مسلم أون لاين
29-10-2004, 16:06
قصة الدكتور وليد من القصص التي استمتعت بقراءتها شخصياً وشدتني كثيراً لدرجة أني قرأتها أكثر من مرة. ولو قيض لنا اختيار أكثر من ثلاث قصص فائزة لكانت هذه القصة من بينها بالتأكيد. استخلصت من بعد قراءتي لهذه القصة أن كاتبها ليس فقط متمكناً من مجاله المهني ولكنه متمكن أيضاً في البعد الأدبي والثقافي الأوسع. ولئلا لا أطيل عليكم سأدخل مباشرة في ثنايا وتلافيف هذه القصة الجميلة راجياً من الله أن ينفعنا جميعا بما نسمع ونرى ونقرأ.
كاتب هذه القصة لم يحدد زماناً أو مكاناً ولكنه حمّل قصته بعض الإشارات المتفرقة التي لو قرأناها بالشكل الصحيح ستنبئنا عن الزمان والمكان أو الأماكن التي جرت فيها أحداث قصتنا. بادٍ في هذه القصة جلياً تأثر كاتبها بمهنته الطبية من خلال الشرح المفصل لحالة زوجة بطل القصة المَرَضِية وأيضاً من خلال السياق العام للقصة الذي يدور في أروقة المستشفيات وغرف العمليات وصالات الانتظار. مما يجعلني أتساءل: هل للدكتور وليد محاولات قصصية لا تتطرق لهموم ومتاعب أشرف المهن ؟
الحدث الدرامي يتصاعد في هذه القصة بشكل ثابت ولكن هادئ، فتكاد لا تحس به حتى تجري بالقارئ الثواني والدقائق وهو منغمس في أحداث هذه القصة. فما يكاد القارئ يتجاوز البداية من خلال السرد التمهيدي حتى تتسارع الخطى وصولاً إلى قلب الحدث في غرفة العمليات أثناء إجراء العملية لزوجة بطل القصة. ولم نكد نلتقط الأنفاس ونحمد الله على سلامة زوجة بطل القصة حتى يتصاعد التوتر من جديد من خلال الاتصال الذي تلقاّه البطل من أخت زوجته تطلب منه موافاتها حالاً لأمر هام يخص حالة زوجته. وما أن تنتهي هذه المعضلة حتى تفاجأ بهزة تراجيدية أخيرة تمثلت في طلب الشيخ (للصوندة) الاحتياطية والموقف الإنساني الصعب الذي وجد بطل القصة نفسه فيه. أحداث هذه القصة أشبهها بالزلزال الذي يتكون من هزة رئيسية تعقبها اهتزازات فرعية. وإن دل ذلك على شئ فيدل على الكم الذي تحتويه هذه القصة من الحيوية والحركة وبعدها عن طابع الجمود والرتابة.
لفت نظري التصوير الأدبي المعبر لحالة بطل القصة قبل سفره بزوجته لإجراء العملية، وذلك تحديداً بالعبارة التالية: "هكذا كان يفكر طوال ليله، عندما تكالبت عليه الهواجس، وأقضت مضجعه، واستعبدته الأفكار والقلق، وأصبح أسير المخاوف." وهناك أيضاً تشبيه بلاغي جميل ومعبر في عبارة: "أي أن مريضه كل يوم يستلم دواءً مختلفاً، في وضع أشبه ما يكون بمطاردة شبح لا يعرف له مكاناً أو زماناً."
أثارت القصة معضلة أخلاقية وتساؤلات من خلال أحد الأحداث التي أجبرت البطل أو الشخصية الرئيسية في هذه القصة على مراجعة النفس وإعادة التفكير في مواقفه وأفكاره. ولمناقشة هذه النقطة الهامة جداً في سياق القصة يحسن بنا إعادة قراءة الجزء محل البحث وذلك كما يلي: "وهاهو الآن يفعل ما كان بالأمس ينهى عنه الناس، ويقول في نفسه إنها الحاجة. ومثلما خالف مبادئه باللجوء إلى السوق السوداء، خالف مبادئه مرة أخرى عندما فكر بأن يجلب معه عهدته التي يستلمها من صيدلية المستشفى على اعتبار أنه جراح، وخالف مبادئه عندما فكر بأنه يستطيع صرف هذه العهدة لزوجته وهي التي لا يجوز له صرفها إلا لمرضاه." وعليه أتساءل، هل هناك لحظات أو مواقف تجبر الإنسان على أن يخالف مبادئه وما تعارف عليه في ضميره أنه من المسلمات ! هذه واحدة من أكبر المفارقات الأخلاقية التي أثارتها هذه القصة الإنسانية المفعمة بأحاسيس من رومانسية مبطنة، قد أطلق عليها مصطلح رومانسية الموقف لا رومانسية الكلمة أو المكان أو الزمان.
كاتب هذه القصة يتميز بنظرة فيها الكثير من الواقعية والقليل من الحلم. نظرة لا تقبل التسويات أو المساومات أو أنصاف الحلول. فهو يصف الأشياء والمواقف بمسمياتها ولا يميل إلى الالتفاف عليها، ومن ذلك ملاحظاته شبه الدقيقة ووصفه للحالة الطبية لزوجة البطل عند بداية المرض وأثناء إجراء العملية وبعد إجرائها. وكذلك عندما وصف المبلغ المدفوع للممرض بأنه "رشوة" ولم يقل إكرامية مثلاً. شدتني أيضاً هذه الحقيبة السحرية الرائعة التي أحضرها الطبيب بطل القصة معه، وحملها بكل ما يمكن أن يحتاج إليه من مواد لإجراء العملية، فلله درها من حقيبة، لم يطلب الجراح شيئاً إلا ووجدناه في هذه الحقيبة التي اختزلت مستشفاً في حقيبة ! حتى أصبحت محل النظر ومهوى قلوب وأفئدة المنتظرين، الذين تقطعت قلوبهم حزناً وكمداً لافتقارهم لمثل هذه الحقيبة العجيبة. ولأن الكمال لله جل وعلا، فقد كان هناك شئ من النقص في الموقف الذي رفع فيه بطل القصة صوته قائلاً لأهالي المرضى أنه عنده (صوندة) أخرى لمن يحتاجها منهم في الوقت الذي نعرف فيه من سياق الأحداث أنه يفترض أن يكون موجوداً في غرفة العمليات لمتابعة عملية زوجته وليس في صالة الإنتظار. وهذه كانت مجرد ملاحظة عابرة ليس لها تأثير على مجريات القصة ونسقها العام المحكم، ولكني أوردتها للعبرة فقط. وبالمثل هناك أيضاً عبارة لفتت نظري ولم أتمكن من أن أجد لها محلاً في المعنى وهي: "لكنه تذكر في النهاية بأن العناية الإلهية كانت ستأخذ منه (الصوندة) رغماً عنه، سواء عن طريق الشيخ المسكين أو عن طريق حصول مضاعفات فريدة وغير مبررة لزوجته."
ومما يحسب لكاتب القصة أنه وضح معاني بعض الألفاظ أو ما يقصده من ورائها، كتفسيره ما المقصود بـ (الصوندة) أو الهاتف العمومي، وهكذا.
وختاماً اشكر الدكتور وليد جزيل الشكر على مشاركتنا في هذه المسابقة الأدبية اللطيفة، وإتاحته الفرصة لنا لقراءة ما خطته أنامله من إنتاج قصصي حافل بالأحداث المثيرة والحوارات الجميلة والمواقف الإنسانية. وكذلك تصويره لحالة بلد يئن تحت وطأة الحصار سابقاً والاحتلال، احتلال من الداخل واحتلال من الخارج.
بارك الله فيك وبك يا دكتور وليد وأشكرك بالأصالة عن نفسي ونيابة عن لجنة التحكيم في مسابقة القصة القصيرة على هذه المشاركة الموفقة. ولعلي في هذا المقام أناشد طبيب المرآة أن يتحفنا بجديده من مثل هذه القصة الرائعة، ونحن في شوق دوماً للإطلاع على هذا الجديد والاستمتاع بقراءته.
والله من وراء القصد ...
كاتب هذه القصة لم يحدد زماناً أو مكاناً ولكنه حمّل قصته بعض الإشارات المتفرقة التي لو قرأناها بالشكل الصحيح ستنبئنا عن الزمان والمكان أو الأماكن التي جرت فيها أحداث قصتنا. بادٍ في هذه القصة جلياً تأثر كاتبها بمهنته الطبية من خلال الشرح المفصل لحالة زوجة بطل القصة المَرَضِية وأيضاً من خلال السياق العام للقصة الذي يدور في أروقة المستشفيات وغرف العمليات وصالات الانتظار. مما يجعلني أتساءل: هل للدكتور وليد محاولات قصصية لا تتطرق لهموم ومتاعب أشرف المهن ؟
الحدث الدرامي يتصاعد في هذه القصة بشكل ثابت ولكن هادئ، فتكاد لا تحس به حتى تجري بالقارئ الثواني والدقائق وهو منغمس في أحداث هذه القصة. فما يكاد القارئ يتجاوز البداية من خلال السرد التمهيدي حتى تتسارع الخطى وصولاً إلى قلب الحدث في غرفة العمليات أثناء إجراء العملية لزوجة بطل القصة. ولم نكد نلتقط الأنفاس ونحمد الله على سلامة زوجة بطل القصة حتى يتصاعد التوتر من جديد من خلال الاتصال الذي تلقاّه البطل من أخت زوجته تطلب منه موافاتها حالاً لأمر هام يخص حالة زوجته. وما أن تنتهي هذه المعضلة حتى تفاجأ بهزة تراجيدية أخيرة تمثلت في طلب الشيخ (للصوندة) الاحتياطية والموقف الإنساني الصعب الذي وجد بطل القصة نفسه فيه. أحداث هذه القصة أشبهها بالزلزال الذي يتكون من هزة رئيسية تعقبها اهتزازات فرعية. وإن دل ذلك على شئ فيدل على الكم الذي تحتويه هذه القصة من الحيوية والحركة وبعدها عن طابع الجمود والرتابة.
لفت نظري التصوير الأدبي المعبر لحالة بطل القصة قبل سفره بزوجته لإجراء العملية، وذلك تحديداً بالعبارة التالية: "هكذا كان يفكر طوال ليله، عندما تكالبت عليه الهواجس، وأقضت مضجعه، واستعبدته الأفكار والقلق، وأصبح أسير المخاوف." وهناك أيضاً تشبيه بلاغي جميل ومعبر في عبارة: "أي أن مريضه كل يوم يستلم دواءً مختلفاً، في وضع أشبه ما يكون بمطاردة شبح لا يعرف له مكاناً أو زماناً."
أثارت القصة معضلة أخلاقية وتساؤلات من خلال أحد الأحداث التي أجبرت البطل أو الشخصية الرئيسية في هذه القصة على مراجعة النفس وإعادة التفكير في مواقفه وأفكاره. ولمناقشة هذه النقطة الهامة جداً في سياق القصة يحسن بنا إعادة قراءة الجزء محل البحث وذلك كما يلي: "وهاهو الآن يفعل ما كان بالأمس ينهى عنه الناس، ويقول في نفسه إنها الحاجة. ومثلما خالف مبادئه باللجوء إلى السوق السوداء، خالف مبادئه مرة أخرى عندما فكر بأن يجلب معه عهدته التي يستلمها من صيدلية المستشفى على اعتبار أنه جراح، وخالف مبادئه عندما فكر بأنه يستطيع صرف هذه العهدة لزوجته وهي التي لا يجوز له صرفها إلا لمرضاه." وعليه أتساءل، هل هناك لحظات أو مواقف تجبر الإنسان على أن يخالف مبادئه وما تعارف عليه في ضميره أنه من المسلمات ! هذه واحدة من أكبر المفارقات الأخلاقية التي أثارتها هذه القصة الإنسانية المفعمة بأحاسيس من رومانسية مبطنة، قد أطلق عليها مصطلح رومانسية الموقف لا رومانسية الكلمة أو المكان أو الزمان.
كاتب هذه القصة يتميز بنظرة فيها الكثير من الواقعية والقليل من الحلم. نظرة لا تقبل التسويات أو المساومات أو أنصاف الحلول. فهو يصف الأشياء والمواقف بمسمياتها ولا يميل إلى الالتفاف عليها، ومن ذلك ملاحظاته شبه الدقيقة ووصفه للحالة الطبية لزوجة البطل عند بداية المرض وأثناء إجراء العملية وبعد إجرائها. وكذلك عندما وصف المبلغ المدفوع للممرض بأنه "رشوة" ولم يقل إكرامية مثلاً. شدتني أيضاً هذه الحقيبة السحرية الرائعة التي أحضرها الطبيب بطل القصة معه، وحملها بكل ما يمكن أن يحتاج إليه من مواد لإجراء العملية، فلله درها من حقيبة، لم يطلب الجراح شيئاً إلا ووجدناه في هذه الحقيبة التي اختزلت مستشفاً في حقيبة ! حتى أصبحت محل النظر ومهوى قلوب وأفئدة المنتظرين، الذين تقطعت قلوبهم حزناً وكمداً لافتقارهم لمثل هذه الحقيبة العجيبة. ولأن الكمال لله جل وعلا، فقد كان هناك شئ من النقص في الموقف الذي رفع فيه بطل القصة صوته قائلاً لأهالي المرضى أنه عنده (صوندة) أخرى لمن يحتاجها منهم في الوقت الذي نعرف فيه من سياق الأحداث أنه يفترض أن يكون موجوداً في غرفة العمليات لمتابعة عملية زوجته وليس في صالة الإنتظار. وهذه كانت مجرد ملاحظة عابرة ليس لها تأثير على مجريات القصة ونسقها العام المحكم، ولكني أوردتها للعبرة فقط. وبالمثل هناك أيضاً عبارة لفتت نظري ولم أتمكن من أن أجد لها محلاً في المعنى وهي: "لكنه تذكر في النهاية بأن العناية الإلهية كانت ستأخذ منه (الصوندة) رغماً عنه، سواء عن طريق الشيخ المسكين أو عن طريق حصول مضاعفات فريدة وغير مبررة لزوجته."
ومما يحسب لكاتب القصة أنه وضح معاني بعض الألفاظ أو ما يقصده من ورائها، كتفسيره ما المقصود بـ (الصوندة) أو الهاتف العمومي، وهكذا.
وختاماً اشكر الدكتور وليد جزيل الشكر على مشاركتنا في هذه المسابقة الأدبية اللطيفة، وإتاحته الفرصة لنا لقراءة ما خطته أنامله من إنتاج قصصي حافل بالأحداث المثيرة والحوارات الجميلة والمواقف الإنسانية. وكذلك تصويره لحالة بلد يئن تحت وطأة الحصار سابقاً والاحتلال، احتلال من الداخل واحتلال من الخارج.
بارك الله فيك وبك يا دكتور وليد وأشكرك بالأصالة عن نفسي ونيابة عن لجنة التحكيم في مسابقة القصة القصيرة على هذه المشاركة الموفقة. ولعلي في هذا المقام أناشد طبيب المرآة أن يتحفنا بجديده من مثل هذه القصة الرائعة، ونحن في شوق دوماً للإطلاع على هذا الجديد والاستمتاع بقراءته.
والله من وراء القصد ...