أبوعلي
16-08-2004, 20:51
لاأحد يهين شرف القرد
قصة قصيرة
للكاتب
الكاتبة
{مسابقة النصوص}
( هي قصة الخيال جزءٌ منها ، والواقع الأليم صنـع أحداثها ونسجت الأيام الكئيبة خيوطها ودفع وليد ذلك الصبي المراهق ثمنها .. تعلم وليد من شيخه في مسجد الحي وهو ابن السادسة معنى الصلاة ومعنى الشرف وأنه لا قيمة للإنسان المسلم بدون صلاة وشرف طاهر .. عرض نقي !! )
لا أحد يهين شرف القـرد !
كبر وليد أخي قليلاً قليلاً وكانت صدمة أسرتي أنه كسيح لن يستطيع المشي كالأسوياء ، أمي وابي نسوا هذا الموضوع وانغرقوا في حياتهم المشينة ، بعد عدة سنوات أنجبت أمي بنـت أسمتها مرام ، لكنني تعلقت بوليد فقد كنت أكبره فقط بست سنوات فقط ، قدّر الله أن يكون بيتنا من أقذر البيوت أخلاقياً حيث وعيت على هذه المأساة حينما كنت أرى بعض الرجال يدخلون ويخرجون من مجلس أبي وأمي سافرة لا تضع على رأسها غطاء أو حجاب وكانت جدتي لأمي تعيش معنا ، وكانت هي أساس انحدار مستوى الأسرة للأسفل .. كنت أبكي وحدي في فراشي وأنا أسمع ما يدور في بيتنا ، وأتناسى ذلك مع الصباح حينما أذهب للمدرسة وألتقي بزميلاتي وصديقاتي ، وصدمت مرة أخرى حينما اكتشفت أن من حولنا من الجيران ومن في المدرسة يعرف حقيقة بيتنا وأنه بيت سيء السمعة حيث دعوت صديقتي نجود لزيارتي كعادة البنات في تبادل الزيارات ولكنها قالت :
-مستحيل أن أزورك في بيتك لأن أهلي يقولون إنه بيت القذارات في الحي !!
بكيت .. تألمت .. حزنت لهذا الحال .. كنت أعي ذلك وأنا ابنة الثالثة عشرة سنة ولكن ماذا أفعل ؟!.. لا أقارب عندنا فقد نفر الأقارب وابتعد الأحبة ونبذنا الجيران ، لا أحباب إلا من يرجون منا مصلحة !.. والمشكلة أنهم من الرجال الذين يلبسون لباس الاحترام والمهابة في النهار وفي الليل هم ذئاب قذرة !
أختبيء ليلاً تحت سريري وأضم لحافي لجسدي وأغمض عيوني ، فيأتي لي وليد وهو ابن السابعة من عمره زاحفاً فأضمه لصدري ونغرق في بحر من الحزن والبكاء ، وأختي الصغيرة أسمع جدتي كعادتها توبخها وتنهرها لكي تسكت لأن أمي وأبي في شغل عنها مع ضيوفهم ، وكنت أدعو الله أن يخلصنا من هذا العار وهذا الذل حتى لو بالموت !
ذات يوم رجعت من المدرسة فقابلني رجل غريب عند باب البيت وسألني عن أبي قلت بغضب : أنه غير موجود !
ابتسم لي وسألني عن اسمي قلت له : تغريد
رد وهو يتأمل جسدي بشهوانيـة : كبرتِ يا بنت وأصبحت امرأة !
أشحت بوجهي عنه غاضبة ودخلت للبيت وذهبت للمرآة ونظرت لجسدي .. فعلاً ! ..أنا بعد كم شهر سأدخل الرابعة عشرة سنة وجسدي أصبح يميل للأنوثة بشكل أكبر .. نعم أنا بنت جميلة ومرتبة ولكن لا أحد يحبني لأنني من هذا البيت وبصقت في المرآة !
ناداني وليد : تغريد .. تعالي .. مرام مريضة !
نعم أختي مرام مريضة ولكن أمي لا تشعر بذلك ولا أبي فهم في عالم آخر من الوهم وجدتي مشغولة بالبحث عن زبائن من الجنسين . !!
أخذت أختي ومعي وليد لمركز صحي قريب ، هناك أخبرنا الطبيب أنها مريضة بالتهاب شديد لابد من متابعة العلاج وإذا لم تتحسن حالتها سيضطر لتنويمها عدة أيام .. عدنا للبيت .. وتابعت علاج مرام أنا ووليد حتى تحسنت صحتها ..
مرت الأعوام وترك وليد المدرسة حيث لم يكمل الاعدادية وأنا أنهيت المرحلة الثانوية وسجلت بجامعة الملك سعود قسم علم الاجتماع ، وبذلك حققت حلمي الذي دفعت ثمنه من عمري وأعصابي ، وبعدها طردنا أهل الحي من بيتنا وذهبنا لحي آخر بسيط وسكنا في شقة كأنها تخص الأراذل من الناس .. فجلست أبكي وأنا أحكي لجدتي عن منظري وأنا طالبة جامعية أسكن بهذا الشقة .. فسكتت .. بعد أن ضربتني بكأس في يدها !
آتى لها وليد وصرخ فيها وأخذ يشتمها ولكنها أخذت تسبـه وتطالبه بالصمت :
-اصمت آيها القرد القبيح ... لو تماديت سأرميك في الشارع ...
لا تتكلم مرة أخرى إنما أنت قـرد .. وستبقى في هذا البيـت قـرد !..لا قيمـة له !!
ارتميت على وليد ورجوته بأن يصمت .. المسكين لا يعرف كيف أن يدافع عن نفسه .. ؟!.. يخاف منها جداً .. دائماً تناديه ومعها أمي وأبي بالقرد لأنه يزحف .. يتسلق .. يتعلق بالسلالم والأبواب فهي طريقته .. لأنه لا يمشي ..!
وذات ليلة كنت مع وليد ومرام الصغيرة في غرفتنا نشاهد التلفاز دخلت أمي وهي تثرثر وتكاد ترقص وتقول : تعالي .. هيا .. آتى من يحقق أحلامك يا حمقاء !؟
مدير أكبر شركات المنطقـة هنا ينتظرك بعد عودته من سفر بعـيد .. قلت بغضب : لا أمي ! .. لا أمــي .. !
لا .. لا .. ليس طريقي طريقك أمي .. دعيني وشأني .. أرجوكِ
دخل أبي وسحبني من يدي .. بقوة فقد كان يتمتع بجسد قوي فهو رياضي سابق في رفع الأثقال ..
بكيت .. قبّلت قدميه .. لا أريد .. لا أحب أن أبيع نفسي .. لا تفسدوا عليّ حياتي .. أنتم تهدون ما بنيته من شرف طــوال تلك السنوات .. أرجوكم ... أنا أبكي .. أتألم .. أصيح .. لكن ! .. لا فائـدة !!
أبي وأمي ليسوا بكامل الادراك لما يفعلانه بي ، فقد كانت جدتي تسقيهم السم وهم خاضعان لها .. كانت جدتي العجوز شيطان بثيـاب امرأة وكنا ندعوا الله أن يكفينا شرها فكانت لا تهتم لنا أنا ووليد ومرام .. أما الآن فقد توجهت لنا ..
طالبتني جدتي بأن أكف عن البكاء لأن الرجل آتى ليتسلى وينبسط .. لم يأتي ليحزن ويكتئب .. فأخذت سوط قصير تستعمله لضرب وليد وأعطته أبي .. فأخذ يضربني على ظهري حتى جفت دموعي وصمتت .. أدخلوني عليه .. وأغلقوا الباب .. نعم أغلقوا البـــاب !! ...
********
قام وليد بعد أن أخذوني بضرب رأسه للحائط حتى أدمى رأسه .. وكانت هذه عادته حينما يحزن ويرى أمي في منظر مشين !
عدت إليه وأنا أبكي وأحتضنه وأمسح الدماء من على جبينه .. وليد .. وليد .. ماذا حدث لك ؟!
ناديت أمي .. صرخت .. أبي .. جدتي .. آيها القساة .. يا ناس ... وليد لا يتكلم !؟
حبيبي وليد .. وليد .. تكلم .. قل شيء .. كان ينظر لي بعينيه وكأنه لا يعي ما حوله .. دخل رجل كان في مجلس أبي أخذته الرحمة بعد سماعه صياحي وبكائي وأخذني ووليد للمستشفى .. !!
آآآه ... يا وليد .. يا مسكيـن .. أصيب بانهيار وصدمة عصبية أثرت على النطق .. ففقد القدرة على الكلام .. بعد أسابيع رجع لنا وليد .. وهو يجر الحزن في طيات نفسه وثيابه .. لا يمشي ولا يتكلم .. آآه .. كم أشفق عليك يا وليـد .. !! ؟
وأخذته لغرفتنا وكلمته وأعطيته ورقة وقلم .. وقلت له أنني سأتزوج لأن جدتي تطلب مني ذلك .. فقد جاء لهم رجل غني جداً وطلبني للزواج ولكنه سيأخذني عنكم بعيداً .. خارج الرياض .. فهل أنت موافق ؟! .. أم أبقى معكم أتجرع الذل والهوان .. فنظر لي نظرات كلها قهر وأسى وكتب : اذهبي بعيداً .. الزواج أفضل لكِ لتعيشي حياة شريفة .. الشرف هو ما يبقى للإنسان !! .. بكيت وأنا أرى مدى طهارة هذا الانسان !؟ .. على رغم الظروف التي نعيشها في هذا البيت إلا أنه ومنذ نشأته يعرف مدى الشرف والطهارة .. ومتمسك بها لآخر لحظة !
قلب الورقة وكتب : سأبقى أحمي شرفي .. سأبقى وحدي أحمي مرام من الذئاب !
تركته وتزوجت بهذا الرجل السبيعني الذي ينهش جسدي كلما طاب مزاجه ويهينني ويذل كرامتي وكلما غضب : صرخ وأخذ يسبني وأهلي ويذكرهم بأقبح الأوصاف عندي ولكني صابرة ..
أما وليد فأخذ يعود لحياته تدريجياً .. ينزل من الشقة ويركب على كرسيه للمسجد لأداء الصلاة وسماع محاضرات الوعظ والارشاد ويشارك بالمسابقات الكتابية ، والناس في الحي يحترمونه ويثنون على شجاعته فقد عرفوا مدى حبه للطاعة والخير وكرهه للشر والفساد على رغم البيت الذي يعيش فيه .. !
ذات ليلة سمع جدتي تستحث مرام على النهوض من فراشها فتيقن أنها مأساة تغريد تتكرر فنهض على عكازيه ومنع جدتي من تماديها بنظرات شرز من عينيه مما جعلها ترتدع ولا تكررها مرة أخرى .. مرام الآن تبلغ العاشرة من عمرها ولكنها امرأة صغيرة .. تقوم بدوري في البيت من تنظيف وغسيل وترتيب وطبخ وتذهب للمدرسة .. ويستيقظ معها وليد ويذهب بها للمدرسة وينتظرها حتى يرجع بها للبيت وكثيراً ما يتعرض لإهانات بعض المارة أو من رفقاء أبي وأمي ولايكفون عن مناداته بالقرد القبيح ولكنه حينما يسمعهم يرفع بصره ويشير بيده للسماء أنه يكلهم لله سبحانه ويمضي على كرسيه المتحرك أو يزحف لقضاء حاجياته ..
لازم مرام لا يفارقها ولا لحظة حتى حانت ساعة القدر فكان وليد في المسجد لأداء صلاة العشاء ، وعندما عاد راجعاً للبيت سمع صوت مرام تستغيث به .. وليد .. وليد .. وليد .. فتيقنت نفسه أمراً .. فتسلق السلم كالقرد ورمى بنفسه على الباب حتى انفتح الباب مع أنه كان محكم الإغلاق فتفأجا بمرام يسحبها أبي لمجلس الرجال وهو يقول : مرام ستتزوج الليلة ! ؟ وزوجها ينتظرها الآن ..
أخذ ينظر إليهم وإلى مرام بذهول وقهـر .. كأنه يقول لهم : كيف تتزوج وهي ما زالت طفلة ؟! .. لم تتجاوز العاشرة من عمرها بعد ! ؟ .. مرام صغيرة .. ! .. لا تعرف شيء عن ما تنويانه !.. ؟
دخل أبي بمرام وهي تبكي خائفـة للمجلس ووليد ينظر لهم .. وهم في عالم من الضياع .. فقد لعبت المخدرات بعقولهم .. أمي كانت خارج البيت في مهمة بعثتها جدتي .. وجدتي فقط من تشاهد ما يجري !
أخذ يزحف وليد وبسرعة فائقة لداخل المجلس ورمى سكيناً كان يحتفظ بها في ملابسه رماها كأمهر رامي حتى وقعت في صدر الرجل الذي ينتظر أن يحتضن مرام .. فسقط صريعاً على الأرض فقد كانت السكين أصابت مقتل في صدره ! ..
أخذت جدتي وأبي يصيحون ويدوسون وليد بأقدامهم ، وهربت مرام للشارع ونادت امام المسجد الذي استدعى بدوره رجال الشرطة وأخذو وليد وهو ينزف الدماء من فمه وأنفه .. بعد التحقيقات ..
كانت إجابة وليد مكتوبة على ورق : الشرف .. كنت أدافع عن شرفي ..
أبي لا يعرف ماذا يفعل لأن جدتي تعطيه وأمي المخدرات كل يوم ، فهم لا يعرفون ماذا يفعلون !؟ بين شـم وحقـن وريديه .. كنت أتمنى أن أقتل أيضاً جدتي لكن لم أستطع !
فتشوا البيت .. وستعرفون الحقيقة ..
اتصل بي وليد .. وقال لي تغريـد :
-أمانتك مرام .. ربما يسجنوني في الأحداث .. وصيتك مرام إنها صغيرة لا تعرف ولا ذنب لها بما يحدث !
أخذ يبكي وهو يسمع الضابط يقرأ ما كتبه لي .. وأخذت أبكي .. وأبكي .. ماذنبنا نحن !؟
ماذنبك يا وليد ؟! .. تدفع ثمـن جريمة جدتي وأمي وأبي !! ؟؟ .. جريمة اشترك فيها مجتمعنا الذي سكت عنا وساعد على اكتمال خيوط الجريمة بحقنا !!
وما حيلتي أنا ؟!
وماذا سيجري لمرام من بعدك يا وليــد .. !! ؟؟
وليد لا تعني الحياة لنا شيئاً إن غبت وابتعدت عنا .. وليد كنت النور الذي يمد شعاعه لظلمات حياتنا .. وليد علمتني بصمودك في هذه الحياة معنى الشرف وأنه لا حياة لإنسان بدون شرف .. إن تدنس الشرف أو انعدم فالموت أولى بذلك الانسان ..
___________ انتهت __________
قصة قصيرة
للكاتب
الكاتبة
{مسابقة النصوص}
( هي قصة الخيال جزءٌ منها ، والواقع الأليم صنـع أحداثها ونسجت الأيام الكئيبة خيوطها ودفع وليد ذلك الصبي المراهق ثمنها .. تعلم وليد من شيخه في مسجد الحي وهو ابن السادسة معنى الصلاة ومعنى الشرف وأنه لا قيمة للإنسان المسلم بدون صلاة وشرف طاهر .. عرض نقي !! )
لا أحد يهين شرف القـرد !
كبر وليد أخي قليلاً قليلاً وكانت صدمة أسرتي أنه كسيح لن يستطيع المشي كالأسوياء ، أمي وابي نسوا هذا الموضوع وانغرقوا في حياتهم المشينة ، بعد عدة سنوات أنجبت أمي بنـت أسمتها مرام ، لكنني تعلقت بوليد فقد كنت أكبره فقط بست سنوات فقط ، قدّر الله أن يكون بيتنا من أقذر البيوت أخلاقياً حيث وعيت على هذه المأساة حينما كنت أرى بعض الرجال يدخلون ويخرجون من مجلس أبي وأمي سافرة لا تضع على رأسها غطاء أو حجاب وكانت جدتي لأمي تعيش معنا ، وكانت هي أساس انحدار مستوى الأسرة للأسفل .. كنت أبكي وحدي في فراشي وأنا أسمع ما يدور في بيتنا ، وأتناسى ذلك مع الصباح حينما أذهب للمدرسة وألتقي بزميلاتي وصديقاتي ، وصدمت مرة أخرى حينما اكتشفت أن من حولنا من الجيران ومن في المدرسة يعرف حقيقة بيتنا وأنه بيت سيء السمعة حيث دعوت صديقتي نجود لزيارتي كعادة البنات في تبادل الزيارات ولكنها قالت :
-مستحيل أن أزورك في بيتك لأن أهلي يقولون إنه بيت القذارات في الحي !!
بكيت .. تألمت .. حزنت لهذا الحال .. كنت أعي ذلك وأنا ابنة الثالثة عشرة سنة ولكن ماذا أفعل ؟!.. لا أقارب عندنا فقد نفر الأقارب وابتعد الأحبة ونبذنا الجيران ، لا أحباب إلا من يرجون منا مصلحة !.. والمشكلة أنهم من الرجال الذين يلبسون لباس الاحترام والمهابة في النهار وفي الليل هم ذئاب قذرة !
أختبيء ليلاً تحت سريري وأضم لحافي لجسدي وأغمض عيوني ، فيأتي لي وليد وهو ابن السابعة من عمره زاحفاً فأضمه لصدري ونغرق في بحر من الحزن والبكاء ، وأختي الصغيرة أسمع جدتي كعادتها توبخها وتنهرها لكي تسكت لأن أمي وأبي في شغل عنها مع ضيوفهم ، وكنت أدعو الله أن يخلصنا من هذا العار وهذا الذل حتى لو بالموت !
ذات يوم رجعت من المدرسة فقابلني رجل غريب عند باب البيت وسألني عن أبي قلت بغضب : أنه غير موجود !
ابتسم لي وسألني عن اسمي قلت له : تغريد
رد وهو يتأمل جسدي بشهوانيـة : كبرتِ يا بنت وأصبحت امرأة !
أشحت بوجهي عنه غاضبة ودخلت للبيت وذهبت للمرآة ونظرت لجسدي .. فعلاً ! ..أنا بعد كم شهر سأدخل الرابعة عشرة سنة وجسدي أصبح يميل للأنوثة بشكل أكبر .. نعم أنا بنت جميلة ومرتبة ولكن لا أحد يحبني لأنني من هذا البيت وبصقت في المرآة !
ناداني وليد : تغريد .. تعالي .. مرام مريضة !
نعم أختي مرام مريضة ولكن أمي لا تشعر بذلك ولا أبي فهم في عالم آخر من الوهم وجدتي مشغولة بالبحث عن زبائن من الجنسين . !!
أخذت أختي ومعي وليد لمركز صحي قريب ، هناك أخبرنا الطبيب أنها مريضة بالتهاب شديد لابد من متابعة العلاج وإذا لم تتحسن حالتها سيضطر لتنويمها عدة أيام .. عدنا للبيت .. وتابعت علاج مرام أنا ووليد حتى تحسنت صحتها ..
مرت الأعوام وترك وليد المدرسة حيث لم يكمل الاعدادية وأنا أنهيت المرحلة الثانوية وسجلت بجامعة الملك سعود قسم علم الاجتماع ، وبذلك حققت حلمي الذي دفعت ثمنه من عمري وأعصابي ، وبعدها طردنا أهل الحي من بيتنا وذهبنا لحي آخر بسيط وسكنا في شقة كأنها تخص الأراذل من الناس .. فجلست أبكي وأنا أحكي لجدتي عن منظري وأنا طالبة جامعية أسكن بهذا الشقة .. فسكتت .. بعد أن ضربتني بكأس في يدها !
آتى لها وليد وصرخ فيها وأخذ يشتمها ولكنها أخذت تسبـه وتطالبه بالصمت :
-اصمت آيها القرد القبيح ... لو تماديت سأرميك في الشارع ...
لا تتكلم مرة أخرى إنما أنت قـرد .. وستبقى في هذا البيـت قـرد !..لا قيمـة له !!
ارتميت على وليد ورجوته بأن يصمت .. المسكين لا يعرف كيف أن يدافع عن نفسه .. ؟!.. يخاف منها جداً .. دائماً تناديه ومعها أمي وأبي بالقرد لأنه يزحف .. يتسلق .. يتعلق بالسلالم والأبواب فهي طريقته .. لأنه لا يمشي ..!
وذات ليلة كنت مع وليد ومرام الصغيرة في غرفتنا نشاهد التلفاز دخلت أمي وهي تثرثر وتكاد ترقص وتقول : تعالي .. هيا .. آتى من يحقق أحلامك يا حمقاء !؟
مدير أكبر شركات المنطقـة هنا ينتظرك بعد عودته من سفر بعـيد .. قلت بغضب : لا أمي ! .. لا أمــي .. !
لا .. لا .. ليس طريقي طريقك أمي .. دعيني وشأني .. أرجوكِ
دخل أبي وسحبني من يدي .. بقوة فقد كان يتمتع بجسد قوي فهو رياضي سابق في رفع الأثقال ..
بكيت .. قبّلت قدميه .. لا أريد .. لا أحب أن أبيع نفسي .. لا تفسدوا عليّ حياتي .. أنتم تهدون ما بنيته من شرف طــوال تلك السنوات .. أرجوكم ... أنا أبكي .. أتألم .. أصيح .. لكن ! .. لا فائـدة !!
أبي وأمي ليسوا بكامل الادراك لما يفعلانه بي ، فقد كانت جدتي تسقيهم السم وهم خاضعان لها .. كانت جدتي العجوز شيطان بثيـاب امرأة وكنا ندعوا الله أن يكفينا شرها فكانت لا تهتم لنا أنا ووليد ومرام .. أما الآن فقد توجهت لنا ..
طالبتني جدتي بأن أكف عن البكاء لأن الرجل آتى ليتسلى وينبسط .. لم يأتي ليحزن ويكتئب .. فأخذت سوط قصير تستعمله لضرب وليد وأعطته أبي .. فأخذ يضربني على ظهري حتى جفت دموعي وصمتت .. أدخلوني عليه .. وأغلقوا الباب .. نعم أغلقوا البـــاب !! ...
********
قام وليد بعد أن أخذوني بضرب رأسه للحائط حتى أدمى رأسه .. وكانت هذه عادته حينما يحزن ويرى أمي في منظر مشين !
عدت إليه وأنا أبكي وأحتضنه وأمسح الدماء من على جبينه .. وليد .. وليد .. ماذا حدث لك ؟!
ناديت أمي .. صرخت .. أبي .. جدتي .. آيها القساة .. يا ناس ... وليد لا يتكلم !؟
حبيبي وليد .. وليد .. تكلم .. قل شيء .. كان ينظر لي بعينيه وكأنه لا يعي ما حوله .. دخل رجل كان في مجلس أبي أخذته الرحمة بعد سماعه صياحي وبكائي وأخذني ووليد للمستشفى .. !!
آآآه ... يا وليد .. يا مسكيـن .. أصيب بانهيار وصدمة عصبية أثرت على النطق .. ففقد القدرة على الكلام .. بعد أسابيع رجع لنا وليد .. وهو يجر الحزن في طيات نفسه وثيابه .. لا يمشي ولا يتكلم .. آآه .. كم أشفق عليك يا وليـد .. !! ؟
وأخذته لغرفتنا وكلمته وأعطيته ورقة وقلم .. وقلت له أنني سأتزوج لأن جدتي تطلب مني ذلك .. فقد جاء لهم رجل غني جداً وطلبني للزواج ولكنه سيأخذني عنكم بعيداً .. خارج الرياض .. فهل أنت موافق ؟! .. أم أبقى معكم أتجرع الذل والهوان .. فنظر لي نظرات كلها قهر وأسى وكتب : اذهبي بعيداً .. الزواج أفضل لكِ لتعيشي حياة شريفة .. الشرف هو ما يبقى للإنسان !! .. بكيت وأنا أرى مدى طهارة هذا الانسان !؟ .. على رغم الظروف التي نعيشها في هذا البيت إلا أنه ومنذ نشأته يعرف مدى الشرف والطهارة .. ومتمسك بها لآخر لحظة !
قلب الورقة وكتب : سأبقى أحمي شرفي .. سأبقى وحدي أحمي مرام من الذئاب !
تركته وتزوجت بهذا الرجل السبيعني الذي ينهش جسدي كلما طاب مزاجه ويهينني ويذل كرامتي وكلما غضب : صرخ وأخذ يسبني وأهلي ويذكرهم بأقبح الأوصاف عندي ولكني صابرة ..
أما وليد فأخذ يعود لحياته تدريجياً .. ينزل من الشقة ويركب على كرسيه للمسجد لأداء الصلاة وسماع محاضرات الوعظ والارشاد ويشارك بالمسابقات الكتابية ، والناس في الحي يحترمونه ويثنون على شجاعته فقد عرفوا مدى حبه للطاعة والخير وكرهه للشر والفساد على رغم البيت الذي يعيش فيه .. !
ذات ليلة سمع جدتي تستحث مرام على النهوض من فراشها فتيقن أنها مأساة تغريد تتكرر فنهض على عكازيه ومنع جدتي من تماديها بنظرات شرز من عينيه مما جعلها ترتدع ولا تكررها مرة أخرى .. مرام الآن تبلغ العاشرة من عمرها ولكنها امرأة صغيرة .. تقوم بدوري في البيت من تنظيف وغسيل وترتيب وطبخ وتذهب للمدرسة .. ويستيقظ معها وليد ويذهب بها للمدرسة وينتظرها حتى يرجع بها للبيت وكثيراً ما يتعرض لإهانات بعض المارة أو من رفقاء أبي وأمي ولايكفون عن مناداته بالقرد القبيح ولكنه حينما يسمعهم يرفع بصره ويشير بيده للسماء أنه يكلهم لله سبحانه ويمضي على كرسيه المتحرك أو يزحف لقضاء حاجياته ..
لازم مرام لا يفارقها ولا لحظة حتى حانت ساعة القدر فكان وليد في المسجد لأداء صلاة العشاء ، وعندما عاد راجعاً للبيت سمع صوت مرام تستغيث به .. وليد .. وليد .. وليد .. فتيقنت نفسه أمراً .. فتسلق السلم كالقرد ورمى بنفسه على الباب حتى انفتح الباب مع أنه كان محكم الإغلاق فتفأجا بمرام يسحبها أبي لمجلس الرجال وهو يقول : مرام ستتزوج الليلة ! ؟ وزوجها ينتظرها الآن ..
أخذ ينظر إليهم وإلى مرام بذهول وقهـر .. كأنه يقول لهم : كيف تتزوج وهي ما زالت طفلة ؟! .. لم تتجاوز العاشرة من عمرها بعد ! ؟ .. مرام صغيرة .. ! .. لا تعرف شيء عن ما تنويانه !.. ؟
دخل أبي بمرام وهي تبكي خائفـة للمجلس ووليد ينظر لهم .. وهم في عالم من الضياع .. فقد لعبت المخدرات بعقولهم .. أمي كانت خارج البيت في مهمة بعثتها جدتي .. وجدتي فقط من تشاهد ما يجري !
أخذ يزحف وليد وبسرعة فائقة لداخل المجلس ورمى سكيناً كان يحتفظ بها في ملابسه رماها كأمهر رامي حتى وقعت في صدر الرجل الذي ينتظر أن يحتضن مرام .. فسقط صريعاً على الأرض فقد كانت السكين أصابت مقتل في صدره ! ..
أخذت جدتي وأبي يصيحون ويدوسون وليد بأقدامهم ، وهربت مرام للشارع ونادت امام المسجد الذي استدعى بدوره رجال الشرطة وأخذو وليد وهو ينزف الدماء من فمه وأنفه .. بعد التحقيقات ..
كانت إجابة وليد مكتوبة على ورق : الشرف .. كنت أدافع عن شرفي ..
أبي لا يعرف ماذا يفعل لأن جدتي تعطيه وأمي المخدرات كل يوم ، فهم لا يعرفون ماذا يفعلون !؟ بين شـم وحقـن وريديه .. كنت أتمنى أن أقتل أيضاً جدتي لكن لم أستطع !
فتشوا البيت .. وستعرفون الحقيقة ..
اتصل بي وليد .. وقال لي تغريـد :
-أمانتك مرام .. ربما يسجنوني في الأحداث .. وصيتك مرام إنها صغيرة لا تعرف ولا ذنب لها بما يحدث !
أخذ يبكي وهو يسمع الضابط يقرأ ما كتبه لي .. وأخذت أبكي .. وأبكي .. ماذنبنا نحن !؟
ماذنبك يا وليد ؟! .. تدفع ثمـن جريمة جدتي وأمي وأبي !! ؟؟ .. جريمة اشترك فيها مجتمعنا الذي سكت عنا وساعد على اكتمال خيوط الجريمة بحقنا !!
وما حيلتي أنا ؟!
وماذا سيجري لمرام من بعدك يا وليــد .. !! ؟؟
وليد لا تعني الحياة لنا شيئاً إن غبت وابتعدت عنا .. وليد كنت النور الذي يمد شعاعه لظلمات حياتنا .. وليد علمتني بصمودك في هذه الحياة معنى الشرف وأنه لا حياة لإنسان بدون شرف .. إن تدنس الشرف أو انعدم فالموت أولى بذلك الانسان ..
___________ انتهت __________