مشاهدة النسخة كاملة : أرجوك أعطني (صوندة) للكاتب الدكتور وليد {مسابقة النصوص}


أبوعلي
21-07-2004, 02:40
أرجوك أعطني ( صوندة)
الجزء الأول
قصة قصيرة
للكاتب الدكتور وليد
مسابقة النصوص
أرجوك أعطني ( صوندة ) ! .
قرر أن يسافر إلى العاصمة ، فزوجته داهمها مرضٌ خطير ، قال الأطباء عنه بأن عملية جراحية مستعجلة لا بد أن تجرى لها لإزالة الخطر عن الكليتين .
ففي يوم من الأيام لاحظت زوجته بأن بولها لونه أحمر ، و لأنه طبيب ، فقد أدرك على الفور بأن الأمر خطير ، و أن اللون الأحمر إنما هو دم يخرج مع البول .
و قد تعوّد ألا يعالج أهل بيته إلا في الحالات السهلة ، أما في أمور خطيرة كهذه فأنه يفضّل أن يعالجهم طبيبٌ غيره . و عندما أصاب زوجته التبول الدموي فأنه عرضها على أحد زملائه الجراحين الذي قرر إجراء الأشعة الملونة للكلى لتشخيص السبب . و أظهرت الأشعة أن هناك انسداداً في كلا الحالبين ، الأمر الذي أدى إلى توسّع في كلا الكليتين التي تواجه الآن خطر الفشل الكلوي .
و في واقع الحال ، لم يكن قراره في السفر إلى العاصمة قد جاء بسبب فقر الإمكانيات الطبية في مدينته ، و هي ثاني أكبر مدن بلده . لكن السبب في قرار السفر لأنه أراد أن يعرض زوجته على أحد أشهر جراحي المسالك البولية في بلده ، الذي كان يعمل قبل ثلاث سنوات في مستشفيات مدينته ، و نقل بعدها ليعمل في العاصمة . لذلك قرر اللحاق به هناك منفذاً لنصيحة زملاءه و أصدقاءه .
و لم يكن السفر إلى العاصمة بالنسبة له أمراً هينا ، فالبلد يتعرض لحصار اقتصادي فرضه الأعداء ألهب ظهور الناس بسياط من الجوع و الفقر و الحرمان و قلة الحيلة . و في تلك الأيام ، تحول السفر من سياحة و متعة و ربما تجارة ، إلى محنة و مشكلة لا يلجأ إليه إلا المضطر . فقد انعكست آثار الحصار على كل مرافق الدولة و كل مظاهر الحياة إلى الدرجة التي أصبح فيها الاستمرار في الحياة يشكل تحدياً لكل الناس ، و أصبح همّهم هو الصراع من أجل البقاء . و بطبيعة الحال لم تكن الخدمات الطبية و الصحية المقدمة للناس ببعيدة عن تأثير الحصار ، و لعلها الأكثر تأثيراً على أعصاب الناس المحرومة التي أصبحت الآن لا تجد ما يكفيها من طعام ، و لا تجد ما ينقذها من الأمراض ، و لا تجد خدمات تسهّل لها الحياة . فقد عمّ الغلاء كل شيء ، و انتعشت السوق السوداء بشكل لم يسبق له مثيل ، و تلاعب اللصوص بمقدرات شعب كان في يوم من الأيام من أكثر الشعوب التي تنعم بالأمن و الرخاء .
و مع ذلك ، كانت صحة زوجته فوق كل اعتبار ، و كان لديه الاستعداد للتضحية بأي شيء لينقذ زوجته من محنتها ، هكذا كان يفكر طوال ليله عندما تكالبت عليه الهواجس و أقضّت مضجعه و استعبدته الأفكار و القلق و أصبح أسير المخاوف ، فهو طبيب يدرك جيداً ماذا يعني الفشل الكلوي .
فهو يعلم بأن عليه أن يصرف مبلغاً كبيراً من المال سيأتي على كل مدخراته ، هذا إذا لم يضطر للاستدانة .
و هو يعلم بأن عليه أن يجد حارساً أميناً لبيته ، لأن اللصوص لن يتركوا بيتاً خالياً و لو لبضعة أيام بدون أن يسيل لعابهم لسرقته .
و هو يعلم بأن عليه أن يودع ولديه لدى أهل زوجته لرعايتهما ، فالدراسة مستمرة في المدارس .
و هو يعلم بأن عليه أن يغلق عيادته ، و هي مصدر رزقه الوحيد ، لأن راتبه التي يتقاضاه من الحكومة لا يكفيه سوى يومين بسبب الغلاء الفاحش و التضخم الذي تسبب فيه الحصار على بلده . و بذلك سيحرم نفسه من مصدر سخي للمال .
و هو يعلم أنه بسفرته هذه ، و بطلب علاج زوجته في مدينة غير مدينته ، سيحرم نفسه أيضاً من ميزة الاستفادة من خدمات زملاءه و معارفه في مستشفيات مدينته .
و مع ذلك قرر السفر بدون الالتفات لأي خسائر أو أخطار .
و قبل السفر ، و بسبب معرفته الدقيقة بما آل إليه وضع المستشفيات في بلده بعدما استفحل الحصار و فتك بالنظام الصحي و الطبي للبلد ، زوّد نفسه بحقيبة صغيرة وضع فيها بعض المستلزمات الطبية العزيزة ، و التي توقع أن يواجه شحه حقيقية فيها .
فكم من مرة واجه إحراجاً كبيراً عندما أدخل مريضه إلى صالة العمليات ليكتشف عدم وجود مادة ضرورية لإجراء العملية ، اضطر إزاء ذلك للاستعانة بالبدائل التي قد تجعل العملية في كثير من الأحيان بطيئة أو خطواتها غير علمية .
و كم من مرة وقع في إحراج أكبر عندما يأمر بصرف مضاد حيوي لمريضه بعد العملية ليخبره الممرض في اليوم التالي بأن عليه أن يغير الدواء لأنه غير موجود في صيدلية المستشفى . و بعد أن يغير الدواء إلى مضاد حيوي آخر ، يعود الممرض في اليوم التالي ليخبره بأن الدواء الجديد عاد و اختفى من الصيدلية و أن الدواء الأول عاد ليتوفر من جديد ، أي أن مريضه كل يوم يستلم دواءاً مختلفاً ، في وضع أشبه ما يكون بمطاردة شبح لا يعرف له مكان أو زمان .
و بسبب تجربته المريرة مع الأدوية و المستلزمات الطبية الأخرى أثناء عمله المعتاد ، فقد قرر ملأ الحقيبة بكل شيء : ضمادات ، كفوف ، حقن ، محاليل معقمة ، قناني سوائل مغذية ، خيوط جراحية ، أدوية مسكنة و مضادات حيوية ، اشترى قسماً منها من السوق السوداء و دبّر البقية من المستشفى الذي يعمل فيه بعد أن تعاطف مع أزمته كل العاملين فيها .
فالسوق السوداء مفتوحة لمن لديه المقدرة على الدفع ، و من المفارقات ، فأنه هو الذي يمنع مرضاه من اللجوء إلى السوق السوداء للبحث عن الدواء ، و كان يحتال و يدخل مريضاً إلى المستشفى و حالته لا تحتاج للدخول في سبيل تأمين الدواء الضروري له ليمنعه من اللجوء إلى السوق السوداء . و هاهو الآن يفعل ما كان بالأمس ينهي عنه الناس ، و يقول في نفسه : إنها الحاجة .
و مثلما خالف مبادئه باللجوء إلى السوق السوداء ، خالف مبادئه مرة أخرى عندما فكر بأن يجلب معه عهدته التي يستلمها من صيدلية المستشفى على اعتبار أنه جراح ، و خالف مبادئه عندما فكر بأنه يستطيع صرف هذه العهدة لزوجته و هي التي لا يجوز له صرفها إلا لمرضاه .
و بعد صراع مع نفسه و جدال مع ضميره في ما يجوز و ما لا يجوز، قرر أن يتجرأ و يجلب معه ما اعتبره كنزاً . ففي عهدته عبوتان من دواء مسكن يعطى للمرضى بعد العمليات ، و هو دواء محظور تداوله و بيعه ، و يسلم للجراحين فقط كعهدة يوقع على إيصال باستلامها ، و عند استبدالها يجب عليه أن يبرز أذن صرف فيه تفاصيل عن المريض و التشخيص و يجب أن يرفق العبوتين الفارغتين مع إيصال الأذن . لذلك قدر هو بأن زوجته ستحتاج لهذا الدواء ، و بموجب هذا التعقيد في صرفه ، فأنه قدر أيضاً صعوبة أو استحالة الحصول عليه في الغربة .
و لم يسأل نفسه إذا استعمل العبوتين لزوجته و عاد إلى مستشفاه كيف سيتسنى له استبدالهما بدون أذون الصرف .
و قبل السفر بيوم واحد ، و عند باب صالة عمليات مستشفاه ، و هو يراجع محتويات الحقيبة ، صاحت به الممرضة المسئولة عن صالة العمليات ألا يذهب . ثم دخلت إلى داخل الصالة و عادت مهرولة و بيدها أنبوبتان من البلاستك تستعمل كقسطرة للمثانة ( تسمى في بلاده صوندة ) . فقال لها : أشكرك ، لا أعتقد بأني سوف أحتاج لهما ، لأن هذه الصوندة هي من أساسيات عمليات المسالك البولية ، و لا أعتقد بأن هناك جرّاحاً يجازف بإجراء عملية ما بدون توفرها تحت يده . فقالت له : احتياط دكتور ، فأنت في غربة ، و لست في مستشفاك . فشكرها على اهتمامها .
وصل إلى العاصمة عند الظهر ، و توجه إلى بيت أخت زوجته في إحدى ضواحيها . و عند العصر كان في عيادة زميله الجراح المشهور بالمسالك البولية . و قرر الجراح إجراء عملية مستعجلة صباح الغد للحالب الأيمن . و زوده بأمر الدخول إلى المستشفى الحكومي الذي يعمل فيه زميله ، و حدد الطبيب في أمر الدخول نوع و موعد العملية .
توجه فوراً إلى المستشفى ، و طلب من الممرض المسئول أن يحجز له غرفة خاصة في ( الجناح الخاص ) الذي استحدثته الدولة في كل المستشفيات ليعالج فيه المرضى مقابل ثمن ، عكس بقية الأجنحة في المستشفى التي يكون فيها العلاج مجاناً . و كان يعتقد بأنه من المفروض أن يتميز هذا الجناح الخاص عن بقية مرافق المستشفى بخدمته ، أو هكذا قدر لأن تجربة الجناح الخاص في مستشفاه كانت متميزة ، و هو أيضاً في سبيل توفير أكبر قدر من الراحة و الخصوصية لزوجته كان لا يبالي بما سيدفع من مال . إلا أن الممرض المسئول أخبره بعدم وجود غرفة منفردة لمريضته و لا يوجد في الجناح الخاص سوى غرفة من أربعة أسرّة ، لكنه وعده ألا يدخل مع زوجته أي مريضة طول مدة إقامتها في المستشفى . فدفع مبلغاً من المال لخزينة المستشفى ، و دفع مبلغاً مماثلاً للممرض كرشوة حتى يفي بوعده .
و في صباح اليوم التالي رافق زوجته داخل صالة العمليات لأنه كان يريد أن يوفر لها أكبر قدر من الطمأنينة بوجوده معها ، و بنفس الوقت كان يريد أن يرى بعينه العملية التي ستجرى لها .
و بدأ الجراح بمشرطه يقص الجلد و العضلات بمهارة و خفة ، و هو يقول في نفسه بأن هذه المهارة تستحق أن يتغرب من أجلها المريض و أن يصرف ماله كله .
و عند منتصف العملية قال له مساعد الجراح بلهجة واثقة : هل جلبت معك خيوط من النايلون لخياطة عضلات البطن ؟ .
نعم .. نعم . تمتم بالكلمات و هو مندهش ، كيف يطلب منه مساعد الجراح مادة مهمة كهذه و بطن زوجته مفتوحة ؟ و كيف سيتصرف الجراح لو عجز أهل المريض عن توفير ما هو مفقود في المستشفى ؟ ، و مع ذلك هرول إلى خارج صالة العمليات و هو يقول في نفسه : من المؤكد بأنهم يطلبون من مرضاهم أن يحضروا بعض المواد قبل إجراء العملية ، هذا أكيد ، فمن غير المعقول أن يطلبوا مواداً أثناء إجراء العملية أما في حالتي فأن الجراح قد استحى أن يطلب مني شيئاً أو نسى ربما ، ربما .
و عند باب الصالة الخارجي نادى على عديله ( زوج أخت زوجته ) ليأتيه بالحقيبة ، لأنه أودعها عنده قبل دخوله مع زوجته إلى الصالة . فتح الحقيبة أمام مجموعة من الناس كانوا مثل عديله و أخت زوجته ينتظرون مرضى لهم في صالة الانتظار ، و أخرج علبتان تحتوي كل واحدة منها خيطاً من النايلون يستعمل في خياطة طبقات عضلات البطن . و أغلق فتحة الحقيبة و هو يقول لعديله : الحمد لله أني جلبت هذه الحقيبة معي ، يا ترى ماذا سيكون موقفي لو طلبوا مني مادةً لم أجلبها معي ؟ .
رد عليه عديله : الحمد لله ، الحمد لله ، لكن قل لي بالله عليك ، هل كل الناس أطباء مثلك ؟ و هل كل الناس لديهم مثل حقيبتك ؟ . لم يرد عليه و عاد مهرولاً إلى داخل الصالة ليعطي الممرضة الخيوط و هو سعيد و كأنه حقق انتصاراً .
و قبل أن يقفل الجراح بطن زوجته همس له مساعد الجراح : هل جلبت معك صوندة ؟.عقدت الدهشة لسانه ، لكنه تمالك نفسه و أجابه : هل يعقل أن تجرى العمليات عندكم بدون وجود صوندات ؟ .
..... دكتور لا تضيع الوقت ، اذهب و دبّر صوندة بسرعة . أجابه المساعد .
هرول مرة أخرى لعديله بأن يأتيه بالحقيبة ، و أخرج منها إحدى الصوندتين ، و هو يقول في نفسه : بارك الله فيك يا ( وداد ) ، لو لم تزوديني بالصوندتين لكنت الآن في مأزق ، الحمد لله ... الحمد لله .
و قبل أن يذهب إلى داخل الصالة ، أمسكه عديله من يده و قال له : خذ حقيبتك معك إلى الداخل ، هل ترى هؤلاء الناس أمامك ؟ كلهم لديهم مرضى في الداخل ، و كل دقيقة يخرج عامل الصالة ليصيح باسم المريض ليطلب من أهله أن يجلبوا لمريضهم مادة ، و قد عرفوك و عرفوا ما في داخل الحقيبة ، و إذا لم تأخذها معك فأنهم سيهجمون عليّ للاستيلاء على ما بداخلها .
[يتبع]

أبوعلي
21-07-2004, 02:50
أرجوك أعطني (صوندة)
الجزء الثاني
قصة قصيرة
للكاتب الدكتور وليد
مسابقة النصوص

دُهش ، و لم يجب ، و عاد مهرولاً و بيده الحقيبة إلى داخل صالة العمليات ، ليعطي الممرضة الصوندة . و اعترته حالة هي مزيجاً من الفرح و الذهول و الحزن . فهو فرح لأنه استطاع توفير كل ما طُلب منه بسرعة ، و من ناحية أخرى فأنه مندهش و مشفق على أهالي بقية المرضى .
كيف سيتدبر هؤلاء الناس أمرهم ؟ قال في نفسه . ثم رفع صوته قائلاً : عندي صوندة أخرى ، إذا أي مريض يحتاجها سأعطيها له . لم يجبه أحد ، و لعلهم لم ينتبهوا لما قاله .
تأمل زوجته و هي مسجاة على فراشها بعد العملية و هي تأن من الألم . هرع إلى الممرضة يطلب منها أن تتصل بالطبيب المناوب ليأتي و يصرف لزوجته ذلك العقار المسكن المحدود الصرف . مرت ساعة و أنين زوجته يزداد ، عاد إلى الممرضة يسألها عن الطبيب و عن المسكن . قالت له الممرضة بأن إجراءات صرف هذا العقار طويلة و معقدة ، و رجته أن ينتظر قليلاً .
زاد أنين زوجته و تحول إلى مطرقة بدأت الآن تطرق على أعصابه . فهو لديه ما تحتاجه زوجته من عقار مسكن ، لكنها عهدة و مسئولية و ثقة حمّلتها به إدارة مستشفاه . لذلك آثر ألا يستعمله بتهور لأنه يخشى التفريط بعهدته دون داع .
و بعد دقائق أحس باليأس من نجدة الطبيب المناوب ، ولم يستطع الصبر ، أخرج الحقيبة ، و أخرج إحدى العبوتين اللتين تحتويان على العقار المسكن و أعطى زوجته نصفها و احتفظ بالنصف الثاني في حقنة فارغة ، و لم ينس أن يحتفظ بالعبوة الفارغة .
هدأ أنين زوجته ، ثم نامت ، و أحس بارتياح من نتيجة تأثير ذلك العقار المسكن عليها .
و عند العصر ، جاء الطبيب المناوب ليكشف على زوجته و بيده حقنة تحتوي على العقار المسكن ، و رأى في أوراق المريضة بأن كل شيء على ما يرام ، و كل شئ مسجل حسب الأصول . فدهش الطبيب سائلاً الممرضة : من الذي كتب هذه المعلومات في أوراق المريضة ؟ . أجابت الممرضة : إنه زوجها ، فهو طبيب . فقال الطبيب المناوب : حسناً ، ما دمت كذلك ، فهاك حقنة المسكن أعطها لزوجتك متى ما احتاجت له . أخذ منه الحقنة شاكراً و أخفاها في الحقيبة ، و لام نفسه على تسرعه بصرف عهدته من العقار قبل مجيء الطبيب المناوب .
و بعد وقت قصير و قبل الغروب ، أحس بالتعب ، فهو واقف على رجليه منذ الصباح الباكر ، و لم ينم جيداً ليلة البارحة ، لذلك قرر أن يأخذ قسطاً من النوم على أحد الأسّرة الشاغرة في الغرفة .
استلقى على السرير ، و قبل أن يغفو سمع صوت طرقات على باب الغرفة . نهض يفتح الباب ليجد أمامه شيخاً عجوزاً يقول له : أين الدكتور ؟ .
نعم يا عم أنا الدكتور ، تفضل ماذا تريد ؟ . أجابه
قال الشيخ : أولاً الحمد لله على سلامة زوجتك . لدي مريض ستجرى له غداً عملية ، و قال لي الطبيب عليك أن تدبر صوندة قبل إجراء العملية . و قد سمعت من أهالي بعض المرضى عنك و عن حقيبتك ، فأرجوك أعطني صوندة ! .
توجه إلى حقيبته بخفة و سرعة قاصداً أن يعطي الشيخ انطباعاً بأنه مهتم بتوفير طلبه بسرعة إكراماً لمريضه و لمجيئه باحثاً عنده عن حاجة قد لا يستطيع أن يحصل عيها بسهولة ، أو لعله فقيرٌ لا يستطيع شراءها .
فتح الحقيبة بسرعة ، و امتدت يده إلى داخلها تتحسس الصوندة . و في هذه اللحظة ، جاءه صدى صوت صادر من الأعماق يقول له : لا تفرط بالصوندة ، مشكلة زوجتك لم تحل بالكامل بعد ، فأنت لا تدري ماذا سيحصل من مضاعفات في الأيام أو الساعات القادمة ، و قد تحتاج إلى هذه الصوندة الاحتياطية .
أرخى يده التي كانت تبحث داخل الحقيبة ، و أخذ يحركها ببلاهة يوهم الشيخ بأنه إنما يبحث عن الصوندة و لكنه في الحقيقة يراجع نفسه : هل يعطي الشيخ الصوندة أم يحتفظ بها للطوارىء ؟ .
و مرت عليه ثواني من الوقت كانت أشبه بالدهر ، فهو ممزق الآن بين أنانيته و عطفه ، هل يرد الشيخ خائباً ؟ أم يتبع حذره و خوفه على مصلحة زوجته ، فقد رأى بأم عينيه معاناة الناس للحصول على الصوندة ، فكيف يفرط بهذا الشيء الثمين و هو في غربة ، و صحة زوجته في الميزان و أمام امتحان ؟ .
و بسرعة قرر أن يحسم الأمر و يواجه الشيخ بالحقيقة .
اسمع يا عم ، لا أخفي عليك بأنني أمتلك صوندة ، لكنك كما ترى الآن زوجتي أجريت لها العملية هذا الصباح ، و أخشى أن تحصل لها مضاعفات أحتاج فيها لهذه الصوندة ، أرجوك يا عم قدر موقفي .
أصابت الشيخ الخيبة ، و بهت من رده ، و قال له محاولاً إقناعه : الحمد لله يا بني ، نجحت عملية زوجتك و إن شاء الله سوف لن تحدث لها مضاعفات ، أرجوك قدر موقفي أنت أيضاً و أعطني الصوندة ، فأنا شيخ كبير و فقير لا أستطيع شراء الصوندة من الممرض ( كاظم ) . إن هذا الممرض أشبه بالجزار ينحر الناس بسكين احتكاره للمواد الضرورية و يبيعها بسعر غال و أمام المسئولين بالمستشفى ، إنهم شركاء معه في هذه الجريمة .
تعاطفت أخت زوجته مع الشيخ و رجته أن يعطيه الصوندة . قال بصوت عال فيه شيء من الغضب : إنكم كلكم هنا لا تعرفون مضاعفات العملية ، و أنا طبيب جراح أعرف تمام المعرفة خطورة حصول المضاعفات بغياب الصوندة . ثم التفت إلى الشيخ : يا عم ، أنا متأسف لا أستطيع إعطاءك الصوندة .
طأطأ الشيخ رأسه و قال له : عمي بكيفك ، على راحتك ، مو لازم .
و أخذ يتكلم أمام أخت زوجته و زوجها بصوت مسموع بأنه مسئول عن حياة زوجته و لا يستطيع التفريط بأي شيء في الغربة .
قالت له أخت زوجته : إنك متعب ، اذهب مع زوجي إلى البيت و استحم و غيّر ملابسك ثم عد لتمضي الليل مع أختي ، أنا سأرعاها في غيابك . وافق بعد تردد .
خرج من الحمام و هو مرتاح ، فقد بدأت أعصابه تهدأ . و قبل أن يرتدي ملابسه ليعود إلى المستشفى ، جاءه أحد أطفال البيت ليقول له : عمي ، ماما تريدك على التلفون . ذهل و خشي من طاريء أصاب زوجته .
جاءه صوت أخت زوجته يرتجف : إلحقني ، تعال بسرعة ، فقد فلتت الصوندة من مثانة أختي ! . و انهالت بالسباب على عامل مقسم الهاتف في المستشفى الذي رفض السماح لها بالاتصال بالبيت و قال لها بأنها تستطيع الاتصال من الهاتف العمومي ( أبو الفلوس ) الموجود خارج بناية المستشفى ، أما واجبه فهو تأمين الاتصال بأقسام المستشفى فقط ! .
لا يتذكر كيف أكمل ارتداء ملابسه ، و لا كيف مضى عليه الوقت أثناء الطريق . فقد تقاذفته الهواجس و تهاوت على عقله و قلبه مطارق الخوف و القلق .
وصل إلى المستشفى ليرى زوجته مسجاة على الفراش نصف واعية ، تقول له بصوت خافت يغلب عليه التعب و الإرهاق : ماذا حصل ؟ .إني أحس و كأن شيئاً ما قد خرج من جسمي .
طمأنها ، و فحص الصوندة ، فرآها و قد انسلت من المثانة و سقطت خارجاً على غطاء الفراش .
و لأنه طبيب ، فأنه يعرف بأن من المستحيل أن تفلت الصوندة من مكانها إلا إذا حصل خلل في البالونة التي تثبتها داخل المثانة . و فحص الصوندة و وجد بالونتها سليمة ، لكنه خشي أن يعيدها إلى داخل المثانة و هي التي فلتت للتو من مكانها في سابقة لم يصادفها أبداً في حياته كطبيب . لذلك قرر الاستعانة بالصوندة الأخرى التي بحوزته و التي رفض إعطاءها للشيخ ، و هو يسأل نفسه : كيف فلتت الصوندة و بالونة التثبيت سليمة ؟ .
و أثناء عملية إعادة الصوندة إلى مكانها تذكر الله و حمده و شكره لأنه لم يعط ما عنده من احتياطي لذلك الشيخ ، لكنه تذكر في النهاية بأن العناية الإلهية كانت ستأخذ منه الصوندة رغماً عنه سواء عن طريق الشيخ المسكين أو عن طريق حصول مضاعفات فريدة و غير مبررة لزوجته .
و بعد أن أعاد الصوندة إلى مكانها تمتم بكلمات غير مفهومة ، لكنه قصد بها أن يقول أن إرادة الله أكبر من إرادة البشر مهما احتاط أو أعد العدة , و رنت في أذنه كلمات الشيخ :
أرجوك أعطني صوندة
{انتهت}

عبداللطيف
21-07-2004, 09:34
السلام عليكم

شكرآ دكتور على مساهمتك التي عززت موقف المسابقة !!

ومرة أخرى أن يكون توارد هذه الإبداعات على لجنة المسابقة
حافزآ للآخرين ممن يمتلكون موهبة كتابة القصة القصيرة أو حتى
محاولتها ..

طلحه
21-07-2004, 11:06
حبيب الكل أبا عمر
والله أن هذه القصة
تقشعر لها الأبدان
وتذرف لها الدوموع
و تتفطر لها الأفئدة
و تستعجب لها العقول
و تنهار من أثرها المسامع

هل لحد هذا الحدود تصل معاناة الأنسانية في بلد أوله حضارة و أوسطة حضارة و أخره خساره.
عليك اللعنة يا أيها الغازي!!!
عليك غضب من الله يا أيها المحتل!!!
عليك حنق البشرية جمعاء يا من سميت " الغم سام"

قصة كتبتها بمفردات مختارة من صميم المعاناة و الألام و عبارات مؤثره صيغت بطبيعة طبيب متخصص بآهات الانسان .

لله درك يا أبا عمر يا صاحب القلم المداوي للجراح و ممتص آلام الجروح من من يعانيها.
يا سلام عندما تلتقي حيثيات الطب مع مشاعر الأنسانيه عندما يكتنفها وصف طبيب متمرس بأدوات الجراحه و حروف البلاغه.

أخوك / طلحه

محب الله
21-07-2004, 15:58
ما شاء الله.. تبارك الله
أنت رائع يا دكتور أبا عمر.. عفويتك تضفي على مواضيعك، طعماً خاصاً..

تقول: (و بعد أن أعاد الصوندة إلى مكانها تمتم بكلمات غير مفهومة ، لكنه قصد بها أن يقول أن إرادة الله أكبر من إرادة البشر مهما احتاط أو أعد العدة , و رنت في أذنه كلمات الشيخ : أرجوك أعطني صوندة)

وما أدراك لو أعطى بطل القصة الصوندة إلى ذلك الشيخ، وكسب دعاءه، وفك أزمته، وكسب لطف الله به.. لربما –والله أعلم- لم يحتج للصوندة الثانية، ولم تتعرض زوجته للمعاناة.. وهو نفسه يستغرب من نزع الصوندة، بصورة لم يرها من قبل..
غفر الله لذلك الدكتور..
والله يا أحبة لو تعاملنا مع الله، كأننا نراه.. أو كأنه يرانا، لصلحت أمورنا..

أحسنت يا أبا عمر، على نقل مشاعر هذا الدكتور وكأنك قد عشتها، وهذا دليل حسك المرهف.. نفعنا الله بك، ونفعك بنا، وسدد الله على الصراط مسيرنا، وختم بالجنات مصيرنا..

سمو الضمير
22-07-2004, 12:53
تحيه للدكتور وليد
تحيه لابن الثقلة

رائع ما كتب قلمك ورائع ما سطر فكرك ورائع ما تساقط حبرك من زخات أدبية
لك مني كل تقدير ومحبة وإحترام
ومو غريب على الدكتور ان يجمع مع الطب كل ألوان الفنون .

سمو الضمير / إبن الثقلة

القلم
22-07-2004, 13:52
أخي الغالي دكتور وليد ..

ما شاء الله عليك ، حفظك الله .. smil103

ابوعمر
22-07-2004, 23:49
ماشاء اللة يادكتور وليد فانت مبدع حتى في طرح القصص

الكاتبة
25-07-2004, 18:26
دكتور وليد :
أهنئك على هذا الابداع في مجال الطب والكتابة .
حقاً دكتور كــله !!
قصة جميلة ، وأعجبتني فعلاً مشاعر الدكتور الانسانية .
تحية طيبـة لك

خالد فارس
30-07-2004, 13:28
قصة جميلة وتدل على موهبة متأصلة تحجبها شهادة الطب البشري .
أرجو أن يكشف لنا الدكتور وليد عن غيرها ، خاصة القصائد الشعرية .