أبوعلي
21-07-2004, 02:40
أرجوك أعطني ( صوندة)
الجزء الأول
قصة قصيرة
للكاتب الدكتور وليد
مسابقة النصوص
أرجوك أعطني ( صوندة ) ! .
قرر أن يسافر إلى العاصمة ، فزوجته داهمها مرضٌ خطير ، قال الأطباء عنه بأن عملية جراحية مستعجلة لا بد أن تجرى لها لإزالة الخطر عن الكليتين .
ففي يوم من الأيام لاحظت زوجته بأن بولها لونه أحمر ، و لأنه طبيب ، فقد أدرك على الفور بأن الأمر خطير ، و أن اللون الأحمر إنما هو دم يخرج مع البول .
و قد تعوّد ألا يعالج أهل بيته إلا في الحالات السهلة ، أما في أمور خطيرة كهذه فأنه يفضّل أن يعالجهم طبيبٌ غيره . و عندما أصاب زوجته التبول الدموي فأنه عرضها على أحد زملائه الجراحين الذي قرر إجراء الأشعة الملونة للكلى لتشخيص السبب . و أظهرت الأشعة أن هناك انسداداً في كلا الحالبين ، الأمر الذي أدى إلى توسّع في كلا الكليتين التي تواجه الآن خطر الفشل الكلوي .
و في واقع الحال ، لم يكن قراره في السفر إلى العاصمة قد جاء بسبب فقر الإمكانيات الطبية في مدينته ، و هي ثاني أكبر مدن بلده . لكن السبب في قرار السفر لأنه أراد أن يعرض زوجته على أحد أشهر جراحي المسالك البولية في بلده ، الذي كان يعمل قبل ثلاث سنوات في مستشفيات مدينته ، و نقل بعدها ليعمل في العاصمة . لذلك قرر اللحاق به هناك منفذاً لنصيحة زملاءه و أصدقاءه .
و لم يكن السفر إلى العاصمة بالنسبة له أمراً هينا ، فالبلد يتعرض لحصار اقتصادي فرضه الأعداء ألهب ظهور الناس بسياط من الجوع و الفقر و الحرمان و قلة الحيلة . و في تلك الأيام ، تحول السفر من سياحة و متعة و ربما تجارة ، إلى محنة و مشكلة لا يلجأ إليه إلا المضطر . فقد انعكست آثار الحصار على كل مرافق الدولة و كل مظاهر الحياة إلى الدرجة التي أصبح فيها الاستمرار في الحياة يشكل تحدياً لكل الناس ، و أصبح همّهم هو الصراع من أجل البقاء . و بطبيعة الحال لم تكن الخدمات الطبية و الصحية المقدمة للناس ببعيدة عن تأثير الحصار ، و لعلها الأكثر تأثيراً على أعصاب الناس المحرومة التي أصبحت الآن لا تجد ما يكفيها من طعام ، و لا تجد ما ينقذها من الأمراض ، و لا تجد خدمات تسهّل لها الحياة . فقد عمّ الغلاء كل شيء ، و انتعشت السوق السوداء بشكل لم يسبق له مثيل ، و تلاعب اللصوص بمقدرات شعب كان في يوم من الأيام من أكثر الشعوب التي تنعم بالأمن و الرخاء .
و مع ذلك ، كانت صحة زوجته فوق كل اعتبار ، و كان لديه الاستعداد للتضحية بأي شيء لينقذ زوجته من محنتها ، هكذا كان يفكر طوال ليله عندما تكالبت عليه الهواجس و أقضّت مضجعه و استعبدته الأفكار و القلق و أصبح أسير المخاوف ، فهو طبيب يدرك جيداً ماذا يعني الفشل الكلوي .
فهو يعلم بأن عليه أن يصرف مبلغاً كبيراً من المال سيأتي على كل مدخراته ، هذا إذا لم يضطر للاستدانة .
و هو يعلم بأن عليه أن يجد حارساً أميناً لبيته ، لأن اللصوص لن يتركوا بيتاً خالياً و لو لبضعة أيام بدون أن يسيل لعابهم لسرقته .
و هو يعلم بأن عليه أن يودع ولديه لدى أهل زوجته لرعايتهما ، فالدراسة مستمرة في المدارس .
و هو يعلم بأن عليه أن يغلق عيادته ، و هي مصدر رزقه الوحيد ، لأن راتبه التي يتقاضاه من الحكومة لا يكفيه سوى يومين بسبب الغلاء الفاحش و التضخم الذي تسبب فيه الحصار على بلده . و بذلك سيحرم نفسه من مصدر سخي للمال .
و هو يعلم أنه بسفرته هذه ، و بطلب علاج زوجته في مدينة غير مدينته ، سيحرم نفسه أيضاً من ميزة الاستفادة من خدمات زملاءه و معارفه في مستشفيات مدينته .
و مع ذلك قرر السفر بدون الالتفات لأي خسائر أو أخطار .
و قبل السفر ، و بسبب معرفته الدقيقة بما آل إليه وضع المستشفيات في بلده بعدما استفحل الحصار و فتك بالنظام الصحي و الطبي للبلد ، زوّد نفسه بحقيبة صغيرة وضع فيها بعض المستلزمات الطبية العزيزة ، و التي توقع أن يواجه شحه حقيقية فيها .
فكم من مرة واجه إحراجاً كبيراً عندما أدخل مريضه إلى صالة العمليات ليكتشف عدم وجود مادة ضرورية لإجراء العملية ، اضطر إزاء ذلك للاستعانة بالبدائل التي قد تجعل العملية في كثير من الأحيان بطيئة أو خطواتها غير علمية .
و كم من مرة وقع في إحراج أكبر عندما يأمر بصرف مضاد حيوي لمريضه بعد العملية ليخبره الممرض في اليوم التالي بأن عليه أن يغير الدواء لأنه غير موجود في صيدلية المستشفى . و بعد أن يغير الدواء إلى مضاد حيوي آخر ، يعود الممرض في اليوم التالي ليخبره بأن الدواء الجديد عاد و اختفى من الصيدلية و أن الدواء الأول عاد ليتوفر من جديد ، أي أن مريضه كل يوم يستلم دواءاً مختلفاً ، في وضع أشبه ما يكون بمطاردة شبح لا يعرف له مكان أو زمان .
و بسبب تجربته المريرة مع الأدوية و المستلزمات الطبية الأخرى أثناء عمله المعتاد ، فقد قرر ملأ الحقيبة بكل شيء : ضمادات ، كفوف ، حقن ، محاليل معقمة ، قناني سوائل مغذية ، خيوط جراحية ، أدوية مسكنة و مضادات حيوية ، اشترى قسماً منها من السوق السوداء و دبّر البقية من المستشفى الذي يعمل فيه بعد أن تعاطف مع أزمته كل العاملين فيها .
فالسوق السوداء مفتوحة لمن لديه المقدرة على الدفع ، و من المفارقات ، فأنه هو الذي يمنع مرضاه من اللجوء إلى السوق السوداء للبحث عن الدواء ، و كان يحتال و يدخل مريضاً إلى المستشفى و حالته لا تحتاج للدخول في سبيل تأمين الدواء الضروري له ليمنعه من اللجوء إلى السوق السوداء . و هاهو الآن يفعل ما كان بالأمس ينهي عنه الناس ، و يقول في نفسه : إنها الحاجة .
و مثلما خالف مبادئه باللجوء إلى السوق السوداء ، خالف مبادئه مرة أخرى عندما فكر بأن يجلب معه عهدته التي يستلمها من صيدلية المستشفى على اعتبار أنه جراح ، و خالف مبادئه عندما فكر بأنه يستطيع صرف هذه العهدة لزوجته و هي التي لا يجوز له صرفها إلا لمرضاه .
و بعد صراع مع نفسه و جدال مع ضميره في ما يجوز و ما لا يجوز، قرر أن يتجرأ و يجلب معه ما اعتبره كنزاً . ففي عهدته عبوتان من دواء مسكن يعطى للمرضى بعد العمليات ، و هو دواء محظور تداوله و بيعه ، و يسلم للجراحين فقط كعهدة يوقع على إيصال باستلامها ، و عند استبدالها يجب عليه أن يبرز أذن صرف فيه تفاصيل عن المريض و التشخيص و يجب أن يرفق العبوتين الفارغتين مع إيصال الأذن . لذلك قدر هو بأن زوجته ستحتاج لهذا الدواء ، و بموجب هذا التعقيد في صرفه ، فأنه قدر أيضاً صعوبة أو استحالة الحصول عليه في الغربة .
و لم يسأل نفسه إذا استعمل العبوتين لزوجته و عاد إلى مستشفاه كيف سيتسنى له استبدالهما بدون أذون الصرف .
و قبل السفر بيوم واحد ، و عند باب صالة عمليات مستشفاه ، و هو يراجع محتويات الحقيبة ، صاحت به الممرضة المسئولة عن صالة العمليات ألا يذهب . ثم دخلت إلى داخل الصالة و عادت مهرولة و بيدها أنبوبتان من البلاستك تستعمل كقسطرة للمثانة ( تسمى في بلاده صوندة ) . فقال لها : أشكرك ، لا أعتقد بأني سوف أحتاج لهما ، لأن هذه الصوندة هي من أساسيات عمليات المسالك البولية ، و لا أعتقد بأن هناك جرّاحاً يجازف بإجراء عملية ما بدون توفرها تحت يده . فقالت له : احتياط دكتور ، فأنت في غربة ، و لست في مستشفاك . فشكرها على اهتمامها .
وصل إلى العاصمة عند الظهر ، و توجه إلى بيت أخت زوجته في إحدى ضواحيها . و عند العصر كان في عيادة زميله الجراح المشهور بالمسالك البولية . و قرر الجراح إجراء عملية مستعجلة صباح الغد للحالب الأيمن . و زوده بأمر الدخول إلى المستشفى الحكومي الذي يعمل فيه زميله ، و حدد الطبيب في أمر الدخول نوع و موعد العملية .
توجه فوراً إلى المستشفى ، و طلب من الممرض المسئول أن يحجز له غرفة خاصة في ( الجناح الخاص ) الذي استحدثته الدولة في كل المستشفيات ليعالج فيه المرضى مقابل ثمن ، عكس بقية الأجنحة في المستشفى التي يكون فيها العلاج مجاناً . و كان يعتقد بأنه من المفروض أن يتميز هذا الجناح الخاص عن بقية مرافق المستشفى بخدمته ، أو هكذا قدر لأن تجربة الجناح الخاص في مستشفاه كانت متميزة ، و هو أيضاً في سبيل توفير أكبر قدر من الراحة و الخصوصية لزوجته كان لا يبالي بما سيدفع من مال . إلا أن الممرض المسئول أخبره بعدم وجود غرفة منفردة لمريضته و لا يوجد في الجناح الخاص سوى غرفة من أربعة أسرّة ، لكنه وعده ألا يدخل مع زوجته أي مريضة طول مدة إقامتها في المستشفى . فدفع مبلغاً من المال لخزينة المستشفى ، و دفع مبلغاً مماثلاً للممرض كرشوة حتى يفي بوعده .
و في صباح اليوم التالي رافق زوجته داخل صالة العمليات لأنه كان يريد أن يوفر لها أكبر قدر من الطمأنينة بوجوده معها ، و بنفس الوقت كان يريد أن يرى بعينه العملية التي ستجرى لها .
و بدأ الجراح بمشرطه يقص الجلد و العضلات بمهارة و خفة ، و هو يقول في نفسه بأن هذه المهارة تستحق أن يتغرب من أجلها المريض و أن يصرف ماله كله .
و عند منتصف العملية قال له مساعد الجراح بلهجة واثقة : هل جلبت معك خيوط من النايلون لخياطة عضلات البطن ؟ .
نعم .. نعم . تمتم بالكلمات و هو مندهش ، كيف يطلب منه مساعد الجراح مادة مهمة كهذه و بطن زوجته مفتوحة ؟ و كيف سيتصرف الجراح لو عجز أهل المريض عن توفير ما هو مفقود في المستشفى ؟ ، و مع ذلك هرول إلى خارج صالة العمليات و هو يقول في نفسه : من المؤكد بأنهم يطلبون من مرضاهم أن يحضروا بعض المواد قبل إجراء العملية ، هذا أكيد ، فمن غير المعقول أن يطلبوا مواداً أثناء إجراء العملية أما في حالتي فأن الجراح قد استحى أن يطلب مني شيئاً أو نسى ربما ، ربما .
و عند باب الصالة الخارجي نادى على عديله ( زوج أخت زوجته ) ليأتيه بالحقيبة ، لأنه أودعها عنده قبل دخوله مع زوجته إلى الصالة . فتح الحقيبة أمام مجموعة من الناس كانوا مثل عديله و أخت زوجته ينتظرون مرضى لهم في صالة الانتظار ، و أخرج علبتان تحتوي كل واحدة منها خيطاً من النايلون يستعمل في خياطة طبقات عضلات البطن . و أغلق فتحة الحقيبة و هو يقول لعديله : الحمد لله أني جلبت هذه الحقيبة معي ، يا ترى ماذا سيكون موقفي لو طلبوا مني مادةً لم أجلبها معي ؟ .
رد عليه عديله : الحمد لله ، الحمد لله ، لكن قل لي بالله عليك ، هل كل الناس أطباء مثلك ؟ و هل كل الناس لديهم مثل حقيبتك ؟ . لم يرد عليه و عاد مهرولاً إلى داخل الصالة ليعطي الممرضة الخيوط و هو سعيد و كأنه حقق انتصاراً .
و قبل أن يقفل الجراح بطن زوجته همس له مساعد الجراح : هل جلبت معك صوندة ؟.عقدت الدهشة لسانه ، لكنه تمالك نفسه و أجابه : هل يعقل أن تجرى العمليات عندكم بدون وجود صوندات ؟ .
..... دكتور لا تضيع الوقت ، اذهب و دبّر صوندة بسرعة . أجابه المساعد .
هرول مرة أخرى لعديله بأن يأتيه بالحقيبة ، و أخرج منها إحدى الصوندتين ، و هو يقول في نفسه : بارك الله فيك يا ( وداد ) ، لو لم تزوديني بالصوندتين لكنت الآن في مأزق ، الحمد لله ... الحمد لله .
و قبل أن يذهب إلى داخل الصالة ، أمسكه عديله من يده و قال له : خذ حقيبتك معك إلى الداخل ، هل ترى هؤلاء الناس أمامك ؟ كلهم لديهم مرضى في الداخل ، و كل دقيقة يخرج عامل الصالة ليصيح باسم المريض ليطلب من أهله أن يجلبوا لمريضهم مادة ، و قد عرفوك و عرفوا ما في داخل الحقيبة ، و إذا لم تأخذها معك فأنهم سيهجمون عليّ للاستيلاء على ما بداخلها .
[يتبع]
الجزء الأول
قصة قصيرة
للكاتب الدكتور وليد
مسابقة النصوص
أرجوك أعطني ( صوندة ) ! .
قرر أن يسافر إلى العاصمة ، فزوجته داهمها مرضٌ خطير ، قال الأطباء عنه بأن عملية جراحية مستعجلة لا بد أن تجرى لها لإزالة الخطر عن الكليتين .
ففي يوم من الأيام لاحظت زوجته بأن بولها لونه أحمر ، و لأنه طبيب ، فقد أدرك على الفور بأن الأمر خطير ، و أن اللون الأحمر إنما هو دم يخرج مع البول .
و قد تعوّد ألا يعالج أهل بيته إلا في الحالات السهلة ، أما في أمور خطيرة كهذه فأنه يفضّل أن يعالجهم طبيبٌ غيره . و عندما أصاب زوجته التبول الدموي فأنه عرضها على أحد زملائه الجراحين الذي قرر إجراء الأشعة الملونة للكلى لتشخيص السبب . و أظهرت الأشعة أن هناك انسداداً في كلا الحالبين ، الأمر الذي أدى إلى توسّع في كلا الكليتين التي تواجه الآن خطر الفشل الكلوي .
و في واقع الحال ، لم يكن قراره في السفر إلى العاصمة قد جاء بسبب فقر الإمكانيات الطبية في مدينته ، و هي ثاني أكبر مدن بلده . لكن السبب في قرار السفر لأنه أراد أن يعرض زوجته على أحد أشهر جراحي المسالك البولية في بلده ، الذي كان يعمل قبل ثلاث سنوات في مستشفيات مدينته ، و نقل بعدها ليعمل في العاصمة . لذلك قرر اللحاق به هناك منفذاً لنصيحة زملاءه و أصدقاءه .
و لم يكن السفر إلى العاصمة بالنسبة له أمراً هينا ، فالبلد يتعرض لحصار اقتصادي فرضه الأعداء ألهب ظهور الناس بسياط من الجوع و الفقر و الحرمان و قلة الحيلة . و في تلك الأيام ، تحول السفر من سياحة و متعة و ربما تجارة ، إلى محنة و مشكلة لا يلجأ إليه إلا المضطر . فقد انعكست آثار الحصار على كل مرافق الدولة و كل مظاهر الحياة إلى الدرجة التي أصبح فيها الاستمرار في الحياة يشكل تحدياً لكل الناس ، و أصبح همّهم هو الصراع من أجل البقاء . و بطبيعة الحال لم تكن الخدمات الطبية و الصحية المقدمة للناس ببعيدة عن تأثير الحصار ، و لعلها الأكثر تأثيراً على أعصاب الناس المحرومة التي أصبحت الآن لا تجد ما يكفيها من طعام ، و لا تجد ما ينقذها من الأمراض ، و لا تجد خدمات تسهّل لها الحياة . فقد عمّ الغلاء كل شيء ، و انتعشت السوق السوداء بشكل لم يسبق له مثيل ، و تلاعب اللصوص بمقدرات شعب كان في يوم من الأيام من أكثر الشعوب التي تنعم بالأمن و الرخاء .
و مع ذلك ، كانت صحة زوجته فوق كل اعتبار ، و كان لديه الاستعداد للتضحية بأي شيء لينقذ زوجته من محنتها ، هكذا كان يفكر طوال ليله عندما تكالبت عليه الهواجس و أقضّت مضجعه و استعبدته الأفكار و القلق و أصبح أسير المخاوف ، فهو طبيب يدرك جيداً ماذا يعني الفشل الكلوي .
فهو يعلم بأن عليه أن يصرف مبلغاً كبيراً من المال سيأتي على كل مدخراته ، هذا إذا لم يضطر للاستدانة .
و هو يعلم بأن عليه أن يجد حارساً أميناً لبيته ، لأن اللصوص لن يتركوا بيتاً خالياً و لو لبضعة أيام بدون أن يسيل لعابهم لسرقته .
و هو يعلم بأن عليه أن يودع ولديه لدى أهل زوجته لرعايتهما ، فالدراسة مستمرة في المدارس .
و هو يعلم بأن عليه أن يغلق عيادته ، و هي مصدر رزقه الوحيد ، لأن راتبه التي يتقاضاه من الحكومة لا يكفيه سوى يومين بسبب الغلاء الفاحش و التضخم الذي تسبب فيه الحصار على بلده . و بذلك سيحرم نفسه من مصدر سخي للمال .
و هو يعلم أنه بسفرته هذه ، و بطلب علاج زوجته في مدينة غير مدينته ، سيحرم نفسه أيضاً من ميزة الاستفادة من خدمات زملاءه و معارفه في مستشفيات مدينته .
و مع ذلك قرر السفر بدون الالتفات لأي خسائر أو أخطار .
و قبل السفر ، و بسبب معرفته الدقيقة بما آل إليه وضع المستشفيات في بلده بعدما استفحل الحصار و فتك بالنظام الصحي و الطبي للبلد ، زوّد نفسه بحقيبة صغيرة وضع فيها بعض المستلزمات الطبية العزيزة ، و التي توقع أن يواجه شحه حقيقية فيها .
فكم من مرة واجه إحراجاً كبيراً عندما أدخل مريضه إلى صالة العمليات ليكتشف عدم وجود مادة ضرورية لإجراء العملية ، اضطر إزاء ذلك للاستعانة بالبدائل التي قد تجعل العملية في كثير من الأحيان بطيئة أو خطواتها غير علمية .
و كم من مرة وقع في إحراج أكبر عندما يأمر بصرف مضاد حيوي لمريضه بعد العملية ليخبره الممرض في اليوم التالي بأن عليه أن يغير الدواء لأنه غير موجود في صيدلية المستشفى . و بعد أن يغير الدواء إلى مضاد حيوي آخر ، يعود الممرض في اليوم التالي ليخبره بأن الدواء الجديد عاد و اختفى من الصيدلية و أن الدواء الأول عاد ليتوفر من جديد ، أي أن مريضه كل يوم يستلم دواءاً مختلفاً ، في وضع أشبه ما يكون بمطاردة شبح لا يعرف له مكان أو زمان .
و بسبب تجربته المريرة مع الأدوية و المستلزمات الطبية الأخرى أثناء عمله المعتاد ، فقد قرر ملأ الحقيبة بكل شيء : ضمادات ، كفوف ، حقن ، محاليل معقمة ، قناني سوائل مغذية ، خيوط جراحية ، أدوية مسكنة و مضادات حيوية ، اشترى قسماً منها من السوق السوداء و دبّر البقية من المستشفى الذي يعمل فيه بعد أن تعاطف مع أزمته كل العاملين فيها .
فالسوق السوداء مفتوحة لمن لديه المقدرة على الدفع ، و من المفارقات ، فأنه هو الذي يمنع مرضاه من اللجوء إلى السوق السوداء للبحث عن الدواء ، و كان يحتال و يدخل مريضاً إلى المستشفى و حالته لا تحتاج للدخول في سبيل تأمين الدواء الضروري له ليمنعه من اللجوء إلى السوق السوداء . و هاهو الآن يفعل ما كان بالأمس ينهي عنه الناس ، و يقول في نفسه : إنها الحاجة .
و مثلما خالف مبادئه باللجوء إلى السوق السوداء ، خالف مبادئه مرة أخرى عندما فكر بأن يجلب معه عهدته التي يستلمها من صيدلية المستشفى على اعتبار أنه جراح ، و خالف مبادئه عندما فكر بأنه يستطيع صرف هذه العهدة لزوجته و هي التي لا يجوز له صرفها إلا لمرضاه .
و بعد صراع مع نفسه و جدال مع ضميره في ما يجوز و ما لا يجوز، قرر أن يتجرأ و يجلب معه ما اعتبره كنزاً . ففي عهدته عبوتان من دواء مسكن يعطى للمرضى بعد العمليات ، و هو دواء محظور تداوله و بيعه ، و يسلم للجراحين فقط كعهدة يوقع على إيصال باستلامها ، و عند استبدالها يجب عليه أن يبرز أذن صرف فيه تفاصيل عن المريض و التشخيص و يجب أن يرفق العبوتين الفارغتين مع إيصال الأذن . لذلك قدر هو بأن زوجته ستحتاج لهذا الدواء ، و بموجب هذا التعقيد في صرفه ، فأنه قدر أيضاً صعوبة أو استحالة الحصول عليه في الغربة .
و لم يسأل نفسه إذا استعمل العبوتين لزوجته و عاد إلى مستشفاه كيف سيتسنى له استبدالهما بدون أذون الصرف .
و قبل السفر بيوم واحد ، و عند باب صالة عمليات مستشفاه ، و هو يراجع محتويات الحقيبة ، صاحت به الممرضة المسئولة عن صالة العمليات ألا يذهب . ثم دخلت إلى داخل الصالة و عادت مهرولة و بيدها أنبوبتان من البلاستك تستعمل كقسطرة للمثانة ( تسمى في بلاده صوندة ) . فقال لها : أشكرك ، لا أعتقد بأني سوف أحتاج لهما ، لأن هذه الصوندة هي من أساسيات عمليات المسالك البولية ، و لا أعتقد بأن هناك جرّاحاً يجازف بإجراء عملية ما بدون توفرها تحت يده . فقالت له : احتياط دكتور ، فأنت في غربة ، و لست في مستشفاك . فشكرها على اهتمامها .
وصل إلى العاصمة عند الظهر ، و توجه إلى بيت أخت زوجته في إحدى ضواحيها . و عند العصر كان في عيادة زميله الجراح المشهور بالمسالك البولية . و قرر الجراح إجراء عملية مستعجلة صباح الغد للحالب الأيمن . و زوده بأمر الدخول إلى المستشفى الحكومي الذي يعمل فيه زميله ، و حدد الطبيب في أمر الدخول نوع و موعد العملية .
توجه فوراً إلى المستشفى ، و طلب من الممرض المسئول أن يحجز له غرفة خاصة في ( الجناح الخاص ) الذي استحدثته الدولة في كل المستشفيات ليعالج فيه المرضى مقابل ثمن ، عكس بقية الأجنحة في المستشفى التي يكون فيها العلاج مجاناً . و كان يعتقد بأنه من المفروض أن يتميز هذا الجناح الخاص عن بقية مرافق المستشفى بخدمته ، أو هكذا قدر لأن تجربة الجناح الخاص في مستشفاه كانت متميزة ، و هو أيضاً في سبيل توفير أكبر قدر من الراحة و الخصوصية لزوجته كان لا يبالي بما سيدفع من مال . إلا أن الممرض المسئول أخبره بعدم وجود غرفة منفردة لمريضته و لا يوجد في الجناح الخاص سوى غرفة من أربعة أسرّة ، لكنه وعده ألا يدخل مع زوجته أي مريضة طول مدة إقامتها في المستشفى . فدفع مبلغاً من المال لخزينة المستشفى ، و دفع مبلغاً مماثلاً للممرض كرشوة حتى يفي بوعده .
و في صباح اليوم التالي رافق زوجته داخل صالة العمليات لأنه كان يريد أن يوفر لها أكبر قدر من الطمأنينة بوجوده معها ، و بنفس الوقت كان يريد أن يرى بعينه العملية التي ستجرى لها .
و بدأ الجراح بمشرطه يقص الجلد و العضلات بمهارة و خفة ، و هو يقول في نفسه بأن هذه المهارة تستحق أن يتغرب من أجلها المريض و أن يصرف ماله كله .
و عند منتصف العملية قال له مساعد الجراح بلهجة واثقة : هل جلبت معك خيوط من النايلون لخياطة عضلات البطن ؟ .
نعم .. نعم . تمتم بالكلمات و هو مندهش ، كيف يطلب منه مساعد الجراح مادة مهمة كهذه و بطن زوجته مفتوحة ؟ و كيف سيتصرف الجراح لو عجز أهل المريض عن توفير ما هو مفقود في المستشفى ؟ ، و مع ذلك هرول إلى خارج صالة العمليات و هو يقول في نفسه : من المؤكد بأنهم يطلبون من مرضاهم أن يحضروا بعض المواد قبل إجراء العملية ، هذا أكيد ، فمن غير المعقول أن يطلبوا مواداً أثناء إجراء العملية أما في حالتي فأن الجراح قد استحى أن يطلب مني شيئاً أو نسى ربما ، ربما .
و عند باب الصالة الخارجي نادى على عديله ( زوج أخت زوجته ) ليأتيه بالحقيبة ، لأنه أودعها عنده قبل دخوله مع زوجته إلى الصالة . فتح الحقيبة أمام مجموعة من الناس كانوا مثل عديله و أخت زوجته ينتظرون مرضى لهم في صالة الانتظار ، و أخرج علبتان تحتوي كل واحدة منها خيطاً من النايلون يستعمل في خياطة طبقات عضلات البطن . و أغلق فتحة الحقيبة و هو يقول لعديله : الحمد لله أني جلبت هذه الحقيبة معي ، يا ترى ماذا سيكون موقفي لو طلبوا مني مادةً لم أجلبها معي ؟ .
رد عليه عديله : الحمد لله ، الحمد لله ، لكن قل لي بالله عليك ، هل كل الناس أطباء مثلك ؟ و هل كل الناس لديهم مثل حقيبتك ؟ . لم يرد عليه و عاد مهرولاً إلى داخل الصالة ليعطي الممرضة الخيوط و هو سعيد و كأنه حقق انتصاراً .
و قبل أن يقفل الجراح بطن زوجته همس له مساعد الجراح : هل جلبت معك صوندة ؟.عقدت الدهشة لسانه ، لكنه تمالك نفسه و أجابه : هل يعقل أن تجرى العمليات عندكم بدون وجود صوندات ؟ .
..... دكتور لا تضيع الوقت ، اذهب و دبّر صوندة بسرعة . أجابه المساعد .
هرول مرة أخرى لعديله بأن يأتيه بالحقيبة ، و أخرج منها إحدى الصوندتين ، و هو يقول في نفسه : بارك الله فيك يا ( وداد ) ، لو لم تزوديني بالصوندتين لكنت الآن في مأزق ، الحمد لله ... الحمد لله .
و قبل أن يذهب إلى داخل الصالة ، أمسكه عديله من يده و قال له : خذ حقيبتك معك إلى الداخل ، هل ترى هؤلاء الناس أمامك ؟ كلهم لديهم مرضى في الداخل ، و كل دقيقة يخرج عامل الصالة ليصيح باسم المريض ليطلب من أهله أن يجلبوا لمريضهم مادة ، و قد عرفوك و عرفوا ما في داخل الحقيبة ، و إذا لم تأخذها معك فأنهم سيهجمون عليّ للاستيلاء على ما بداخلها .
[يتبع]