محب الله
05-07-2004, 19:10
نزولاً عند رغبة أخي الحبيب عبداللطيف بالتعريف بهذا الصحابي الجليل.. لأخي وللأخوة جميعاً هذه النبذة المختصرة.. وطلباتك أوامر يا أخي الحبيب...
----------------------------
سالم مولى أبي حذيفة,, حامل القرآن
أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوما، فقال: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب" البخاري
كان عبدا رقيقا، رفع الإسلام من شأنه حتى جعل منه ابناً لواحد من كبار المسلمين كان قبل إسلامه شريفاً من أشراف قريش، وزعيماً من زعمائها..
ولما أبطل الإسلام عادة التبني، صار أخا ورفيقا، ومولى للذي كان يتبناه وهو الصحابي الجليل: أبو حذيفة بن عتبة..
وبفضل من الله ونعمة على سالم بلغ بين المسلمين شأوا رفيعا وعاليا.. ذلك أنه كان رقيقا وأعتق.. وأخذ مكانه بين السابقين الأولين..
وكان حذيفة بن عتبة، قد باكر هو الآخر وسارع إلى الإسلام تاركاً أباه عتبة بن ربيعة يجتر مغايظه وهمومه التي عكّرت صفو حياته، بسبب إسلام ابنه الذي كان وجيها في قومه، وكان أبوه يعدّه للزعامة في قريش..
وتبنى أبو حذيفة سالما بعد عتقه، وصار يدعى بسالم بن أبي حذيفة..
ولما نزل قول الله تعالى: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} الأحزاب/5
عاد كل متبنٍ ليحمل اسم أبيه الحقيقي الذي ولده وأنجبه..
فـ(زيد بن حارثة) مثلاً، الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام قد تبناه، وعرف بين المسلمين بزيد بن محمد، عاد يحمل اسم أبيه حارثة فصار زيد بن حارثة ولكنّ سالما لم يكن يعرف له أب, فوالى أبا حذيفة، وصار يدعى سالم مولى أبي حذيفة..
ولعل الإسلام حين أبطل عادة التبني، إنما أراد أن يقول للمسلمين لا تلتمسوا رحماً ولا قربى ولا صلة تؤكدون بها إخاءكم، أكبر ولا أقوى من الإسلام نفسه.. ولقد فهم المسلمون الأوائل هذا جيدا.. فلم يكن شيء أحب إليهم بعد الله ورسوله، من إخوانهم في الله وفي الإسلام..
وهذا هو الذي حدث بين أبي حذيفة الشريف في قريش، مع سالم الذي كان عبداً رقيقا..
لقد ظلا إلى آخر لحظة من حياتهما أكثر من أخوين شقيقين، حتى عند الموت ماتا معا.. الروح مع الروح.. والجسد إلى جوار الجسد..
فلم يعد لحسبه، ولا لموضعه من المجتمع أي اعتبار.. لقد ارتفع بتقواه وإخلاصه إلى أعلى مراتب المجتمع الجديد الذي جاء الإسلام يقيمه وينهضه على أساس جديد عادل عظيم...
يلخصه قول الله الكريم: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الحجرات/13
وقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى" أحمد
في هذا المجتمع الجديد الراشد، وجد أبو حذيفة شرفا لنفسه أن يوالي من كان بالأمس عبدا.. بل ووجد شرفاً لأسرته، أن يزوج سالماً ابنةَ أخيه فاطمة بنت الوليد بنت عتبة..!
وفي هذا المجتمع الجديد، والرشيد، الذي هدّم الطبقية الظالمة، وأبطل التمايز الكاذب، وجد سالم بسبب صدقه، وإيمانه، وبلائه، وجد نفسه في الصف الأول دائما.. فقد كان إمام للمهاجرين من مكة إلى المدينة طوال صلاتهم في مسجد قباء.. وكان معه من الخير والتفوق ما جعل الرسول عليه الصلاة السلام يقول له: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك" أحمد
كانت الفضائل تزدحم فيه وحوله.. وكان إيمانه العميق الصادق ينسقها أجمل تنسيق.. وكان من أبرز مزاياه الجهر بما يراه حقا..
بعد أن فتحت مكة للمسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض السرايا إلى ما حول مكة من قرى وقبائل، وأخبرهم أنه -عليه السلام- إنما يبعث بهم دعاة لا مقاتلين..
وكان على رأس إحدى هذه السرايا خالد بن الوليد.. وحين بلغ خالد وجهته، حدث ما جعله يستعمل السيف..
هذه الواقعة التي عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم نبأها، اعتذر إلى ربه طويلا، وهو يقول: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" البخاري
ولم يكد سالم يرى صنيع خالد حتى واجهه بمناقشة حامية، وراح يعدّد له الأخطاء التي ارتكبت..
وخالد البطل القائد، والبطل العظيم في الجاهلية والإسلام، ينصت مرة ويدافع عن نفسه مرة ثانية ويشتد في القول مرة ثالثة.. وسالم مستمسك برأيه يعلنه في غير تهيّب أو مداراة.. لم يكن ينظر إليه كقائد تقدّس أخطاؤه.. بل كشريك في المسؤولية والواجب..
ولقد سأل الرسول عليه السلام، عندما بلغه صنيع خالد بن الوليد: "هل أنكر عليه أحد ؟"
وسكن غضبه عليه أفضل الصلاة السلام حين قالوا له: "نعم.. راجعه سالم وعارضه"
وعاش سالم مع رسول الله والمؤمنين.. لا يتخلف عن غزوة ولا يقعد عن عبادة..
وفي خلافة أبي كبر رضي الله عنه، وفي يوم اليمامة لمواجهة المرتدّين.. خرج المسلمون للقتال، وخرج سالم وأخوه في الله أبو حذيفة..
وكان أبو حذيفة ينادي: "يا أهل القرآن.. زينوا القرآن بأعمالكم"..
وسيفه يضرب كالعاصفة في جيش مسيلمة الكذاب.
وكان سالم يصيح: " بئس حامل القرآن أنا.. لو هوجم المسلمون من قبلي"..
(حاشاك يا سالم.. بل نعم حامل القرآن أنت..)
وهوى سيف من سيوف الردة على يمناه فبترها.. وكان يحمل بها راية المهاجرين بعد أن سقط حاملها زيد بن الخطاب... ولما رأى يمناه تبتر، التقط الراية بيسراه وراح يلوّح بها إلى أعلى وهو يصيح تاليا الآية الكريمة: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} آل عمران/146
ألا أعظم به من شعار.. ذلك الذي اختاره يوم الموت شعارا..
وأحاطت به غاشية من المرتدين فسقط البطل.. ولكن روحه ظلت تتردد في جسده الطاهر، حتى انتهت المعركة بقتل مسيلمة الكذاب واندحار جيشه وانتصار المسلمين..
وبينما المسلمون يتفقدون ضحاياهم وشهداءهم وجدوا سالماً في النزع الأخير..
سألهم: ما فعل أبو حذيفة..؟؟
قالوا: استشهد..
قال: فأضجعوني إلى جواره..
قالوا: انه إلى جوارك يا سالم.. لقد استشهد في نفس المكان..
وابتسم ابتسامته الأخيرة.. ولم يعد يتكلم..
لقد أدرك هو وصاحبه ما كانا يرجوان..
معاً أسلما.. ومعاً عاشا.. ومعاً استشهدا.. يا لروعة الحظوظ، وجمال المقادير..
وذهب إلى الله، المؤمن الكبير الذي قال عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يموت: "لو كان سالم حيّا، لوليته الأمر من بعدي"
----------------------------
سالم مولى أبي حذيفة,, حامل القرآن
أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوما، فقال: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب" البخاري
كان عبدا رقيقا، رفع الإسلام من شأنه حتى جعل منه ابناً لواحد من كبار المسلمين كان قبل إسلامه شريفاً من أشراف قريش، وزعيماً من زعمائها..
ولما أبطل الإسلام عادة التبني، صار أخا ورفيقا، ومولى للذي كان يتبناه وهو الصحابي الجليل: أبو حذيفة بن عتبة..
وبفضل من الله ونعمة على سالم بلغ بين المسلمين شأوا رفيعا وعاليا.. ذلك أنه كان رقيقا وأعتق.. وأخذ مكانه بين السابقين الأولين..
وكان حذيفة بن عتبة، قد باكر هو الآخر وسارع إلى الإسلام تاركاً أباه عتبة بن ربيعة يجتر مغايظه وهمومه التي عكّرت صفو حياته، بسبب إسلام ابنه الذي كان وجيها في قومه، وكان أبوه يعدّه للزعامة في قريش..
وتبنى أبو حذيفة سالما بعد عتقه، وصار يدعى بسالم بن أبي حذيفة..
ولما نزل قول الله تعالى: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} الأحزاب/5
عاد كل متبنٍ ليحمل اسم أبيه الحقيقي الذي ولده وأنجبه..
فـ(زيد بن حارثة) مثلاً، الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام قد تبناه، وعرف بين المسلمين بزيد بن محمد، عاد يحمل اسم أبيه حارثة فصار زيد بن حارثة ولكنّ سالما لم يكن يعرف له أب, فوالى أبا حذيفة، وصار يدعى سالم مولى أبي حذيفة..
ولعل الإسلام حين أبطل عادة التبني، إنما أراد أن يقول للمسلمين لا تلتمسوا رحماً ولا قربى ولا صلة تؤكدون بها إخاءكم، أكبر ولا أقوى من الإسلام نفسه.. ولقد فهم المسلمون الأوائل هذا جيدا.. فلم يكن شيء أحب إليهم بعد الله ورسوله، من إخوانهم في الله وفي الإسلام..
وهذا هو الذي حدث بين أبي حذيفة الشريف في قريش، مع سالم الذي كان عبداً رقيقا..
لقد ظلا إلى آخر لحظة من حياتهما أكثر من أخوين شقيقين، حتى عند الموت ماتا معا.. الروح مع الروح.. والجسد إلى جوار الجسد..
فلم يعد لحسبه، ولا لموضعه من المجتمع أي اعتبار.. لقد ارتفع بتقواه وإخلاصه إلى أعلى مراتب المجتمع الجديد الذي جاء الإسلام يقيمه وينهضه على أساس جديد عادل عظيم...
يلخصه قول الله الكريم: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الحجرات/13
وقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى" أحمد
في هذا المجتمع الجديد الراشد، وجد أبو حذيفة شرفا لنفسه أن يوالي من كان بالأمس عبدا.. بل ووجد شرفاً لأسرته، أن يزوج سالماً ابنةَ أخيه فاطمة بنت الوليد بنت عتبة..!
وفي هذا المجتمع الجديد، والرشيد، الذي هدّم الطبقية الظالمة، وأبطل التمايز الكاذب، وجد سالم بسبب صدقه، وإيمانه، وبلائه، وجد نفسه في الصف الأول دائما.. فقد كان إمام للمهاجرين من مكة إلى المدينة طوال صلاتهم في مسجد قباء.. وكان معه من الخير والتفوق ما جعل الرسول عليه الصلاة السلام يقول له: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك" أحمد
كانت الفضائل تزدحم فيه وحوله.. وكان إيمانه العميق الصادق ينسقها أجمل تنسيق.. وكان من أبرز مزاياه الجهر بما يراه حقا..
بعد أن فتحت مكة للمسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض السرايا إلى ما حول مكة من قرى وقبائل، وأخبرهم أنه -عليه السلام- إنما يبعث بهم دعاة لا مقاتلين..
وكان على رأس إحدى هذه السرايا خالد بن الوليد.. وحين بلغ خالد وجهته، حدث ما جعله يستعمل السيف..
هذه الواقعة التي عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم نبأها، اعتذر إلى ربه طويلا، وهو يقول: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" البخاري
ولم يكد سالم يرى صنيع خالد حتى واجهه بمناقشة حامية، وراح يعدّد له الأخطاء التي ارتكبت..
وخالد البطل القائد، والبطل العظيم في الجاهلية والإسلام، ينصت مرة ويدافع عن نفسه مرة ثانية ويشتد في القول مرة ثالثة.. وسالم مستمسك برأيه يعلنه في غير تهيّب أو مداراة.. لم يكن ينظر إليه كقائد تقدّس أخطاؤه.. بل كشريك في المسؤولية والواجب..
ولقد سأل الرسول عليه السلام، عندما بلغه صنيع خالد بن الوليد: "هل أنكر عليه أحد ؟"
وسكن غضبه عليه أفضل الصلاة السلام حين قالوا له: "نعم.. راجعه سالم وعارضه"
وعاش سالم مع رسول الله والمؤمنين.. لا يتخلف عن غزوة ولا يقعد عن عبادة..
وفي خلافة أبي كبر رضي الله عنه، وفي يوم اليمامة لمواجهة المرتدّين.. خرج المسلمون للقتال، وخرج سالم وأخوه في الله أبو حذيفة..
وكان أبو حذيفة ينادي: "يا أهل القرآن.. زينوا القرآن بأعمالكم"..
وسيفه يضرب كالعاصفة في جيش مسيلمة الكذاب.
وكان سالم يصيح: " بئس حامل القرآن أنا.. لو هوجم المسلمون من قبلي"..
(حاشاك يا سالم.. بل نعم حامل القرآن أنت..)
وهوى سيف من سيوف الردة على يمناه فبترها.. وكان يحمل بها راية المهاجرين بعد أن سقط حاملها زيد بن الخطاب... ولما رأى يمناه تبتر، التقط الراية بيسراه وراح يلوّح بها إلى أعلى وهو يصيح تاليا الآية الكريمة: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} آل عمران/146
ألا أعظم به من شعار.. ذلك الذي اختاره يوم الموت شعارا..
وأحاطت به غاشية من المرتدين فسقط البطل.. ولكن روحه ظلت تتردد في جسده الطاهر، حتى انتهت المعركة بقتل مسيلمة الكذاب واندحار جيشه وانتصار المسلمين..
وبينما المسلمون يتفقدون ضحاياهم وشهداءهم وجدوا سالماً في النزع الأخير..
سألهم: ما فعل أبو حذيفة..؟؟
قالوا: استشهد..
قال: فأضجعوني إلى جواره..
قالوا: انه إلى جوارك يا سالم.. لقد استشهد في نفس المكان..
وابتسم ابتسامته الأخيرة.. ولم يعد يتكلم..
لقد أدرك هو وصاحبه ما كانا يرجوان..
معاً أسلما.. ومعاً عاشا.. ومعاً استشهدا.. يا لروعة الحظوظ، وجمال المقادير..
وذهب إلى الله، المؤمن الكبير الذي قال عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يموت: "لو كان سالم حيّا، لوليته الأمر من بعدي"