسوة الأخوة والأقارب بقوله : لا أحد له حكم عليكِ وأنا ما زلت موجود على هذه الدنيا .
وسنذهب لأبها وسنقيم بها ما شاء الله حتى يتم نقلك للرياض .. فأنا يا ابنتي كما تعرفين متقاعد وأحتاج للتغيير والسفر .. قبلّت يد أبي وشكرته ودعوت له بالخير ..
آآه .. يا أبي كم أحبك .. ؟!.. لا أعرف كيف ستكون حياتي بدون وجود أبي !..
نمت تلك الليلة نوماً هانئاً لا أجمل ولا أهنأ منه ، وبعد شروق الصباح كان أبي يشتغل في غرفة التخزين ( المستودع ) ومعه أكياس وحافظات جلدية يضع فيها بعض الأدوات الكهربائية ، وبعض إخواني في صالة الجلوس يتحدثون فيما بينهم وكأنهم يتشاجرون !
في هذه الأثناء جاءت زوجة أخي الكبير خالد والتي تعيش معنا وهي ترجوني بأن أغير رأيي لأن أخي لم ينم البارحة وهو ربما يتهور ويفعل شيئاً يؤذيني !
قلت لها بإصرار : لا شأن له ولا لها بي .. ما دام أبي موجود !
والحقيقة أن أخوتي الأربعة وأصغرهم متخرج قبلي من الجامعة ويشتغل في الظهران ، يحبون التدخل في شوؤني وكأنهم يملكوني على رغم أن أبي لا يحب مناقشتهم أو الدخول معهم في مجادلات ولا أعرف لمَ أبي ؟!.. ينتهج هذا السلوك معهم !..
مرت ثلاثة أيام وكان يوم الأربعاء هو يوم سفرنا لأبها وقد شحن أبي سيارته وفيها أغراضنا المهمة ، ونحن سنسافر بالطائرة وكان لأصدقاء أبي دوراً كبيراً في توضيح بعض الأشياء والاجابة على تساؤلات أبي بالنسبة لمنطقة الجنوب وبالأخص القرية التي سنسكن فيها وإن كانوا لا يعرفون إلا بعض القرى الكبيرة فقط ..
جمع أبي أخوتي قبل السفر وتحدث معهم مطولاً وكذلك كلّم بعض أعمامي هاتفياً ووصاهم ببعض أموره ، ووصلنا للقرية والتي تبعد كثيراً عن منطقة أبها ، قرية خضراء جوها بديع ، لكنها صغيرة وسكانها أناس بسطاء ، واستأجرنا بيت صغير يستأجره كل من أراد العمل بالقرية وأغلبهم أسر المعلمات المغتربات ، ورأيت المدرسة مدرسة بسيطة جداً .
وابتدأ العمل يوم السبت ومرت الأسابيع بطيئة علينا ولكنها على أبي أكثر ، فأبي لا يفهم لهجة أهل القرية ولا يخرج كثيراً ، والكهرباء لا تشتغل ليلاً والهاتف لا يوجد ، ولو أراد أحد أن يستخدم الهاتف فعليه أن يذهب لقرية بعيدة قليلاً ولكنها متطورة أكثر من هذه القرية ..
تعرفت في المدرسة على زميلة أيضاً قادمة من الرياض أسمها ربى وتعيش مع أمها وشقيقها هشام الذي أخذ إجازة من عمله ليرتب لهم الوضع هنا ، وكانت طيبة ومتعاونة .. وازدادت علاقتنا أكثر لأنها تسكن بجوار بيتنا ، وتعرف أبي على شقيقها الذي يمتاز بصفات حسنة فهو شاب متعلم ومتحدث بليغ وملتزم بالدين كثيراً حيث يشغل وقته بإلقاء المحاضرات والتوجيهات لسكان القرية ويصلي بهم ويشتري لأطفالهم بعض الألعاب والملابس وكلما سافر للرياض وعاد فلابد من ان يقدم لهم الهدايا .
أحب أبي هشام كثيراً وصار يشتاق إليه والجلوس إليه ، وكلما جلست مع أبي أخذ يتحدث عن هشام وعن عقله وأخلاقه ومروءته ، فحاصرتني محبة هذا الشاب .. أخته من جهة وأمه وأبي في البيت من جهة ، وذات ليلة كانت السماء مكفهرة الأجواء تعب علّي أبي كثيراً ، حتى أصيب بغيبوبة وفقد الوعي والحركة ، فلم أجد من البكاء ومناداة الجيران ، فآتت جارتنا ملتفعة بجلباب البيت ومن خلفها هشام فأخذت أتوارى خجلاً من هشام ولكن عيناي التقت بعيناه .. كنت أبكي وخائفة والدنيا تظلم في ناظري لأن فقدان أبي معناه فقدان حياتي ..
أعجبتني رجولة هشام وطيبته فلقد حمل أبي في بطانية حتى لا يؤذيه البرد إلى السيارة ، وذهب به لأقرب مركز صحي وهو بعيد عن القرية ..
مرت الساعات طويلة .. تقتلني دقاتها .. وأنا أضع سيناريو الحزن وهشام يعود بدون أبي ليخبرني بوفاة أبي وكيف سيقابلني أخوتي وماذا سيكون عقابي ؟ !
لكن الحمد لله عاد هشام ومعه أبي وبيده كيس مليء بالدواء ، فلقد اكتشفوا أن أبي مصاب بالسكري وهذه غيبوبة سكر وأنا لأول مرة أعرف أن السكري يسبب غيبوبة بهذا الشكل ..
ولأول مرة يكلمني هشام مباشرة منذ أن سكنا وتعارفنا وأخذ يخبرني ماذا قال له الطبيب ؟ .. والتوصيات الطبية لمريض السكري .
كنت فرحة للغاية بعودة أبي سالماً وبكلام هشام لي ، وبعد عدة أيام أخبرتني ربى عن مشاعر هشام وأنه منذ أن رآني تلك الليلة وهو معجب فيني وأن قلبه الآن ينبض بشيء اسمه الحب .
أحاول أن أتذكر شكلي تلك الليلة كنت أرتدي لباساً بسيطاً عبارة عن جلابية مغربية مريحة بالبيت ، وشعري الأسود منسدلاً على أكتافي .. أخذت أفكر فيما أعجب هشام بي أكثر ؟
هل هي عيناي الواسعتان التي الكل يمتدح جمالها أم شعري الأسود الناعم أم بياض بشرتي المشرق أم طولي وخصري النحيل ؟!..
ربما جذبته براءتي ومحبتي لأهله أمه وأخته ، أخذت أفكر في هشام ومن حينها تعلق قلبي به ، فأنا تقريباً أحب أن أرتبط بزوج غير معقد التفكير وواسع الاطلاع ، فهو حريص على احترام أمه وشقيقته بشكل أذهلني ، وحريص على إسعادهن بأي وسيلة .
حتى حانت اللحظة وهي القرار الحاسم فقد تحدث هشام مع أبي وخطبني منه ، ولم يعارض أبي بل كان موافقاً وأخذ رأيي وبعد عدة أيام أخبرته بالموافقة ، وأعطاه أبي موعداً بعد عودتنا للرياض ، يأتي آخر الشهر لعقد القرآن ودفع المهر وسيكون الزواج مختصراً لأن أبي لا يحب المظاهر والضوضاء .
انتهى العام الدراسي وعدنا للرياض وكنت أنتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر ، وفعلاً آتى هشام مع خاله لأمه لأن أبيه متوفى وتم عقد القرآن ، وكان ثلاثة من أشقائي مسافرين سياحة إلا شقيقي سعد كان موجوداً وحدد أبي الزواج في منتصف الشهر القادم وكنت سعيدة بشكل لا أحد يمكن أن يتخيله وأصبحت القريبات يتصلون ويسألون ولم أكن أرد على أي تليفون ولا أرد على أي مكالمة جوال فلقد كنت أحب أن أنجز عملي بهدوء فكانت ربى تأتي معي للسوق لشراء أغراضي أو أخذ أحياناً الخادمة معي لأنه لا مقربات لدّي ، فبنات عمي فضوليات وكلامهن كثير ، وخالاتي كلهن خارج الرياض ..
حضر أشقائي من السفر وسألوا أبي عن العريس وأخبرهم بضع كلمات إنه شاب ناجح وصالح ومن أسرة طيبة من الرياض ويشتغل بالتجارة ، وتم الزواج بسلام مع أن قلبي كان تلك الليلة منقبضاً .. شـعر هشام بنفس احساسي وقبض على يدي بقوة ونحن نخرج من بيتنا ولم أنسى أن أقبّل جبين أبي ويده ، وأشقائي ينظرون لي ولا أعرف سر نظراتهم تلك لهشام ؟! ..
ذهبنا لأحد الفنادق وتوقعت أن نبيت فيه ، لكن هشام طلب مني أن أبدل فستان الزفاف وأرتدي ثوب مريح لأننا سنسافر لسنغافورة الساعة 1 صباحاً ، تذكرت أن ربى حينما ذهبت للتصوير كانت تقول أن هشام سيطير بي أول ليلة خارج السعودية ..مكثنا في سنغافورة أسبوعين ثم عدنا للخليج ولكن اتجهنا للإمارات وجلسنا في دبي أكثر من أسبوعين وكنت خلال هذه الفترة أتصل بأبي وأسلم عليه ، وكان يقول الأوضاع تمام ولا يريد إلا سعادتي ، وكنت فعلاً مشتاقة له جداً .
أخيراً رجعنا للرياض ولم يكن لنا بيت خاص فينا لأننا سنسافر بعد أسبوعين لأبها فلم يتم نقلي عكس ربى التي ظهر خبر نقلها في الجرائد لأنها أمضت سنتين هناك .
جلست مع أبي يومين وكان يسألني عن زواجي وسعادتي وهشام ، وكان يشعر بمدى سعادتي ، في كلامي وابتسامي وهداياي التي قدمتها له ..
لكن خيوط القلق التي كانت تتشابك ليلة الزفاف ظهرت عصر هذا اليوم ، فقد حضر أعمامي وأخوتي وصعقوا أبي بخبر جعله أمامهم كالطفل الصغير فساد الصمت مجلس الرجال ولفت الكآبة أبي وصمتوا ينتظرون منه كلمة !
بعد دقائق ليست بالقصيرة طالبهم بالدليل الثابت على ما يقولونه .. قالوا : ليس هناك أكثر من كلام شيوخ قبيلتنا ، وكبار رجالاتنا .!؟
في هذه الأثناء دخلت عليّ بالمطبخ زوجة أخي خيّال وكانت فتاة طيبة وتحبني ، وأخبرتني حقيقة ما يدور في البيت والأسرة وهو : أن زوجي هشام ليست عائلته أصيلة ، أي لا تنتمي لأي قبيلة عربية .. يعني بالعامية : غير أصيل !
لا أعرف ماذا جرى لي ؟!.. فعلاً .. صدمة .. كارثة بالنسبة لي !
بدأت سعادتي تنهار .. بالتأكيد سأكون الآن تحت أقدام أخوتي كالجارية الذليلة !
جلست أبكي .. أبكي .. وأنا أرجو أن يكون حلم مزعج أو أن كلام هؤلاء الناس أكاذيب .. الآن سيفرح أبناء أعمامي وسيدقون طبول الانتقام .. فهم يعيشون قهر وحقد كبير علّي لأنني لم أتزوج منهم وأنا البنت الجميلة والمتعلمة والتي ترفعت عنهم والآن جاءت ساعة انتقامهم مني .
لكن أنا يا الله .. لا أحب إلا هشام .. ولا أريد إلا الحياة معه .. ليأخذوا مني كل شيء إلا هشام .. ليجردوني من اسم القبيلة والأسرة ويتركوني أن أعيش مع هشام بسلام !
بعد العشاء ذهبت لأبي في المجلس .. يا للهول .. والله لم أصدق أنني سأكون سبباً في بكاء أبي وقهره أو إهانته بين أخوته ورجال قبيلته ..
وجدته منكباً على سجادة الصلاة يبكي .. بكاء .. وما أعظم بكاء الرجال ؟!..
عدت لغرفتي .. لم أتجرأ أن أكلمه .. عرفت أنه لم يخرج للصلاة بالمسجد وأخوتي لم يعودوا للبيت ذهبوا لعشاء عمي الذي أقامه للتباحث في هذا العار الذي أصابهم وهذا السواد الذي دنس ثيابهم الرفيعة كما يقولون !
اتصلت بهشام وحضر .. لم يدخل على أبي بالمجلس بل قابلته في ساحة المنزل وتحدثت معه ، وعرف سر نظرات أخواني ليلة الزفاف ..
تكلم معي وقال : صدقيني أنا أصيل
أسرتي أسرة طيبة وجذورها نقية وننتمي لهذه البلاد ومنذ عرفنا أنفسنا وأهلنا ونحن بالرياض ، بكيت واحتضنني وقال ماذا أفعل ؟!.. الآن ..
ادخل لأبي وأخبره أنك أصيل .. وأن عائلتك تنتمي بالنهاية لقبيلة عربية عريقة .. تراجعت .. تراجعت خطواته للوراء ..
قلت : هيا .. ادخل ..
سيأتي أخواني وأبناء عمي .. وربما يفرقون بيننا .. بسهولة !
واجه هشام أبي واحتار أبي وطلب منه أن يأخذني ويسافر بي لأبها ، وسيتصل بنا بعد أيام .. وفعلاً غادرنا البيت لأبها ..
بعد أسبوع اتصلت بزوجة أخي خيّال لتخبرني ماذا يجري ؟!
وحكت لي ماذا واجه أبي من مصاعب ليؤمن سعادتي ، فقد تم الخصام بينه وبين أخواني ، ولم يقف في صفه إلا سعد فقط ، وتبرأ منه أخوته .. أعمامي .. عند شيخ القبيلة لأنه رفض أن يثبت نسب هشام وأصالة قبيلته ورفض أن يتم تطليقي من هشام .
فصار الفصل والبراءة منه .. أبي الآن .. أصبح منبوذ من أسرته وعشيرته بعدما كان سيد العائلة وبيته مفتوح لهم ومجلسه عامر بالرجالات الكبار ..
قالت : إنها رأت أبي .. يبكي أمام أبنائه حينما جاءوا بورقة البراءة ويقول : لماذا ؟! يتبرأون مني ؟!.. آلانني زوجت ابنتي من أعرف أنه سيسعد ابنتي .. فوالله إن هشام يساوي خمسين من شبابهم ورجالهم .
فصاح ولده الكبير خالد به : يا أبي .. أنت وطيت بكرامتنا الأرض . وأنت لاشك مصاب بسحر أو شيء جعلك تتصرف هكذا وتبيعنا وقبيلتنا هكذا .
ووالله لن أرفع رأسي بين الناس حتى أطلقها منه أو أقتله وارتاح منه ..
فرفع أبي يده ولطمه على وجهه وطالبه بأن يتركوني وشأني وأنه بريء منهم ليوم الدين ولو لمس أحد منهم شعرة واحدة من شعر رأسي فعليه غضب ولعنة من الله ليوم الحساب .
فسكتوا .. وانتهت الأمور على هذا النحو .. وبقيت مع هشام في أيام هادئة . . ومسالمة .. بعد شهر واحد .. اتصلت بي واحدة من بنات عمي نادر وتخبرني أن أبي في العناية المركزة بمستشفى الأمن العام بالرياض .. فطلبت من هشام الذهاب للرياض وليكن ما يكن !
ذهبنا للمستشفى وعند وصولنا .. شاهدت أخوتي في الممر وأبناء أعمامي وكان عددهم حوالي ستة شباب .. وشاهدوني ومعي هشام .. فآتى سعد لا يرتدي شماغ ولا شيء وهو الشاب الأنيق فعرفت من ملامح وجهه أن أبي انتقل لرحمة الله .. احتضنني سعد وهو يبكي كالأطفال ويقول : أبوي ماااات يا العنود .. أبوي ماااات .. نعم مات أبي والسبب ذبحة صدرية .. وقال التقرير الطبي : أنه أصيب بضغوط شديدة .. سببت له وقلبه أصلاً ضعيف .. أما الذي غسله وساعد في تكفينه فقال : إن هذا الرجل الشيبة مات مقهوراً ! ..
كل هذه سمعتها أثناء يوم العزاء .. الأول .. بقيت في بيت أبي للعزاء .. واليوم الثالث .. جاءت عمتي من حائل وهي تبكي والنساء يعزينها ويصبرنها ولما رأتني !
لما رأتني . . مدت يدها ودفعتني بعيداً عنها .. لا تسلمي علّي آيتها الجاحدة لفضل أبيها .. التي اشترت سعادتها ورمت بكرامة أبيها الأرض .. التي دنست اسمه وشرفه .. لو كنتِ حرة أبية .. لما سمحت لنفسك أن تشاهدي عذاب أبيك ولا تفعلي شيء لأجله .. الزوج بدله زوج آيتها المغرورة بنفسها وجمالها وعلمها .. الأب ليس بعده أب .. آيتها المدللة ..
ابتعدي .. لا أسعدك الله في الدنيا والآخرة .. يا من حرمتينا من أطيب انسان وأكرم أخ ..
تكلمت عمتي بهذا الكلام ومجلس العزاء مليء بالقريبات والمعارف والمعزيات .. البيت مليء .. وعمتي أم راكان امرأة كبيرة وتمتاز بالبلاغة والقوة ولا تخاف من أحد .. ولا تهتم لكلام الناس .. وقد عرفت قصة زواجي من أخوتي وأعمامي ..
بكيت .. وبقيت معي خالتي سارة تطيب خاطري وتطالبني بأن لا أهتم بما تقوله هذه العجوز ؟
أبي .. أين أنت يا أبي ؟!.. الدنيا اسودت في عيوني يا أبي ... بعد العزاء .. ناداني سعد وقال : خذي أغراضك وغادري البيت هشام ينتظرك في السيارة قبل أن يأتي أخوتي ..
أخذت حقيبتي اليدوية .. وفيما أنا أخرج إذ بخالد يدخل .. ويسحبني من يدي للداخل .. وقال :
هنا .. مكانك الأخير .. ولن تخرجي إلا لقبرك آيتها المتكبرة .. المتحررة ..
نظرت لسعد وإذ بسعد ينظر للأرض مطأطيء الرأس .. وقال خيّال : انسي هشام .. وادفنيه مع موت أبي ..
بهذه اللحظة فقدت أبي وفقدت زوجي .. وكل التضحيات والمصاعب لم تعد لها قيمة ؟!..
أنا لا حول لي ولا قوة .. فقد كانت قوتي أبي وحياتي أبي ..
أشعر بأنني انتهيت .. انتهيت ..
شهر وأكثر وجاءوا لي بورقة نقلي للرياض بسبب كذبهم في الأوراق فقد قالوا : موت محرمها الأب يجعلها تستحق النقل بأسرع وقت للرياض ..
عشت بعيداً عن هشام وقلبي يتألم .. أعيش مع الناس وكأنني وحدي ..
الذي لم يحسبوا أخوتي حسابه ... أنني ربما أكون حامل !
____________ انتهت ______________
هذه كانت كلمات أبي التي تريحني دائماً في حين أن زميلاتي يشتكين من رفض آبائهن التعيين الوظيفي خارج الرياض .. كم أحب أبي ؟!.. لو لا هذا الخجل الذي يمنعني من التعبير لارتميت في حضنه لأقبّل رأسه وعينيه وأقبّل لحيته التي امتلأت شيباً ووقاراً ..
بعد أسبوعين ظهر تعييني في منطقة أبها وانقلب البيت بعدها جحيماً ، فأشقائي رفضوا ذلك واتهموني بالانانية وأنني غير عاقلة ؟ كيف أكتب منطقة أبها وهي بعيدة ومستحيل السكن فيها ! ، وتدخل أعمامي لصرف نظري عن الوظيفة بعروض الزواج ، ولكني رفضت هذه المساومات وأخبرتهم أنني أريد وظيفتي ولا يمكن أن أتزوج الآن لأنه لا رغبة عندي في الزواج ، والمشكلة أن قلبي لا يطيق أبناء أعمامي ولا أحد من أطراف قبيلتي فهم يمثلون دوماً في نظري العصبية والجاهلية ولا يحترمون المرأة وفكرها وعقلها ، وأنا أمقت رجال هكذا حتى وإن كان أشقائي أيضاً مثلهم ..
جلست أبكي في غرفتي ذات ليلة بعد كثرة الضغوط وأحسست بمعنى اليتم فعلاً ، فلو كانت أمي ما زالت على قيد الحياة لربما وقفت معي وخففت علي هذه الأحزان ولأرشدتني لما فيه الصواب ، لكن كنت أصبر نفسي بالآمال والأحلام ، وإذ بأبي يدخل عليّ غرفتي وهو يطلبني بالكف عن البكاء ويهون علي قسوة الأخوة والأقارب بقوله : لا أحد له حكم عليكِ وأنا ما زلت موجود على هذه الدنيا .
وسنذهب لأبها وسنقيم بها ما شاء الله حتى يتم نقلك للرياض .. فأنا يا ابنتي كما تعرفين متقاعد وأحتاج للتغيير والسفر .. قبلّت يد أبي وشكرته ودعوت له بالخير ..
آآه .. يا أبي كم أحبك .. ؟!.. لا أعرف كيف ستكون حياتي بدون وجود أبي !..
نمت تلك الليلة نوماً هانئاً لا أجمل ولا أهنأ منه ، وبعد شروق الصباح كان أبي يشتغل في غرفة التخزين ( المستودع ) ومعه أكياس وحافظات جلدية يضع فيها بعض الأدوات الكهربائية ، وبعض إخواني في صالة الجلوس يتحدثون فيما بينهم وكأنهم يتشاجرون !
في هذه الأثناء جاءت زوجة أخي الكبير خالد والتي تعيش معنا وهي ترجوني بأن أغير رأيي لأن أخي لم ينم البارحة وهو ربما يتهور ويفعل شيئاً يؤذيني !
قلت لها بإصرار : لا شأن له ولا لها بي .. ما دام أبي موجود !
والحقيقة أن أخوتي الأربعة وأصغرهم متخرج قبلي من الجامعة ويشتغل في الظهران ، يحبون التدخل في شوؤني وكأنهم يملكوني على رغم أن أبي لا يحب مناقشتهم أو الدخول معهم في مجادلات ولا أعرف لمَ أبي ؟!.. ينتهج هذا السلوك معهم !..
مرت ثلاثة أيام وكان يوم الأربعاء هو يوم سفرنا لأبها وقد شحن أبي سيارته وفيها أغراضنا المهمة ، ونحن سنسافر بالطائرة وكان لأصدقاء أبي دوراً كبيراً في توضيح بعض الأشياء والاجابة على تساؤلات أبي بالنسبة لمنطقة الجنوب وبالأخص القرية التي سنسكن فيها وإن كانوا لا يعرفون إلا بعض القرى الكبيرة فقط ..
جمع أبي أخوتي قبل السفر وتحدث معهم مطولاً وكذلك كلّم بعض أعمامي هاتفياً ووصاهم ببعض أموره ، ووصلنا للقرية والتي تبعد كثيراً عن منطقة أبها ، قرية خضراء جوها بديع ، لكنها صغيرة وسكانها أناس بسطاء ، واستأجرنا بيت صغير يستأجره كل من أراد العمل بالقرية وأغلبهم أسر المعلمات المغتربات ، ورأيت المدرسة مدرسة بسيطة جداً .
وابتدأ العمل يوم السبت ومرت الأسابيع بطيئة علينا ولكنها على أبي أكثر ، فأبي لا يفهم لهجة أهل القرية ولا يخرج كثيراً ، والكهرباء لا تشتغل ليلاً والهاتف لا يوجد ، ولو أراد أحد أن يستخدم الهاتف فعليه أن يذهب لقرية بعيدة قليلاً ولكنها متطورة أكثر من هذه القرية ..
تعرفت في المدرسة على زميلة أيضاً قادمة من الرياض أسمها ربى وتعيش مع أمها وشقيقها هشام الذي أخذ إجازة من عمله ليرتب لهم الوضع هنا ، وكانت طيبة ومتعاونة .. وازدادت علاقتنا أكثر لأنها تسكن بجوار بيتنا ، وتعرف أبي على شقيقها الذي يمتاز بصفات حسنة فهو شاب متعلم ومتحدث بليغ وملتزم بالدين كثيراً حيث يشغل وقته بإلقاء المحاضرات والتوجيهات لسكان القرية ويصلي بهم ويشتري لأطفالهم بعض الألعاب والملابس وكلما سافر للرياض وعاد فلابد من ان يقدم لهم الهدايا .
أحب أبي هشام كثيراً وصار يشتاق إليه والجلوس إليه ، وكلما جلست مع أبي أخذ يتحدث عن هشام وعن عقله وأخلاقه ومروءته ، فحاصرتني محبة هذا الشاب .. أخته من جهة وأمه وأبي في البيت من جهة ، وذات ليلة كانت السماء مكفهرة الأجواء تعب علّي أبي كثيراً ، حتى أصيب بغيبوبة وفقد الوعي والحركة ، فلم أجد من البكاء ومناداة الجيران ، فآتت جارتنا ملتفعة بجلباب البيت ومن خلفها هشام فأخذت أتوارى خجلاً من هشام ولكن عيناي التقت بعيناه .. كنت أبكي وخائفة والدنيا تظلم في ناظري لأن فقدان أبي معناه فقدان حياتي ..
أعجبتني رجولة هشام وطيبته فلقد حمل أبي في بطانية حتى لا يؤذيه البرد إلى السيارة ، وذهب به لأقرب مركز صحي وهو بعيد عن القرية ..
مرت الساعات طويلة .. تقتلني دقاتها .. وأنا أضع سيناريو الحزن وهشام يعود بدون أبي ليخبرني بوفاة أبي وكيف سيقابلني أخوتي وماذا سيكون عقابي ؟ !
لكن الحمد لله عاد هشام ومعه أبي وبيده كيس مليء بالدواء ، فلقد اكتشفوا أن أبي مصاب بالسكري وهذه غيبوبة سكر وأنا لأول مرة أعرف أن السكري يسبب غيبوبة بهذا الشكل ..
ولأول مرة يكلمني هشام مباشرة منذ أن سكنا وتعارفنا وأخذ يخبرني ماذا قال له الطبيب ؟ .. والتوصيات الطبية لمريض السكري .
كنت فرحة للغاية بعودة أبي سالماً وبكلام هشام لي ، وبعد عدة أيام أخبرتني ربى عن مشاعر هشام وأنه منذ أن رآني تلك الليلة وهو معجب فيني وأن قلبه الآن ينبض بشيء اسمه الحب .
أحاول أن أتذكر شكلي تلك الليلة كنت أرتدي لباساً بسيطاً عبارة عن جلابية مغربية مريحة بالبيت ، وشعري الأسود منسدلاً على أكتافي .. أخذت أفكر فيما أعجب هشام بي أكثر ؟
هل هي عيناي الواسعتان التي الكل يمتدح جمالها أم شعري الأسود الناعم أم بياض بشرتي المشرق أم طولي وخصري النحيل ؟!..
ربما جذبته براءتي ومحبتي لأهله أمه وأخته ، أخذت أفكر في هشام ومن حينها تعلق قلبي به ، فأنا تقريباً أحب أن أرتبط بزوج غير معقد التفكير وواسع الاطلاع ، فهو حريص على احترام أمه وشقيقته بشكل أذهلني ، وحريص على إسعادهن بأي وسيلة .
حتى حانت اللحظة وهي القرار الحاسم فقد تحدث هشام مع أبي وخطبني منه ، ولم يعارض أبي بل كان موافقاً وأخذ رأيي وبعد عدة أيام أخبرته بالموافقة ، وأعطاه أبي موعداً بعد عودتنا للرياض ، يأتي آخر الشهر لعقد القرآن ودفع المهر وسيكون الزواج مختصراً لأن أبي لا يحب المظاهر والضوضاء .
انتهى العام الدراسي وعدنا للرياض وكنت أنتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر ، وفعلاً آتى هشام مع خاله لأمه لأن أبيه متوفى وتم عقد القرآن ، وكان ثلاثة من أشقائي مسافرين سياحة إلا شقيقي سعد كان موجوداً وحدد أبي الزواج في منتصف الشهر القادم وكنت سعيدة بشكل لا أحد يمكن أن يتخيله وأصبحت القريبات يتصلون ويسألون ولم أكن أرد على أي تليفون ولا أرد على أي مكالمة جوال فلقد كنت أحب أن أنجز عملي بهدوء فكانت ربى تأتي معي للسوق لشراء أغراضي أو أخذ أحياناً الخادمة معي لأنه لا مقربات لدّي ، فبنات عمي فضوليات وكلامهن كثير ، وخالاتي كلهن خارج الرياض ..
حضر أشقائي من السفر وسألوا أبي عن العريس وأخبرهم بضع كلمات إنه شاب ناجح وصالح ومن أسرة طيبة من الرياض ويشتغل بالتجارة ، وتم الزواج بسلام مع أن قلبي كان تلك الليلة منقبضاً .. شـعر هشام بنفس احساسي وقبض على يدي بقوة ونحن نخرج من بيتنا ولم أنسى أن أقبّل جبين أبي ويده ، وأشقائي ينظرون لي ولا أعرف سر نظراتهم تلك لهشام ؟! ..
ذهبنا لأحد الفنادق وتوقعت أن نبيت فيه ، لكن هشام طلب مني أن أبدل فستان الزفاف وأرتدي ثوب مريح لأننا سنسافر لسنغافورة الساعة 1 صباحاً ، تذكرت أن ربى حينما ذهبت للتصوير كانت تقول أن هشام سيطير بي أول ليلة خارج السعودية ..مكثنا في سنغافورة أسبوعين ثم عدنا للخليج ولكن اتجهنا للإمارات وجلسنا في دبي أكثر من أسبوعين وكنت خلال هذه الفترة أتصل بأبي وأسلم عليه ، وكان يقول الأوضاع تمام ولا يريد إلا سعادتي ، وكنت فعلاً مشتاقة له جداً .
أخيراً رجعنا للرياض ولم يكن لنا بيت خاص فينا لأننا سنسافر بعد أسبوعين لأبها فلم يتم نقلي عكس ربى التي ظهر خبر نقلها في الجرائد لأنها أمضت سنتين هناك .
جلست مع أبي يومين وكان يسألني عن زواجي وسعادتي وهشام ، وكان يشعر بمدى سعادتي ، في كلامي وابتسامي وهداياي التي قدمتها له ..
لكن خيوط القلق التي كانت تتشابك ليلة الزفاف ظهرت عصر هذا اليوم ، فقد حضر أعمامي وأخوتي وصعقوا أبي بخبر جعله أمامهم كالطفل الصغير فساد الصمت مجلس الرجال ولفت الكآبة أبي وصمتوا ينتظرون منه كلمة !
بعد دقائق ليست بالقصيرة طالبهم بالدليل الثابت على ما يقولونه .. قالوا : ليس هناك أكثر من كلام شيوخ قبيلتنا ، وكبار رجالاتنا .!؟
في هذه الأثناء دخلت عليّ بالمطبخ زوجة أخي خيّال وكانت فتاة طيبة وتحبني ، وأخبرتني حقيقة ما يدور في البيت والأسرة وهو : أن زوجي هشام ليست عائلته أصيلة ، أي لا تنتمي لأي قبيلة عربية .. يعني بالعامية : غير أصيل !
لا أعرف ماذا جرى لي ؟!.. فعلاً .. صدمة .. كارثة بالنسبة لي !
بدأت سعادتي تنهار .. بالتأكيد سأكون الآن تحت أقدام أخوتي كالجارية الذليلة !
جلست أبكي .. أبكي .. وأنا أرجو أن يكون حلم مزعج أو أن كلام هؤلاء الناس أكاذيب .. الآن سيفرح أبناء أعمامي وسيدقون طبول الانتقام .. فهم يعيشون قهر وحقد كبير علّي لأنني لم أتزوج منهم وأنا البنت الجميلة والمتعلمة والتي ترفعت عنهم والآن جاءت ساعة انتقامهم مني .
لكن أنا يا الله .. لا أحب إلا هشام .. ولا أريد إلا الحياة معه .. ليأخذوا مني كل شيء إلا هشام .. ليجردوني من اسم القبيلة والأسرة ويتركوني أن أعيش مع هشام بسلام !
بعد العشاء ذهبت لأبي في المجلس .. يا للهول .. والله لم أصدق أنني سأكون سبباً في بكاء أبي وقهره أو إهانته بين أخوته ورجال قبيلته ..
وجدته منكباً على سجادة الصلاة يبكي .. بكاء .. وما أعظم بكاء الرجال ؟!..
عدت لغرفتي .. لم أتجرأ أن أكلمه .. عرفت أنه لم يخرج للصلاة بالمسجد وأخوتي لم يعودوا للبيت ذهبوا لعشاء عمي الذي أقامه للتباحث في هذا العار الذي أصابهم وهذا السواد الذي دنس ثيابهم الرفيعة كما يقولون !
اتصلت بهشام وحضر .. لم يدخل على أبي بالمجلس بل قابلته في ساحة المنزل وتحدثت معه ، وعرف سر نظرات أخواني ليلة الزفاف ..
تكلم معي وقال : صدقيني أنا أصيل
أسرتي أسرة طيبة وجذورها نقية وننتمي لهذه البلاد ومنذ عرفنا أنفسنا وأهلنا ونحن بالرياض ، بكيت واحتضنني وقال ماذا أفعل ؟!.. الآن ..
ادخل لأبي وأخبره أنك أصيل .. وأن عائلتك تنتمي بالنهاية لقبيلة عربية عريقة .. تراجعت .. تراجعت خطواته للوراء ..
قلت : هيا .. ادخل ..
سيأتي أخواني وأبناء عمي .. وربما يفرقون بيننا .. بسهولة !
واجه هشام أبي واحتار أبي وطلب منه أن يأخذني ويسافر بي لأبها ، وسيتصل بنا بعد أيام .. وفعلاً غادرنا البيت لأبها ..
بعد أسبوع اتصلت بزوجة أخي خيّال لتخبرني ماذا يجري ؟!
وحكت لي ماذا واجه أبي من مصاعب ليؤمن سعادتي ، فقد تم الخصام بينه وبين أخواني ، ولم يقف في صفه إلا سعد فقط ، وتبرأ منه أخوته .. أعمامي .. عند شيخ القبيلة لأنه رفض أن يثبت نسب هشام وأصالة قبيلته ورفض أن يتم تطليقي من هشام .
فصار الفصل والبراءة منه .. أبي الآن .. أصبح منبوذ من أسرته وعشيرته بعدما كان سيد العائلة وبيته مفتوح لهم ومجلسه عامر بالرجالات الكبار ..
قالت : إنها رأت أبي .. يبكي أمام أبنائه حينما جاءوا بورقة البراءة ويقول : لماذا ؟! يتبرأون مني ؟!.. آلانني زوجت ابنتي من أعرف أنه سيسعد ابنتي .. فوالله إن هشام يساوي خمسين من شبابهم ورجالهم .
فصاح ولده الكبير خالد به : يا أبي .. أنت وطيت بكرامتنا الأرض . وأنت لاشك مصاب بسحر أو شيء جعلك تتصرف هكذا وتبيعنا وقبيلتنا هكذا .
ووالله لن أرفع رأسي بين الناس حتى أطلقها منه أو أقتله وارتاح منه ..
فرفع أبي يده ولطمه على وجهه وطالبه بأن يتركوني وشأني وأنه بريء منهم ليوم الدين ولو لمس أحد منهم شعرة واحدة من شعر رأسي فعليه غضب ولعنة من الله ليوم الحساب .
فسكتوا .. وانتهت الأمور على هذا النحو .. وبقيت مع هشام في أيام هادئة . . ومسالمة .. بعد شهر واحد .. اتصلت بي واحدة من بنات عمي نادر وتخبرني أن أبي في العناية المركزة بمستشفى الأمن العام بالرياض .. فطلبت من هشام الذهاب للرياض وليكن ما يكن !
ذهبنا للمستشفى وعند وصولنا .. شاهدت أخوتي في الممر وأبناء أعمامي وكان عددهم حوالي ستة شباب .. وشاهدوني ومعي هشام .. فآتى سعد لا يرتدي شماغ ولا شيء وهو الشاب الأنيق فعرفت من ملامح وجهه أن أبي انتقل لرحمة الله .. احتضنني سعد وهو يبكي كالأطفال ويقول : أبوي ماااات يا العنود .. أبوي ماااات .. نعم مات أبي والسبب ذبحة صدرية .. وقال التقرير الطبي : أنه أصيب بضغوط شديدة .. سببت له وقلبه أصلاً ضعيف .. أما الذي غسله وساعد في تكفينه فقال : إن هذا الرجل الشيبة مات مقهوراً ! ..
كل هذه سمعتها أثناء يوم العزاء .. الأول .. بقيت في بيت أبي للعزاء .. واليوم الثالث .. جاءت عمتي من حائل وهي تبكي والنساء يعزينها ويصبرنها ولما رأتني !
لما رأتني . . مدت يدها ودفعتني بعيداً عنها .. لا تسلمي علّي آيتها الجاحدة لفضل أبيها .. التي اشترت سعادتها ورمت بكرامة أبيها الأرض .. التي دنست اسمه وشرفه .. لو كنتِ حرة أبية .. لما سمحت لنفسك أن تشاهدي عذاب أبيك ولا تفعلي شيء لأجله .. الزوج بدله زوج آيتها المغرورة بنفسها وجمالها وعلمها .. الأب ليس بعده أب .. آيتها المدللة ..
ابتعدي .. لا أسعدك الله في الدنيا والآخرة .. يا من حرمتينا من أطيب انسان وأكرم أخ ..
تكلمت عمتي بهذا الكلام ومجلس العزاء مليء بالقريبات والمعارف والمعزيات .. البيت مليء .. وعمتي أم راكان امرأة كبيرة وتمتاز بالبلاغة والقوة ولا تخاف من أحد .. ولا تهتم لكلام الناس .. وقد عرفت قصة زواجي من أخوتي وأعمامي ..
بكيت .. وبقيت معي خالتي سارة تطيب خاطري وتطالبني بأن لا أهتم بما تقوله هذه العجوز ؟
أبي .. أين أنت يا أبي ؟!.. الدنيا اسودت في عيوني يا أبي ... بعد العزاء .. ناداني سعد وقال : خذي أغراضك وغادري البيت هشام ينتظرك في السيارة قبل أن يأتي أخوتي ..
أخذت حقيبتي اليدوية .. وفيما أنا أخرج إذ بخالد يدخل .. ويسحبني من يدي للداخل .. وقال :
هنا .. مكانك الأخير .. ولن تخرجي إلا لقبرك آيتها المتكبرة .. المتحررة ..
نظرت لسعد وإذ بسعد ينظر للأرض مطأطيء الرأس .. وقال خيّال : انسي هشام .. وادفنيه مع موت أبي ..
بهذه اللحظة فقدت أبي وفقدت زوجي .. وكل التضحيات والمصاعب لم تعد لها قيمة ؟!..
أنا لا حول لي ولا قوة .. فقد كانت قوتي أبي وحياتي أبي ..
أشعر بأنني انتهيت .. انتهيت ..
شهر وأكثر وجاءوا لي بورقة نقلي للرياض بسبب كذبهم في الأوراق فقد قالوا : موت محرمها الأب يجعلها تستحق النقل بأسرع وقت للرياض ..
عشت بعيداً عن هشام وقلبي يتألم .. أعيش مع الناس وكأنني وحدي ..
الذي لم يحسبوا أخوتي حسابه ... أنني ربما أكون حامل !
____________ انتهت ______________