أبوعلي
09-03-2004, 21:40
الشعرالعربي الحديث
هو نغم شعري جديد قريب من الأذن العربية لأنه نابت من دوحة الشعر العربي وغير منفصل عنها
ويشكل غصنا جديدا نابتا بين أغصان دوحة الأوزان العربية الخالدة والتي أساسها ستة عشر بحرا
يتفرع منها مايزيد على المائة والخمسين نوعا من الأوزان المتنوعة الرائعة المتطورة والمتجددة في كل العصور بولادة الكثير من المجزوءات والمنهوكات والموشحات والمشابهات لهذا النوع الجديد الذي كان آخر المواليد
وهومجرد فرع صغير جديد أجاد فيه بعض شعراء عصرنا المتمكنين من الأوزان العربية الأصيلة .
ويتسم الشعر الحديث بطابع الحرية والتوتر، فهو ابن عصره، وهو يعتمد الإيحاء لا العرض،واقتناص اللمحات ؛؛؛
وهو على ثلاثة أنواع :
1- الحر :وهو القائم على نظام ( التفعيلة الواحدة) ملتزما بها وهي مأخوذة من أحد ستة بحور فقط من أوزان الشعر العربي التي لايحوي بحرها سوى تفعيلة واحدة تتكرر في البيت كله وهي :
أ- مسْتَفْعِلُن من الرجز ب – مُتَفَاعِلُن من الكامل ج – فاعِلاتُن من الرّمل د- فاعِلُن أو فَعِلُن من المتدارك
هـ– مُفَاعَلَتن من مجزوء الوافر وقد تسكن لامها فتير مفاعيلن من الهزج و- فَعُولُن من المتقارب .
ولايختلف الشعر الحر عن الشعر القديم إلاّ بعدم التقيد بعدد التفعلات التي يلتزمها القديم لكل بيت على حدة
وبعدم التزام القافية ؛؛؛
فالجديد يتحرر من نظام البيت المستقل ويجعل التفعيلة الواحدة ركيزته فقط ؛ يكررها الشاعر حسب حاجة
المعنى ومن هنا سمي ( الحر ) كما أنه لايلتزم بقافية واحدة فقد تتوحد وقد تتنوع ولكنه لايستغني عنها .
2- الشثر: وهي كلمة مأخوذة من كلمتي ( شعر ونثر ) وذلك لأنه خليط من تعابير وأساليب شعرية ونثرية وقد تأتي فيه بعض تفاعيل وقد ينفلت منها ومن القوافي ؛ويدافع أنصاره عن نثريته بقولهم : ( إن فيه موسيقى داخلية) مجردة من العروض العربي ولاصحة لذلك فالموسيقى هي الأوزان وبدونها الكلام نثر ؛ وهو انحراف عن الشعر الحر ؛ وعجز عن التقيد حتى بالتفعيلة الواحدة .
وقد تولد منه ( الشعر المنثور) أو ( النثر المشعور) .
3- النّعر : وهي كلمة مأخوذة من كلمتي نثر وشعر بتقديم نون النثر لأنه أقرب إلى النثر التام وليس فيه من الشعر إلاّ ادعاء أصحابه بالتسمية بالشعر فقط ؛ فهو مجرد ألفاظ عربية أو أجنبية أحيانا غير مترابطة بتركيب عربي مفهوم خالية من التفاعيل والقوافي والمعاني الواضحة والتراكيب العربية العادية .
وأول شروطه عندهم الغموض التام لأنه إذ كان مفهوما يكون تقريرا سطحيا كما يقولون .
الشعر الحديث في مفهوم شاعرنا الكبير محمود البريكان
الشعر الحديث كما يفهمه البريكان هو:( نفاذ لأعماق إنسان العصر، يتجاوز مظهر العاطفة، ولابد أن يصدر عن ألذات الحقيقية للإنسان، لاعن شخصيته المصنوعة المطبوعة بطابع البيئة والتقاليد )
كما يؤكد البريكان من أن الحداثة ليست سمات مظهرية. بل هي التحسس العميق لوضع الإنسان الحديث متبلورا في صيغة فنية مناسبة.فالأصالة إذن تأتي أولاً، وخارج نطاقها تصبح غير ذات موضوع.
وفي اللقاء المهم الذي أجراه معه الشاعر حسين عبد اللطيف والذي نشر عام 1969، ونشرته جريدة ثقافة 11 في عددها السادس عام 1998 التي تصدر في هولندا يكشف البريكان فيه عن حس شمولي لمفهوم الحداثة لم نجده عند أي شاعر حديث في زمنه. فهو ينطلق بالحداثة من موقف فلسفي عميق لمفهوم متأصل في تكوين الإنسان المسئول نفسه، وليس الإنسان العادي. فالشعر عنده مسؤولية كونية..
ويرى البريكان (من أن الشعر فن لا يقبل التسخير، ولا يحيا مع الحذلقة، وليس الشعر وسيلة لتحقيق إي غرض مباشر، ولا طريقة للتنفيس عن عواطف فجة ومن ثم فهو لا يخضع للتنظيم الخارجي. وقلما يعكس رغبات الشاعر اليومية. لأن منطقته ، منطقة ألذات العميقة، فالشعر هو أبن النزوع الإنساني، وموضوعه الأساس تجربة الوجود بكل شمولها. وهو تمثل خاص لواقع التغيّر في الزمن، وقلق المصير والتأرجح بين الراهن والمنشود).
إن شاعرا يفهم الحداثة مثل هذا الفهم العميق لا يمكنه أن يكون شائعا بين أقرانه ولا في مجتمعه، شاعر مادته الحداثة لا يمكنه إلا أن يرافق العزلة ولعله الموقف الذي دفع به لأن يرفض أن يكون في جوقة المداحين للأنظمة، مما جلب عليه غضب الساسة والمريدين.
مقتطفات من الشعر العربي الحديث
نازك الملائكة
شاعرة عراقية تمثل أحد أبرز الأوجه المعاصرة للشعر العربي الحديث، الذي يكشف عن ثقافة عميقة الجذور بالتراث والوطن والإنسان.
تكاد تكون نازك الملائكة رائدة للشعر الحديث، بالرغم من إن مسألة السبق في "الريادة" لم تحسم بعد بينها وبين بدر شاكر السياب، ولكن نازك نفسها تؤكد على تقدمها في هذا المجال عندما تذكر في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" بأنها أول من قال قصيدة الشعر الحر، وهي قصيدة "الكوليرا" عام 1947. أما الثاني -في رأيها- فهو بدر شاكر السياب في ديوانه "أزهار ذابلة" الذي نشر في كانون الأول من السنة نفسها.
ولدت نازك الملائكة في بغداد عام 1923 وتخرجت في دار المعلمين عام 1944، وفي عام 1949 تخرجت في معهد الفنون الجميلة "فرع العود"، لم تتوقف في دراستها الأدبية والفنية إلى هذا الحد إذ درست اللغة اللاتينية في جامعة برستن في الولايات المتحدة الأمريكية، كذلك درست اللغة الفرنسية والإنكليزية وأتقنت الأخيرة وترجمت بعض الأعمال الأدبية عنها، وفي عام 1959 عادت إلى بغداد بعد أن قضت عدة سنوات في أمريكا لتتجه إلى انشغالاتها الأدبية في مجالي الشعر والنقد، والتحقت عام 1954 بالبعثة العراقية إلى جامعة وسكونسن لدراسة الأدب المقارن، وقد ساعدتها دراستها هذه المرة للاطلاع على اخصب الآداب العالمية، فإضافة لتمرسها بالآداب الإنكليزية والفرنسية فقد اطلعت على الأدب الألماني والإيطالي والروسي والصيني والهندي.
اشتغلت بالتدريس في كلية التربية ببغداد عام 1957، وخلال عامي 59 و1960 تركت العراق لتقيم في بيروت وهناك أخذت بنشر نتاجاتها الشعرية والنقدية، ثم عادت إلى العراق لتدرس اللغة العربية وآدابها في جامعة البصرة.
وهذه بعض مقتطفات من أشعارها:
أي معنى لطموحي ورجائي شهد الموت بضعفي البشري
مثلي العليا وحلمي وسمائي كلها أوهام قلــب شاعـري
هكذا قالوا فما معنى بقـائي رحمة الأقدار بالقلب الشقـي
لا أريد العيش في وادي العبيد بين أموات وان لم يــدفنوا
جثث ترسف في اسر القيـود وتماثيل احتوتها الأعيــن
أبدا اسمعهم عذب نشيــدي وهم نوم عميـــق محزن
لا يظنوا انهم قد سحقـــوه فهو ما زال جمالاً ونقــا
سوف تمضي في التسابيح سنوه وهم في الشر فجراً ومسـاء
ظلت نازك الملائكة عاشقة لفورة الحياة حتى وهي ترقد عليلة مستسلمة لأوجاع مرضها الأليم:
جسدي في الألم خاطري في القيود
بين همس العدم وصراخ الوجـود
وسكوني حيـاة وظلامي بريــق
النجـاة النجـاة من شعوري العميق
في دمي إعصار عاصف بالجمـود
وشضايـا نـار تتحـدى الركـود
بدر شاكر السياب
ولد في جنوب العراق في قرية جيكور في البصرة عام 1926م وبعد ولادته بست سنوات توفيت والدته. تخرج عام 1948 من دار المعلمين في بغداد. ومن مقهى الزهاوي بدأت حياته الأدبية ونشرت قصائده لأول مرة في جريدة الاتحاد.
تزوج عام 1955 وانجب طفلتين.
بدأ حياته حزينا وانتهى بائسا تنقل بين بيروت وباريس ولندن من اجل العلاج من مرض السل ورحل يوم 24/12/1964 تاركا خلفه ارثا شعريا كبيرا.
مقتطفات من شعره:
أنشودة المطر
عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ ،
أو شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ .
عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ
وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ ...كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ
يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْنَاً سَاعَةَ السَّحَرْ
كَأَنَّمَا تَنْبُضُ في غَوْرَيْهِمَا ، النُّجُومْ ...
وَتَغْرَقَانِ في ضَبَابٍ مِنْ أَسَىً شَفِيفْ
كَالبَحْرِ سَرَّحَ اليَدَيْنِ فَوْقَـهُ المَسَاء ،
دِفءُ الشِّتَاءِ فِيـهِ وَارْتِعَاشَةُ الخَرِيف ،
وَالمَوْتُ ، وَالميلادُ ، والظلامُ ، وَالضِّيَاء ؛
فَتَسْتَفِيق مِلء رُوحِي ، رَعْشَةُ البُكَاء
كنشوةِ الطفلِ إذا خَافَ مِنَ القَمَر !
كَأَنَّ أَقْوَاسَ السَّحَابِ تَشْرَبُ الغُيُومْ
وَقَطْرَةً فَقَطْرَةً تَذُوبُ في المَطَر ...
وَكَرْكَرَ الأَطْفَالُ في عَرَائِشِ الكُرُوم ،
وَدَغْدَغَتْ صَمْتَ العَصَافِيرِ عَلَى الشَّجَر
أُنْشُودَةُ المَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر...
مَطَر...
تَثَاءَبَ الْمَسَاءُ ، وَالغُيُومُ مَا تَزَال
تَسِحُّ مَا تَسِحّ من دُمُوعِهَا الثِّقَالْ .
كَأَنَّ طِفَلاً بَاتَ يَهْذِي قَبْلَ أنْ يَنَام :
بِأنَّ أمَّـهُ - التي أَفَاقَ مُنْذُ عَامْ
فَلَمْ يَجِدْهَا ، ثُمَّ حِينَ لَجَّ في السُّؤَال
قَالوا لَهُ : " بَعْدَ غَدٍ تَعُودْ .. " -
لا بدَّ أنْ تَعُودْ
وَإنْ تَهَامَسَ الرِّفَاقُ أنَّـها هُنَاكْ
في جَانِبِ التَّلِّ تَنَامُ نَوْمَةَ اللُّحُودْ
تَسفُّ مِنْ تُرَابِـهَا وَتَشْرَبُ المَطَر ؛
كَأنَّ صَيَّادَاً حَزِينَاً يَجْمَعُ الشِّبَاك
وَيَنْثُرُ الغِنَاءَ حَيْثُ يَأْفلُ القَمَرْ .
مَطَر ...
مَطَر ...
أتعلمينَ أيَّ حُزْنٍ يبعثُ المَطَر ؟
وَكَيْفَ تَنْشج المزاريبُ إذا انْهَمَر ؟
وكيفَ يَشْعُرُ الوَحِيدُ فِيهِ بِالضّيَاعِ ؟
بِلا انْتِهَاءٍ - كَالدَّمِ الْمُرَاقِ ، كَالْجِياع ،
كَالْحُبِّ ، كَالأطْفَالِ ، كَالْمَوْتَى - هُوَ الْمَطَر !
وَمُقْلَتَاكِ بِي تُطِيفَانِ مَعِ الْمَطَر
وَعَبْرَ أَمْوَاجِ الخَلِيج تَمْسَحُ البُرُوقْ
سَوَاحِلَ العِرَاقِ بِالنُّجُومِ وَالْمَحَار ،
كَأَنَّهَا تَهمُّ بِالشُّرُوق
فَيَسْحَب الليلُ عليها مِنْ دَمٍ دِثَارْ .
أصيح بالخليج : " يا خليجْ
يا واهبَ اللؤلؤ ، والمحار ، والردى ! "
فيرجعُ الصَّدَى
كأنَّـه النشيجْ :
" يَا خَلِيجْ
يَا وَاهِبَ المَحَارِ وَالرَّدَى ... "
أَكَادُ أَسْمَعُ العِرَاقَ يذْخرُ الرعودْ
ويخزن البروق في السهولِ والجبالْ ،
حتى إذا ما فَضَّ عنها ختمَها الرِّجالْ
لم تترك الرياحُ من ثمودْ
في الوادِ من أثرْ .
أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر
وأسمع القرى تَئِنُّ ، والمهاجرين
يُصَارِعُون بِالمجاذيف وبالقُلُوع ،
عَوَاصِفَ الخليج ، والرُّعُودَ ، منشدين :
" مَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ...
وفي العِرَاقِ جُوعْ
وينثر الغلالَ فيه مَوْسِمُ الحصادْ
لتشبعَ الغِرْبَان والجراد
وتطحن الشّوان والحَجَر
رِحَىً تَدُورُ في الحقول … حولها بَشَرْ
مَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ...
وَكَمْ ذَرَفْنَا لَيْلَةَ الرَّحِيلِ ، مِنْ دُمُوعْ
ثُمَّ اعْتَلَلْنَا - خَوْفَ أَنْ نُلامَ – بِالمَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ...
وَمُنْذُ أَنْ كُنَّا صِغَارَاً ، كَانَتِ السَّمَاء
تَغِيمُ في الشِّتَاء
وَيَهْطُل المَطَر ،
وَكُلَّ عَامٍ - حِينَ يُعْشُب الثَّرَى- نَجُوعْ
مَا مَرَّ عَامٌ وَالعِرَاقُ لَيْسَ فِيهِ جُوعْ .
مَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ..."
*********************
ملاحظة/ هذا مااستطعت جمعه وأرحب بكل إضافة تتعلق بالموضوع وتثريه .
هو نغم شعري جديد قريب من الأذن العربية لأنه نابت من دوحة الشعر العربي وغير منفصل عنها
ويشكل غصنا جديدا نابتا بين أغصان دوحة الأوزان العربية الخالدة والتي أساسها ستة عشر بحرا
يتفرع منها مايزيد على المائة والخمسين نوعا من الأوزان المتنوعة الرائعة المتطورة والمتجددة في كل العصور بولادة الكثير من المجزوءات والمنهوكات والموشحات والمشابهات لهذا النوع الجديد الذي كان آخر المواليد
وهومجرد فرع صغير جديد أجاد فيه بعض شعراء عصرنا المتمكنين من الأوزان العربية الأصيلة .
ويتسم الشعر الحديث بطابع الحرية والتوتر، فهو ابن عصره، وهو يعتمد الإيحاء لا العرض،واقتناص اللمحات ؛؛؛
وهو على ثلاثة أنواع :
1- الحر :وهو القائم على نظام ( التفعيلة الواحدة) ملتزما بها وهي مأخوذة من أحد ستة بحور فقط من أوزان الشعر العربي التي لايحوي بحرها سوى تفعيلة واحدة تتكرر في البيت كله وهي :
أ- مسْتَفْعِلُن من الرجز ب – مُتَفَاعِلُن من الكامل ج – فاعِلاتُن من الرّمل د- فاعِلُن أو فَعِلُن من المتدارك
هـ– مُفَاعَلَتن من مجزوء الوافر وقد تسكن لامها فتير مفاعيلن من الهزج و- فَعُولُن من المتقارب .
ولايختلف الشعر الحر عن الشعر القديم إلاّ بعدم التقيد بعدد التفعلات التي يلتزمها القديم لكل بيت على حدة
وبعدم التزام القافية ؛؛؛
فالجديد يتحرر من نظام البيت المستقل ويجعل التفعيلة الواحدة ركيزته فقط ؛ يكررها الشاعر حسب حاجة
المعنى ومن هنا سمي ( الحر ) كما أنه لايلتزم بقافية واحدة فقد تتوحد وقد تتنوع ولكنه لايستغني عنها .
2- الشثر: وهي كلمة مأخوذة من كلمتي ( شعر ونثر ) وذلك لأنه خليط من تعابير وأساليب شعرية ونثرية وقد تأتي فيه بعض تفاعيل وقد ينفلت منها ومن القوافي ؛ويدافع أنصاره عن نثريته بقولهم : ( إن فيه موسيقى داخلية) مجردة من العروض العربي ولاصحة لذلك فالموسيقى هي الأوزان وبدونها الكلام نثر ؛ وهو انحراف عن الشعر الحر ؛ وعجز عن التقيد حتى بالتفعيلة الواحدة .
وقد تولد منه ( الشعر المنثور) أو ( النثر المشعور) .
3- النّعر : وهي كلمة مأخوذة من كلمتي نثر وشعر بتقديم نون النثر لأنه أقرب إلى النثر التام وليس فيه من الشعر إلاّ ادعاء أصحابه بالتسمية بالشعر فقط ؛ فهو مجرد ألفاظ عربية أو أجنبية أحيانا غير مترابطة بتركيب عربي مفهوم خالية من التفاعيل والقوافي والمعاني الواضحة والتراكيب العربية العادية .
وأول شروطه عندهم الغموض التام لأنه إذ كان مفهوما يكون تقريرا سطحيا كما يقولون .
الشعر الحديث في مفهوم شاعرنا الكبير محمود البريكان
الشعر الحديث كما يفهمه البريكان هو:( نفاذ لأعماق إنسان العصر، يتجاوز مظهر العاطفة، ولابد أن يصدر عن ألذات الحقيقية للإنسان، لاعن شخصيته المصنوعة المطبوعة بطابع البيئة والتقاليد )
كما يؤكد البريكان من أن الحداثة ليست سمات مظهرية. بل هي التحسس العميق لوضع الإنسان الحديث متبلورا في صيغة فنية مناسبة.فالأصالة إذن تأتي أولاً، وخارج نطاقها تصبح غير ذات موضوع.
وفي اللقاء المهم الذي أجراه معه الشاعر حسين عبد اللطيف والذي نشر عام 1969، ونشرته جريدة ثقافة 11 في عددها السادس عام 1998 التي تصدر في هولندا يكشف البريكان فيه عن حس شمولي لمفهوم الحداثة لم نجده عند أي شاعر حديث في زمنه. فهو ينطلق بالحداثة من موقف فلسفي عميق لمفهوم متأصل في تكوين الإنسان المسئول نفسه، وليس الإنسان العادي. فالشعر عنده مسؤولية كونية..
ويرى البريكان (من أن الشعر فن لا يقبل التسخير، ولا يحيا مع الحذلقة، وليس الشعر وسيلة لتحقيق إي غرض مباشر، ولا طريقة للتنفيس عن عواطف فجة ومن ثم فهو لا يخضع للتنظيم الخارجي. وقلما يعكس رغبات الشاعر اليومية. لأن منطقته ، منطقة ألذات العميقة، فالشعر هو أبن النزوع الإنساني، وموضوعه الأساس تجربة الوجود بكل شمولها. وهو تمثل خاص لواقع التغيّر في الزمن، وقلق المصير والتأرجح بين الراهن والمنشود).
إن شاعرا يفهم الحداثة مثل هذا الفهم العميق لا يمكنه أن يكون شائعا بين أقرانه ولا في مجتمعه، شاعر مادته الحداثة لا يمكنه إلا أن يرافق العزلة ولعله الموقف الذي دفع به لأن يرفض أن يكون في جوقة المداحين للأنظمة، مما جلب عليه غضب الساسة والمريدين.
مقتطفات من الشعر العربي الحديث
نازك الملائكة
شاعرة عراقية تمثل أحد أبرز الأوجه المعاصرة للشعر العربي الحديث، الذي يكشف عن ثقافة عميقة الجذور بالتراث والوطن والإنسان.
تكاد تكون نازك الملائكة رائدة للشعر الحديث، بالرغم من إن مسألة السبق في "الريادة" لم تحسم بعد بينها وبين بدر شاكر السياب، ولكن نازك نفسها تؤكد على تقدمها في هذا المجال عندما تذكر في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" بأنها أول من قال قصيدة الشعر الحر، وهي قصيدة "الكوليرا" عام 1947. أما الثاني -في رأيها- فهو بدر شاكر السياب في ديوانه "أزهار ذابلة" الذي نشر في كانون الأول من السنة نفسها.
ولدت نازك الملائكة في بغداد عام 1923 وتخرجت في دار المعلمين عام 1944، وفي عام 1949 تخرجت في معهد الفنون الجميلة "فرع العود"، لم تتوقف في دراستها الأدبية والفنية إلى هذا الحد إذ درست اللغة اللاتينية في جامعة برستن في الولايات المتحدة الأمريكية، كذلك درست اللغة الفرنسية والإنكليزية وأتقنت الأخيرة وترجمت بعض الأعمال الأدبية عنها، وفي عام 1959 عادت إلى بغداد بعد أن قضت عدة سنوات في أمريكا لتتجه إلى انشغالاتها الأدبية في مجالي الشعر والنقد، والتحقت عام 1954 بالبعثة العراقية إلى جامعة وسكونسن لدراسة الأدب المقارن، وقد ساعدتها دراستها هذه المرة للاطلاع على اخصب الآداب العالمية، فإضافة لتمرسها بالآداب الإنكليزية والفرنسية فقد اطلعت على الأدب الألماني والإيطالي والروسي والصيني والهندي.
اشتغلت بالتدريس في كلية التربية ببغداد عام 1957، وخلال عامي 59 و1960 تركت العراق لتقيم في بيروت وهناك أخذت بنشر نتاجاتها الشعرية والنقدية، ثم عادت إلى العراق لتدرس اللغة العربية وآدابها في جامعة البصرة.
وهذه بعض مقتطفات من أشعارها:
أي معنى لطموحي ورجائي شهد الموت بضعفي البشري
مثلي العليا وحلمي وسمائي كلها أوهام قلــب شاعـري
هكذا قالوا فما معنى بقـائي رحمة الأقدار بالقلب الشقـي
لا أريد العيش في وادي العبيد بين أموات وان لم يــدفنوا
جثث ترسف في اسر القيـود وتماثيل احتوتها الأعيــن
أبدا اسمعهم عذب نشيــدي وهم نوم عميـــق محزن
لا يظنوا انهم قد سحقـــوه فهو ما زال جمالاً ونقــا
سوف تمضي في التسابيح سنوه وهم في الشر فجراً ومسـاء
ظلت نازك الملائكة عاشقة لفورة الحياة حتى وهي ترقد عليلة مستسلمة لأوجاع مرضها الأليم:
جسدي في الألم خاطري في القيود
بين همس العدم وصراخ الوجـود
وسكوني حيـاة وظلامي بريــق
النجـاة النجـاة من شعوري العميق
في دمي إعصار عاصف بالجمـود
وشضايـا نـار تتحـدى الركـود
بدر شاكر السياب
ولد في جنوب العراق في قرية جيكور في البصرة عام 1926م وبعد ولادته بست سنوات توفيت والدته. تخرج عام 1948 من دار المعلمين في بغداد. ومن مقهى الزهاوي بدأت حياته الأدبية ونشرت قصائده لأول مرة في جريدة الاتحاد.
تزوج عام 1955 وانجب طفلتين.
بدأ حياته حزينا وانتهى بائسا تنقل بين بيروت وباريس ولندن من اجل العلاج من مرض السل ورحل يوم 24/12/1964 تاركا خلفه ارثا شعريا كبيرا.
مقتطفات من شعره:
أنشودة المطر
عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ ،
أو شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ .
عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ
وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ ...كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ
يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْنَاً سَاعَةَ السَّحَرْ
كَأَنَّمَا تَنْبُضُ في غَوْرَيْهِمَا ، النُّجُومْ ...
وَتَغْرَقَانِ في ضَبَابٍ مِنْ أَسَىً شَفِيفْ
كَالبَحْرِ سَرَّحَ اليَدَيْنِ فَوْقَـهُ المَسَاء ،
دِفءُ الشِّتَاءِ فِيـهِ وَارْتِعَاشَةُ الخَرِيف ،
وَالمَوْتُ ، وَالميلادُ ، والظلامُ ، وَالضِّيَاء ؛
فَتَسْتَفِيق مِلء رُوحِي ، رَعْشَةُ البُكَاء
كنشوةِ الطفلِ إذا خَافَ مِنَ القَمَر !
كَأَنَّ أَقْوَاسَ السَّحَابِ تَشْرَبُ الغُيُومْ
وَقَطْرَةً فَقَطْرَةً تَذُوبُ في المَطَر ...
وَكَرْكَرَ الأَطْفَالُ في عَرَائِشِ الكُرُوم ،
وَدَغْدَغَتْ صَمْتَ العَصَافِيرِ عَلَى الشَّجَر
أُنْشُودَةُ المَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر...
مَطَر...
تَثَاءَبَ الْمَسَاءُ ، وَالغُيُومُ مَا تَزَال
تَسِحُّ مَا تَسِحّ من دُمُوعِهَا الثِّقَالْ .
كَأَنَّ طِفَلاً بَاتَ يَهْذِي قَبْلَ أنْ يَنَام :
بِأنَّ أمَّـهُ - التي أَفَاقَ مُنْذُ عَامْ
فَلَمْ يَجِدْهَا ، ثُمَّ حِينَ لَجَّ في السُّؤَال
قَالوا لَهُ : " بَعْدَ غَدٍ تَعُودْ .. " -
لا بدَّ أنْ تَعُودْ
وَإنْ تَهَامَسَ الرِّفَاقُ أنَّـها هُنَاكْ
في جَانِبِ التَّلِّ تَنَامُ نَوْمَةَ اللُّحُودْ
تَسفُّ مِنْ تُرَابِـهَا وَتَشْرَبُ المَطَر ؛
كَأنَّ صَيَّادَاً حَزِينَاً يَجْمَعُ الشِّبَاك
وَيَنْثُرُ الغِنَاءَ حَيْثُ يَأْفلُ القَمَرْ .
مَطَر ...
مَطَر ...
أتعلمينَ أيَّ حُزْنٍ يبعثُ المَطَر ؟
وَكَيْفَ تَنْشج المزاريبُ إذا انْهَمَر ؟
وكيفَ يَشْعُرُ الوَحِيدُ فِيهِ بِالضّيَاعِ ؟
بِلا انْتِهَاءٍ - كَالدَّمِ الْمُرَاقِ ، كَالْجِياع ،
كَالْحُبِّ ، كَالأطْفَالِ ، كَالْمَوْتَى - هُوَ الْمَطَر !
وَمُقْلَتَاكِ بِي تُطِيفَانِ مَعِ الْمَطَر
وَعَبْرَ أَمْوَاجِ الخَلِيج تَمْسَحُ البُرُوقْ
سَوَاحِلَ العِرَاقِ بِالنُّجُومِ وَالْمَحَار ،
كَأَنَّهَا تَهمُّ بِالشُّرُوق
فَيَسْحَب الليلُ عليها مِنْ دَمٍ دِثَارْ .
أصيح بالخليج : " يا خليجْ
يا واهبَ اللؤلؤ ، والمحار ، والردى ! "
فيرجعُ الصَّدَى
كأنَّـه النشيجْ :
" يَا خَلِيجْ
يَا وَاهِبَ المَحَارِ وَالرَّدَى ... "
أَكَادُ أَسْمَعُ العِرَاقَ يذْخرُ الرعودْ
ويخزن البروق في السهولِ والجبالْ ،
حتى إذا ما فَضَّ عنها ختمَها الرِّجالْ
لم تترك الرياحُ من ثمودْ
في الوادِ من أثرْ .
أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر
وأسمع القرى تَئِنُّ ، والمهاجرين
يُصَارِعُون بِالمجاذيف وبالقُلُوع ،
عَوَاصِفَ الخليج ، والرُّعُودَ ، منشدين :
" مَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ...
وفي العِرَاقِ جُوعْ
وينثر الغلالَ فيه مَوْسِمُ الحصادْ
لتشبعَ الغِرْبَان والجراد
وتطحن الشّوان والحَجَر
رِحَىً تَدُورُ في الحقول … حولها بَشَرْ
مَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ...
وَكَمْ ذَرَفْنَا لَيْلَةَ الرَّحِيلِ ، مِنْ دُمُوعْ
ثُمَّ اعْتَلَلْنَا - خَوْفَ أَنْ نُلامَ – بِالمَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ...
وَمُنْذُ أَنْ كُنَّا صِغَارَاً ، كَانَتِ السَّمَاء
تَغِيمُ في الشِّتَاء
وَيَهْطُل المَطَر ،
وَكُلَّ عَامٍ - حِينَ يُعْشُب الثَّرَى- نَجُوعْ
مَا مَرَّ عَامٌ وَالعِرَاقُ لَيْسَ فِيهِ جُوعْ .
مَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ..."
*********************
ملاحظة/ هذا مااستطعت جمعه وأرحب بكل إضافة تتعلق بالموضوع وتثريه .