القلم
20-12-2004, 17:13
فريد يجتمع في كل يوم ،من الصباح حتى أخر الليل، في أيام العطل الصيفية الطويلة مع رفاقه ، كان جيلهم يقهر الفراغ ، وكان الفراغ يقهر ساعات شبابهم ..
لم يكن لديهم مشاريع سياحة صيفية أو بما يُسمى ببرنامح الترويح السياحي ، كما هو عليه الأن مع شباب هذا الجيل ، كانوا يصرفون أكثر أيام سياحتهم بين الشوارع و(العواير) ، أو في بيوت أحدهم ..
لم يكن الأكل مكلفاً لهم ، فهو قوت القناعة ، أي أكل يُقدم لهم مقبول بدرجة إمتياز ، ليس للرفض مكانٌ في أجهزتهم الهضمية من حيث التنويع ومن حيث الكميات ..
هم ثلاثة ، كل منهم يحب هذا التجمع ، محبة أخوة ، ومحبة صحبة ، ومحبة جوار ..
متعاهدون فيما بينهم على الوفاء بهذه العلاقة التي نشأت وترعرعت بينهم كجنين خرج من رحم إمه ..
في أحد الأيام ، إكتشفوا ( خربة ) مهجورة ، ليست ببعيدة عن مقر بيوتهم ، هي مغلقة من الخارج ، ولا تعرف الخُطوات طريقاً لها ، ليس بها أقفالٌ من الخارج ، وبابها مغلقة من الداخل ، بابها الخشبي ظهرت عليه علامات التأكل وملامح الكهولة ، فكل مسماميره تأكسدت ، وعند مدخل الباب من الخارج كومة من التراب تلاعبت بذراته بعض خلايا النمل ، علامة على عدم إقتحام هذا الباب منذ آمد بعيد ..
قررهؤلاء الثلاثة ، إقتحام هذا اللغز والتعرف على هوية هذه الخربة ، لن يتمكنوا من الدخول عن طريق الباب ، بل سيتسلقون الجدار المتساقط بعض أجزاءه ، الذي يرتفع ثلاثة أمتار عن منسوب الشارع الضيق ..
تم لهم ما أردوا ، فواحدٌ تلو الأخر تسلقوا الجدار ، وهبطوا في باحة الخربة ، فتصدت لهم قطة ضخمة ، ظهرت عليها التخمة والترف ، إنفردت في باحة الخربة وتملكت المنطقة بمفردها ، فوضعت صغارها الأربعة .. حاولوا نهرها ، مرات ومرات ، ولكنها أصرت على مشاجرتهم والتصدي لهم والدفاع عن مقدساتها الوطنية ، فقام أحدهم بقذفها بحجر كبير وقع على ظهرها ، فسحبت قواتها ، تجر ذيول الهزيمة من أمامهم وتبعها فريقها المكون من أربعة مقاتلين صغاراً لم يبلغوا الحلم ..
شاهدوا حنفية في وسط الباحة ومجموعة من القدور والصحون والملاعق التي إمتلأت تُراباً وصدأً، تفوح منها رائحة عواصف التاريخ ..
فجأة هجمت عليهم كلبة مسعورة ، فنهشت ثوب أحدهم بعدما رمته على الأرض ، فلم يجدوا أمامهم غير قتالها بضراوة فرفع أحدهم أحد القدور المهملة فضربوها بقوة ، فدارت حرب طاحنة بينهم وبينها ، أدت في نهايتها لقتلها وتيتم صغارها الثلاثة ..
الخربة مكونة من باحة ومطبخ وجاخور مهجور خال من الحيوانات ماعدا تلك الكلبة المسعورة التي وضعت صغارها فيه ، وغرفة مغلقة بإحكام من الخارج بقفل وسلسلة صدأة ، حاولوا فتح بابها ، فلم يتمكنوا من فتحه ، حاولوا كسر الباب ، فلم يتمكنوا من كسره ..
أخيراً قرروا المجئ في الغد على أن يجلبوا معهم معدات لفتح الباب ، فخرجوا من الخربة بنفس الطريقة التي أقتحموها ..
فريد ، لم ينم طوال الليل ، فقد شاهد أشباحاً مجنحة تخرج من تلك الغرفة وسمع أصواتاُ مخفية تستنجد بهم ، وتُنادي بإسمائهم ، إسماً إسماً ..
في الصباح أخبر أصدقاءه بمشاهداته السينمائية ، فضحكوا منها ومنه ، بل زادهم إصراراً على الذهاب للخربة مرة أخرى وفتح تلك الغرفة المهجورة ، وتسلقوا الجدار ، فرأتهم ( القطة ) فلم تعترض طريقهم ، بل أخذوا معهم لها ولصغار الكلبة بعضاً من الطعام والماء ..
فكسروا الباب بمعداتهم ، وإقتحموا الغرفة المظلمة ، فلم يتمكنوا من رؤية ما بداخلها لشدة الظلام المتخمر بها وشدة الروائح الكريهة المنبعثة من داخلها ..
حاول أحدهم الدخول ، فنهروه وطلبوا منه عدم المجازفة ، وعليه أن لا يدخل بغير إضاءة ، فتبرع أحدهم لإحضار سراجاً من بيتهم لهم ..
تم إضاءت السراج ، فدخلوا جميعاً للغرفة المهجورة بقدم واحدة ، فشاهدوا دولاباً مغلقاً ومجموعة من الثياب المعلقة وسريراً ومدفئة تعمل بالكيروسين في وسط الغرفة ، وصندوقاً في أحد زوايا الغرفة ، وفي أحد أركان الغرفة مجموعة من الصناديق الكرتونية المرصوصة بعناية فائقة جداً ، التراب عصفت ريحه فوق كل شيء في الغرفة ..
كل منهم تقاسم النظرات فيما بينهم بصمت مطبق ينتابه الخوف والشعور بالرهبة ..
أحدهم تجرأ ففتح الدولاب ، فقفزت فأرة ، سببت لهم ذعراً شديداً ، وجدوا بداخل هذا الدولاب مجموعة من الثياب ووجدوا صندوقاً صغيراً به نقود ، لم يتمكنوا من عدها كم هي ..
فأتجهوا للثياب المعلقة ، فوجدوا بداخل أحدها محفظة وبداخلها نقوداً كذلك ..
ذهبوا للسرير ، فرفعوا غطاءً فوق الفراش ، فتقافزوا وركضوا مسرعين متسلقين جدار الخربة ..
كل منهم يلهث ، كل منهم نسي صاحبه ، كل منهم يُردد ، هيكل عظمي لإنسان ؟ هيكل عظمي لإنسان ؟
كل منهم يصرخ بأعلى صوته .. هل رأيت ؟ هل رأيت ؟ هل رأيت يا فريد ؟
فريد إنهض .. تأخرت عن دوام المدرسة ، وتعوذ من الشيطان من هذه الأحلام المزعجة .. ( قالت له أمه )
لم يكن لديهم مشاريع سياحة صيفية أو بما يُسمى ببرنامح الترويح السياحي ، كما هو عليه الأن مع شباب هذا الجيل ، كانوا يصرفون أكثر أيام سياحتهم بين الشوارع و(العواير) ، أو في بيوت أحدهم ..
لم يكن الأكل مكلفاً لهم ، فهو قوت القناعة ، أي أكل يُقدم لهم مقبول بدرجة إمتياز ، ليس للرفض مكانٌ في أجهزتهم الهضمية من حيث التنويع ومن حيث الكميات ..
هم ثلاثة ، كل منهم يحب هذا التجمع ، محبة أخوة ، ومحبة صحبة ، ومحبة جوار ..
متعاهدون فيما بينهم على الوفاء بهذه العلاقة التي نشأت وترعرعت بينهم كجنين خرج من رحم إمه ..
في أحد الأيام ، إكتشفوا ( خربة ) مهجورة ، ليست ببعيدة عن مقر بيوتهم ، هي مغلقة من الخارج ، ولا تعرف الخُطوات طريقاً لها ، ليس بها أقفالٌ من الخارج ، وبابها مغلقة من الداخل ، بابها الخشبي ظهرت عليه علامات التأكل وملامح الكهولة ، فكل مسماميره تأكسدت ، وعند مدخل الباب من الخارج كومة من التراب تلاعبت بذراته بعض خلايا النمل ، علامة على عدم إقتحام هذا الباب منذ آمد بعيد ..
قررهؤلاء الثلاثة ، إقتحام هذا اللغز والتعرف على هوية هذه الخربة ، لن يتمكنوا من الدخول عن طريق الباب ، بل سيتسلقون الجدار المتساقط بعض أجزاءه ، الذي يرتفع ثلاثة أمتار عن منسوب الشارع الضيق ..
تم لهم ما أردوا ، فواحدٌ تلو الأخر تسلقوا الجدار ، وهبطوا في باحة الخربة ، فتصدت لهم قطة ضخمة ، ظهرت عليها التخمة والترف ، إنفردت في باحة الخربة وتملكت المنطقة بمفردها ، فوضعت صغارها الأربعة .. حاولوا نهرها ، مرات ومرات ، ولكنها أصرت على مشاجرتهم والتصدي لهم والدفاع عن مقدساتها الوطنية ، فقام أحدهم بقذفها بحجر كبير وقع على ظهرها ، فسحبت قواتها ، تجر ذيول الهزيمة من أمامهم وتبعها فريقها المكون من أربعة مقاتلين صغاراً لم يبلغوا الحلم ..
شاهدوا حنفية في وسط الباحة ومجموعة من القدور والصحون والملاعق التي إمتلأت تُراباً وصدأً، تفوح منها رائحة عواصف التاريخ ..
فجأة هجمت عليهم كلبة مسعورة ، فنهشت ثوب أحدهم بعدما رمته على الأرض ، فلم يجدوا أمامهم غير قتالها بضراوة فرفع أحدهم أحد القدور المهملة فضربوها بقوة ، فدارت حرب طاحنة بينهم وبينها ، أدت في نهايتها لقتلها وتيتم صغارها الثلاثة ..
الخربة مكونة من باحة ومطبخ وجاخور مهجور خال من الحيوانات ماعدا تلك الكلبة المسعورة التي وضعت صغارها فيه ، وغرفة مغلقة بإحكام من الخارج بقفل وسلسلة صدأة ، حاولوا فتح بابها ، فلم يتمكنوا من فتحه ، حاولوا كسر الباب ، فلم يتمكنوا من كسره ..
أخيراً قرروا المجئ في الغد على أن يجلبوا معهم معدات لفتح الباب ، فخرجوا من الخربة بنفس الطريقة التي أقتحموها ..
فريد ، لم ينم طوال الليل ، فقد شاهد أشباحاً مجنحة تخرج من تلك الغرفة وسمع أصواتاُ مخفية تستنجد بهم ، وتُنادي بإسمائهم ، إسماً إسماً ..
في الصباح أخبر أصدقاءه بمشاهداته السينمائية ، فضحكوا منها ومنه ، بل زادهم إصراراً على الذهاب للخربة مرة أخرى وفتح تلك الغرفة المهجورة ، وتسلقوا الجدار ، فرأتهم ( القطة ) فلم تعترض طريقهم ، بل أخذوا معهم لها ولصغار الكلبة بعضاً من الطعام والماء ..
فكسروا الباب بمعداتهم ، وإقتحموا الغرفة المظلمة ، فلم يتمكنوا من رؤية ما بداخلها لشدة الظلام المتخمر بها وشدة الروائح الكريهة المنبعثة من داخلها ..
حاول أحدهم الدخول ، فنهروه وطلبوا منه عدم المجازفة ، وعليه أن لا يدخل بغير إضاءة ، فتبرع أحدهم لإحضار سراجاً من بيتهم لهم ..
تم إضاءت السراج ، فدخلوا جميعاً للغرفة المهجورة بقدم واحدة ، فشاهدوا دولاباً مغلقاً ومجموعة من الثياب المعلقة وسريراً ومدفئة تعمل بالكيروسين في وسط الغرفة ، وصندوقاً في أحد زوايا الغرفة ، وفي أحد أركان الغرفة مجموعة من الصناديق الكرتونية المرصوصة بعناية فائقة جداً ، التراب عصفت ريحه فوق كل شيء في الغرفة ..
كل منهم تقاسم النظرات فيما بينهم بصمت مطبق ينتابه الخوف والشعور بالرهبة ..
أحدهم تجرأ ففتح الدولاب ، فقفزت فأرة ، سببت لهم ذعراً شديداً ، وجدوا بداخل هذا الدولاب مجموعة من الثياب ووجدوا صندوقاً صغيراً به نقود ، لم يتمكنوا من عدها كم هي ..
فأتجهوا للثياب المعلقة ، فوجدوا بداخل أحدها محفظة وبداخلها نقوداً كذلك ..
ذهبوا للسرير ، فرفعوا غطاءً فوق الفراش ، فتقافزوا وركضوا مسرعين متسلقين جدار الخربة ..
كل منهم يلهث ، كل منهم نسي صاحبه ، كل منهم يُردد ، هيكل عظمي لإنسان ؟ هيكل عظمي لإنسان ؟
كل منهم يصرخ بأعلى صوته .. هل رأيت ؟ هل رأيت ؟ هل رأيت يا فريد ؟
فريد إنهض .. تأخرت عن دوام المدرسة ، وتعوذ من الشيطان من هذه الأحلام المزعجة .. ( قالت له أمه )